مؤلف الكتاب «شرح الصدور لشرح زوائد الشذور» هو العلاّمة «شمس الدين البرماوي - محمد بن عبد الدائم البرماوي» المولود سنة 673 هجرية في بلده «برمة» في مصر، إبان السلطنة المملوكية، حيث قضى طفولته الأولى في كنف أسرته، حيث كان أبوه مؤدباَ لأطفال البلدة، يعلمهم القراءة والكتابة وعلوم الدين والعربية وهكذا حفظنا مؤلفنا القرآن الكريم، وبعضاً من كتب العربية.

ثم ذهب إلى القاهرة، حيث تتلمذ من جديد على يد علمائها، وبقي مكباً على طلب العلم، حتى ضاقت به الحال، واغتم لذلك، فعمل في خدمة «بدر الدين محمد بن أبي البقاء» وناب عنه في الحكم، كما ناب عن «البلقيني» وكان قاضياً جليلاً، ثم اعرض عن ذلك بعد حسن الحال وصلاح البال،

وأقبل على العلم والتدريس والتصنيف ثم بدأ برحلاته، فكانت الأولى إلى «دمشق» حيث ذهب إلى عند صديقه «نجم الدين عمر بن حجي» الذي استنابه في الحكم والخطابة، ثم ولي إفتاء دار العدل، والتدريس في «الرواحية والأمينية» لكن موت ولده «محمد» وجزعه عليه، دفعه إلى الخروج من دمشق والعودة من حيث أتى، بعد أن أمضى فيها خمسة أعوام.

ثم كانت الرحلة الثانية إلى «مكة» و«بيت المقدس» حيث قصد «البرماوي» «مكة» حاجاً سنة 828 هجرية، وبعد أداء الفريضة ومناسكها، مكث فيها مجاوراً ينشر العلم ويلتقي أهل الفضل، ثم عاد على القاهرة ومنها إلى بيت المقدس، حيث بقي فيها إلى أن أدركته المنية سنة 831 ه، عن عمر حافل يقارب الثامنة والستين، ودفن في القدس بتربة ماملا بجوار الشيخ «أبي عبد الله القرشي».

ترك «شمس البرماوي» مجموعة من التصانيف، بعضها في الحديث النبوي والفقه، وبعضها في التاريخ وعلوم العربية، منها ما هو تأليف، ومنها ما هو شرح وتعليق وتلخيص ومنها أراجيز منظومة تسهيلاً لحفظها على طلبة العلم، وقد حظيت مؤلفاته باهتمام معاصريه، فأكبوا عليها دراسة ونقداً وحفظاً وشرحاً.

أما كتابه «شرح الصدور» فهو استدراك على «ابن هشام الأنصاري» في كتابه «شذور الذهب» متناً وشرحاً، حيث يقول البرماوي: «فلما كان «شذور الذهب» للعلامة أستاذ المتأخرين «جمال الدين عبد الله بن هشام الأنصاري» مختصراً، جمع مبسوطات في العربية، وأنموذجاً لمفصّل قواعدها الكلية، وقد شرحه مصنّفه -رحمه الله ـ شرحاً كمّل به مقاصده، وسهّل به موارده،

غير أن في المتن جملاً خلا الشرح من إيضاحها، وقد حلي المتن بأوضاحها، كان الشيخ زاد بعضها بعد أن تمّ هذا الشرح وترك بعضها، إما لوضوحها، أو لغير ذلك مما يعتري البشر، جمعت هذه المواضع على الترتيب، شارحاً لها على طريق التسديد والتقريب، متبركاً بجليل كلامه، متأسيّاً بجليل نظامه، وسمّيت ذلك «شرح الصدور لشرح زوائد الشذور».. .

وهكذا يقدم لنا «البرماوي» كتابه هذا استدراكاً على كتاب «ابن هشام» شذور الذهب، شارحاً وموضحاً، ومرتباً بادئاً بالمسألة الأولى: فيما يقبل تاء التأنيث الساكنة، حيث يتعرض إلى كتاب «ابن هشام» الذي لم يتعرض في هذه المسألة في الشرح لـ «بئس»

بل قال عطفاً على ما يستدل على فعليته بتاء التأنيث، مورداً قول النبي «صلى الله عليه وسلم»: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة». وهكذا يقدم لنا «البرماوي» دليلاً واضحاً على اتصال بئس بتاء التأنيث مستشهداً لذلك بقول النبي « صلى الله عليه وسلم » ثم يشرح بعد ذلك هذه المسألة واختلاف النحويين على بئس ونعم.

ويقدم بعد ذلك إحدى وأربعين مسألة وكلها طبعاً مسائل نحوية، لأن كتاب «ابن هشام» «شذور الذهب» هو كتاب نحوي ليكون كتابه هذا مكملاً وموضحاً لكتاب ابن هشام، بحيث من يقرأ الكتابين يكون قد امتلك ناصية معرفة النحو العربي فمثلاً في المسألة الثالثة والعشرين: في مسوّغ الابتداء بالنكرة: يورد قول ابن هشام: وعليهما: «ولعبد مؤمن خير» أقول الضمير في عليهما يعود إلى التخصيص والتعميم،

أي: وعلى انحصار المسوّغات في التخصيص والتعميم، ورجوع الصور كلها إليها، صح الابتداء بالنكرة في قوله تعالى: «ولعبد مؤمن خير من مشرك» لما في ذلك من التخصيص بالوصف، هذا ما ظهر لي من فائدة قوله «وعليهما» ولم يتعرض في «الشرح» لمعنى ذلك، وهو محل نظر، وإنما مثّل بالآية، وبيّن أن الوصف فيها مذكور، ثم ذكر الوصف المقدر».

وهكذا يوضح لنا «البرماوي» ما غاب عن ذهن ابن هشام، ليكتمل المشهد المعرفي للنحو.