أحد أهم فلاسفة فرنسا المعاصرين، بدأ حياته يسارياً متطرفاً ترك فرنسا كي يلتحق بالثوار في أميركا اللاتينية حيث ربطته صداقة وطيدة بكل من ارنستو تشي غيفارا وفيدل كاسترو. وكان قد عرف السجن في بوليفيا بسبب نشاطاته الثورية.
أصبح ريجيس دوبريه لفترة من الزمن مستشاراً لشؤون أميركا اللاتينية لدى الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران في بداية فترته الرئاسية الأولى. ثم انتقل تدريجياً من مواقع اليسار إلى صفوف اللبرالية. وقد كتب سيرة حياة الجنرال شارل ديغول.
له العديد من المؤلفات في الفلسفة والسياسة والفن والأدب والمسرح. وحاز كتابه «الثورة في الثورة» على شهرة عالمية وجرت ترجمته إلى عدة لغات عالمية. ومن كتبه أيضاً: «من أجل الفن» و«النار المقدّسة: آلية عمل العامل الديني» و«ديغول، إلى اللقاء غدا» و«الأساطير اليونانية ـ اللاتينية من خلال فئة عمل فني شهير» و«حياة وموت الصورة»...
كل كتاب من كتب ريجيس دوبريه هو حدث بحد ذاته ولو كان عدد صفحاته لا يتجاوز ال62 صفحة مثلما هي حالة هذا العمل: «أسطورة معاصرة: حوار الحضارات». المادة الرئيسية لهذا الكتاب كانت محاضرة جرت دعوة المؤلف لإلقائها في مدينة إشبيلية الاسبانية خلال شهر يونيو الماضي حول حضار الحوارات المحيطة بحوض البحر الأبيض المتوسط.
إذا كان التيار الفكري السائد اليوم يقول ب«حوار الحضارات» كوسيلة لمجابهة موجة العنف المتعاظمة التي يشهدها العالم، فإن ريجيس دوبريه يذهب في عكس التيار ليؤكد على وجود مجموعة «أوهام» يجري اعتبارها كحقائق.
وأول هذه الأوهام اعتبار أن «الثقافة» يمكن أن تلعب دور «التقريب» و«الانسجام» بين الحضارات وهذا ما يرد عليه بالقول أن العالم الذي نعيش فيه والذي «وحّدته التقنيات» تشكل فيه الثقافات عامل «تفريق» و«شقاق» بل و«نزاعات».
وفي إطار العولمة الشاملة وتوجهات السوق اللبرالية الرامية إلى توحيد القواعد المعمول بها عالميا، تتعاظم النزعات ذات الطبيعة الطائفية والاثنية باسم المحافظة على الهوية بينما أن الخلفية الحقيقية الجوهرية هي النزوع نحو الاختلاف «الثقافي».
«الوهم» الثاني الذي يحذر ريجيس دوبريه منه هو وجود نوع من «الإمبريالية المقنعة» التي تتدثّر أحيانا برداء «حوار الحضارات». وتتميز هذه الإمبريالية بالاعتقاد أنه يمكن فرض الإرادة على الآخرين.
بمجرد القيام ب«حرب جيدة» مثلما اعتقد الأميركيون عندما شنّوا حربهم ضد العراق على قاعدة قناعاتهم أن «الديمقراطية» سوف تدخل محمولة على الدبابات الأمر الذي لم يكن أكثر من وهم. ويركز المؤلف على القول أن «العولمة التقنية ـ الاقتصادية تكشّفت على أنها تمثّل في أحد أبعادها الرئيسية يلقنه سياسية ـ ثقافية.
وكما لو أن قفزة إلى الأمام فيما يخص الأدوات المادة تتناظر مع قفزة إلى الوراء على صعيد ردود الأفعال الثقافية». أي ما يعني أن النزعة الكونية ـ يونيفرسال ـ قد تراجعت كي يبرز نوع من ميل الثقافات نحو الانغلاق على ذاتها.
وكلمة «الثقافة» نفسها يجدها المؤلف «غائمة» وغير محددة المعنى ويمكن تقديم «100 تعريف» لها. ثم إن عدم وضوحها يجعلها مصدر «خطورة». ذلك أنها «مصدر زيادة للقيمة» بالنسبة للبعض بينما قد تكون «مصدرا لفقدان القيمة» بالنسبة لآخرين.
كما يعتبر ريجيس دوبريه الثقافة أقل قيمة من «أي معتقد ديني». ويشير في هذا الصدد إلى أن «المجلس المسكوني لحوار الأديان» التابع للفاتيكان قد «تضاءلت مكانته» عندما جرى إلحاقه بالمجمع المسكوني للثقافة مما جعل البابا يتراجع عن قراره.
ويدل تعبير «الثقافة» في اللغة الشائعة بالغرب «ثقافة الذهن» والعمل الشخصي الذي يقوم به الفرد على نفسه. وبهذا المدلول يتم الحديث عن «وزارة الثقافة» و«أماكن الثقافة» من متاحف ومسارح ودور سينما، الخ. أما تعبير «الحضارة» فإنه يدل على «حقيقة جماعية» وأكثر عمقا.
لكن ريجيس دوبريه يركز في تحليلاته على القول ان المجتمعات الحديثة قد عرفت تغييرات جذرية، ذلك أن «الزلزال التكنولوجي الجاري» قلب هذه المجتمعات رأسا على عقب بحيث أصبح من المشروع طرح السؤال التالي: كيف يمكن للفعل الثقافي أن يتمايز حقيقة عن الفعل التقني؟
الإجابة على مثل هذا السؤال تبقى صعبة لاسيما وأن «العالم الواحد التكنولوجي ـ الاقتصادي يبدو متعارضا مع تعددية العوالم الثقافية، مثلما يتعارض ماهو كوني مع ما هو محلي، وما هو «جديد باستمرار» مع ما هو «نفسه باستمرار».
مثل هذه الحالة من التعارض يشرحها المؤلف بالقول ان المنظومات التقنية المعاصرة تغطي مجالات أكثر فأكثر اتساعا مع استمرارية زمنية طويلة جدا وإنما محصورة في حدود معينة. وإذا كان البشر في بكين أو دمشق يحملون في عام 2007 نفس الهواتف المحمولة والحواسيب التي يحملها سكان اشبيلية أو باريس، فلا شك أن الباريسيين مثلا سوف يشعرون بأنفسهم مقتلعين من جذورهم في بكين أو دمشق، على الأقل بسبب الاختلاف اللغوي.
بالمقابل إذا كانت الثقافة تقسم الجنس الإنساني بين كيانات مستقلّة عن بعضها البعض يتم التعبير عنها بإتنيات وشعوب وحضارات فإن التقنية توحده في ظل واقع من التداخل الكبير. كذلك إذا كانت «أمكنة الذاكرة وذاكرة الأماكن» تشجع على تنامي نزعة «التمركز حول الذات» فإن آخر صيحات التكنولوجيا تشجع على تنامي الإحساس بالانتماء الكوني الكوسموبوليتي،
هذا لاسيما وأن آليات عملها ليست مرتبطة حصرا بأرض أو لغة أو معتقد ديني. هكذا تغدو مثلا طائرات «ايرباص» والأقمار الصناعية والمفاعلات النووية قابلة ل«الارتحال» بشكل ممتاز في مختلف أماكن المعمورة بينما أن العادات واللغات والأساطير تبقى «مقيمة» في أرضها.
ما يريد أن يقوله المؤلف هو ان البشر «يسكنون ثقافة ولا يسكنون تقنية». ويشير إلى أن «الانترنيت» نظّم بنية العالم كشبكة، هذه حقيقة واقعة. لكن الأمر مختلف تماما فيما يخص «تنظيم الشبكة في عالم». ويقصد بالعالم هنا «ذاكرة مشتركة وأرض ولغة». إن شبكة الطرق وسكك الحديد كانت ضرورية من أجل «وجود» أوروبا لكنها كانت بالقطع غير كافية من أجل «خلق الإحساس بالهوية».
«الثقافة» لا تشكل برأي المؤلف «المكان الطبيعي» لخلق الانسجام. «العلم والتقنية» قد يكونان قادرين على لعب مثل هذا الدور. بل إن الثقافة كما يتم تقديمها هي «المكان الطبيعي للمواجهة» بسبب علاقتها العضوية مع الهوية. ومهما قيل هناك «نحن» تطرح نفسها في معارضة «هم» مثلما تتعارض «الأنا» مع «الآخر».
و«عمّا» يتم الحديث عندما نذكر«الحوار»؟ يتساءل ريجيس دوبريه ويجيب أولا أن هذا التعبير لا معنى له ولا فائدة منه إلا إذا عنى بشر يعتقدون أنهم مختلفون أصلا. فإذا كان الأمر يتعلق ب«حوار» داخل نخبة ذات صبغة عالمية تجمع عدداً من أصحاب النزعة الإنسانية واللبراليين على الطريقة الغربية «يتداولون» حول الديمقراطية وحقوق الإنسان فإن مثل هذا «الحوار» لا يعني الشعوب.
ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير إلى أن العلاقات الدولية تجتاز حالياً فترة غريبة. ذلك أن الدول المسيطرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، تعتقد أنها قد كسبت «معركة التاريخ». وبالتالي ألغت من حساباتها واهتمامها أي نقاش، أي ما يعني في قاموس الدبلوماسية إلغاء أية سياسة خارجية، مع أولئك الذين لا يشاركونها نفس الأفكار والقيم.
فهؤلاء «مارقون» وتنبغي إدانتهم. ثم «يتم قصفهم إذا بالغوا». وهذا ما يعتبره المؤلف إرثا من «الإمبراطورية البيزنطية» عندما كانت الإدارة المسؤولة عن العلاقات الدولية تسمّى «مكتب البرابرة». ويرى «دوبريه» أن هذه التسمية يمكن أن تعتمدها بعض العواصم.
في المحصلة يرى المؤلف أنه إذا كان حوار الثقافات يكمن في إرادة إعطاء ثقل مقابل لمقولة «الحرب ضد الإرهاب» وللتعبير عن إرادة نشر القيم الغربية المسيطرة فإن مثل ذلك الحوار لا يساوي شيئاً. يقول دوبريه: «علينا أن لا ننسى أنه سينبغي دفع الأمور أكثر والاجتماع في يوم قريب،
إذا كان الحلم مسموحاً في غزة وطهران وبيروت ودمشق دون نسيان كابول وبغداد». وهذا كله «بعد الاسكندرية». «إن أسوأ الأمور بالنسية لثقافة ما، كما هو معروف، هو أن تبقى وحيدة»، جملة جاءت في الكتاب وتلخص فكرته جيداً.
*الكتاب:أسطورة معاصرة: حوار الحضارات
*الناشر:المركز القومي للبحث العلمي (سي.ان.ار.اس) باريس ـ 2007
*الصفحات :62 صفحة من القطع المتوسط
Un mythe contemporain le dialogue des civilisations
CNRS - Paris 2007
P. 62