مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والفيلسوف هانزكون المختص بالفكر الأوروبي والحركات السياسية الحديثة. وهو يقدم هنا دراسة واسعة عن كيفية نشوء النزعة القومية وتطورها ومآلها. ومنذ البداية يقول بما معناه:

إن فكرة القومية كعقيدة إيديولوجية كانت قد تبلورت في القرنين التاسع عشر والعشرين في بلدان أوروبية عديدة. وقد ظهرت القومية بشكل مبكر في فرنسا وأدت إلى تأسيس الدولة الفرنسية على يد الملك هوغ كابي. ثم ترسخت هذه الدولة وتحولت إلى نظام ملكي مطلق على يد لويس الرابع عشر.

وبعدئذ تطورت القومية الفرنسية وتحولت إلى قومية علمانية حديثة في القرون اللاحقة. أما في البداية فكانت مرتبطة جدا بالدين المسيحي والمذهب الكاثوليكي. فبعد الثورة الفرنسية أصبحت القومية الفرنسية ذات محتوى علماني حديث لا ديني أصولي قديم. وقد ألهمت بعض الشعوب المجاورة فكرة القومية وبخاصة الشعب الألماني الذي كان مقسما إلى دويلات عديدة دون وحدة جامعة.

وبالتالي فالقومية ظهرت في فرنسا قبل ألمانيا بكثير. ولكن الشعور القومي سرعان ما انتشر لدى الشعوب الجرمانية وأدى إلى وحدتها في نهاية المطاف.

ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه:

يمكن القول انه اخترقت أوروبا عدة تيارات إيديولوجية قومية، نذكر من بينها أساسا التيار القومي الثوري ذا الاتجاه الإلحادي تقريبا، وهو مضاد للمسيحية ولا يعتبرها جزءا من التراث الأوروبي لأنها وفدت عليه من الخارج: أي من منطقة الشرق الأوسط. وهو تيار وثني، أي تيار اليمين الجديد.

وهناك تيار مضاد له وللثورة الفرنسية. وهو يعتبر أن القومية الفرنسية ذات مضمون مسيحي كاثوليكي لأن ملوك فرنسا وحدوا البلاد على هذا الأساس. وهذا التيار ولّد النزعة القومية الفرنسية المحافظة المرتبطة بالماضي.

ولكن هناك تيارا قوميا فرنسيا علمانيا حديثا يخرج عن كلتا الإيديولوجيتين السابقتين. وهو الأكبر والأهم من حيث العدد. وقد سيطر طيلة القرن التاسع عشر وحتى تشكيل الوحدة الأوروبية في السنوات الأخيرة. وقد جمع هذا التيار بين الأصالة والمعاصرة واعترف بالأهمية الكبيرة للثورة الفرنسية ومبادئها في الحرية والمساواة والإخاء. وهو الذي أسس الدولة الفرنسية الحديثة.

ولكن النزعة القومية في ألمانيا قامت على فكرة العرق والثقافة والدم وأدت إلى كوارث سياسية لاحقا ليس أقلها الكارثة الهتلرية. فالنزعة القومية إذا ما ذهبت إلى نهاياتها تحولت إلى كره للآخر وتعصب أعمى للذات.

وهذا ما حصل للشعوب الأوروبية في القرن التاسع عشر حيث تشكلت النزعة القومية الفرنسية التي غزتها بعد الثورة من خلال نابليون وجيوشه. ومعلوم أن كتاب الفيلسوف فيخته: خطاب موجه إلى الأمة الألمانية هو الذي أسس القومية في ألمانيا. وكذلك فعلت كتابات مفكر آخر هو: هيردر.

وقد رأى فيخته أن الأمة الألمانية مقودة من قبل الله لهداية البشرية كلها. وظهرت دعوات متطرفة مشابهة لدى المثقفين الروس حيث راح بعضهم يتحدث عن روسيا المقدسة ورسالتها الكونية إلى البشر. مهما يكن من أمر فإن النزعة القومية شيء إيجابي ولا غبار عليه بشرط ألا تتحول إلى تعصب أعمى وحقد على كل من لا ينتمي إلى قوميتنا.

فالنزعة القومية هي التي أدت إلى تشكيل الدول الحديثة في أوروبا كالدولة الفرنسية، والدولة الألمانية، والدولة الاسبانية، والدولة الإيطالية، الخ. وقد كان القرن التاسع عشر هو عصر القوميات بامتياز. واستمر الأمر على هذا النحو حتى منتصف القرن العشرين.

عندئذ حصل رد فعل قوي على التعصب القومي وراحت الفكرة الأوروبية تحل تدريجيا محل النزعات القومية. وعلى هذا النمو تشكل الاتحاد الأوروبي الذي يريد أن يتجاوز القوميات وصراعاتها وتناحراتها. والواقع أن الحربين العالميتين اللتين دمرتا أوروبا هما اللتان دفعتا الشعوب الأوروبية إلى الاشتباه بفكرة القومية ووضعها على محك التساؤل والشك.

وقد تشكلت الوحدة الأوروبية كرد فعل عليهما. ويعتبر ذلك أكبر حدث سياسي في القرن العشرين، والواقع أنه مدهش جدا، إذ كيف استطاعت هذه الأمم المتناحرة على مدار التاريخ أن تجتمع في كيان سياسي واحد؟ كيف تصالحت مع بعضها البعض بل و توحدت بعد كل تلك المجازر والحروب؟

لقد أدت الوحدة الأوروبية إلى تجاوز النزعات القومية الضيقة التي كانت تفرق بين الشعوب الأوروبية. ولأول مرة في التاريخ تعيش أوروبا ستين سنة متواصلة دون حروب بين بعضها البعض. وكل ذلك بفضل تشكيل الاتحاد الأوروبي.

وما كان أحد يتوقع له النجاح في البداية لأن الحزازات القومية كانت مترسخة في النفوس على مدار التاريخ وبخاصة بين الألماني والفرنسي، أو الفرنسي والانجليزي، الخ. ولكن بما أن الشعوب الأوروبية عانت كثيرا من الحربين العالميتين فإنها قامت برد فعل ضد النزعات القومية المتطرفة وتحمست للوحدة الأوروبية التي أنقذتها من الانقسامات التاريخية والمجازر والحروب.

ولكن يبقى السؤال مطروحا: كيف يمكن أن تتوحد أمم ذات لغات مختلفة؟ فالفرنسي مصر على لغته ويحبها مثل الألماني والانجليزي والإسباني، الخ. في الواقع أن كل شعب أصبح يشجع تلامذته على تعلم لغة الشعب الآخر.

ولكن يبدو أن الغلبة ستكون للانجليزية في نهاية المطاف لأنها اللغة العالمية الأولى. وقد أصبح المسؤولون الأوروبيون يتحدثون بها أثناء اجتماعاتهم في مقر الاتحاد بالعاصمة البلجيكية بروكسل دون أن يعني ذلك عدم استخدام اللغات الأخرى كالفرنسية والألمانية وسواهما.

مهما يكن من أمر فإن المؤلف يرى أن عصر القوميات قد ولّى أو أكل وقته كما يقال. ولكن هذا لا يعني أن العصبية القومية قد انتهت تماما. فاليمين المتطرف في كل بلد مضاد للوحدة الأوروبية. وأكبر دليل على ذلك زعيم الجبهة القومية في فرنسا: جان ماري لوبن. فهو ضد الوحدة الأوروبية ولا يريد تذويب فرنسا في كيان آخر أوسع منها وأكبر هو الكيان الأوروبي.

وهناك أشباه له في الجهة الألمانية أو عند الانجليز والطليان والاسبان وسواهم من الشعوب الأوروبية الأخرى. ولكن هذا التيار القومي العنصري يظل أقلية على الرغم من أهميته. فأغلبية الشعب مع الاتحاد الأوروبي دون أن يعني ذلك أن الفرنسي سيتخلى عن لغته أو هويته الفرنسي ولكنه سيضيف إليها هوية أكبر هي الهوية الأوروبية.

فعالم الغد هو عالم التجمعات والتكتلات الكبرى. ومن كان صغيرا سوف يأكله الكبار. وهذا ما يدركه الفرنسي جيدا. ففرنسا كانت إمبراطورية في السابق ومكتفية بنفسها، كانت قوى عظمى وليست بحاجة إلى غيرها. أما الآن فقد تغيرت الأمور.

وأصبح الفرنسي يعلم أنه لن يكون له وزن في عالم الغد تجاه الصين أو الهند أو سواهما من الكتل الكبرى إلا عن طريق الاتحاد الأوروبي الذي يضم نصف مليار شخص. هذا في حين أن عدد سكان فرنسا لا يتجاوز الستين مليونا إلا قليلا. وبالتالي فماذا يمكن أن يفعل ستون مليونا أما مليار ونصف المليار صيني، أو أمام مليار هندي، أو أمام نصف مليار برازيلي؟ لهذا السبب فإن المستقبل للوحدة الأوروبية.

*الكتاب: فكرة القومية

دراسة عن أصول النزعة القومية وخلفياتها

*الناشر:ترانساكشن بوبليشير نيويورك 2007

*الصفحات: 800 صفحة من القطع الكبير

A study of nationalism : a study in its origins and background

Transction Publishers New York 2007

P.800