بإحساس الأديب المرهف الذي يشعر بقسوة وعنف المشترك المكاني يكتب نصري الصايغ كتابه الجديد (لست لبنانياً بعد)، فلبنان الذي تميّز طوال عهده بالتعايش بين مجموعة كبيرة من الطوائف والإثنيات، بات اليوم أشبه بكائن أسطوري يضغط بمزيد من القوة على صدور أبنائه الساعين للخلاص من أسر الضرورة، أو الضرورات الغبيّة التي سُجنوا فيها.

حيث ظلّ التجاور قائماً ككيانات مستبدة تعصف بزهرة الرغبات، وتقمع النفوس الرافضة لبيارق وهمية تنتمي إلى ثقافة القرون الوسطى، على الأقل، من حيث التشبث بانتماء عتيق لم يرتق يوماً نحو ما يسمّى الوحدة الوطنية، أو الوحدة الإنسانية، حيث ممكنات التعايش الأرحب والأسمى، فنحن اليوم ندخل الألفية الثالثة، وزمن ما بعد الحداثة الذي بشّر بإمكانية التعايش في وسط متجاور متناقض في ظلّ نظام جديد، وإن عنى هذا بشيء، إنما يعني أن هؤلاء البشر في هذه الجغرافيا الصغيرة القاسية، مازالوا يرون في الحاضنة الطائفية الملاذ الآمن، درءاً من الشرور الكثيرة التي رافقت نشوء وتكوّن هذه الدولة.

وما يطرحه نصري الصايغ في هذا الكتاب، يتلخّص في أن يعي قادة هذا النظام مركز تموضعهم في قارة التاريخ، وأن يدركوا أن ثمة في بلدان العالم متسع للحرية الفردية، والتي تتلخّص في أن ينتمي المرء إلى ما يريد،

وليس إخضاعه لضرورة الاستبداد المجتمعي والسياسي في صورته الطوائفية، أي أن يكون هناك فسحة صغيرة لإمكانية الانعتاق من نظام الضرورة المكبّل والمهيمن على الفرد منذ الطفولة الأولى وحتى الشيخوخة المتأخرة، أو أن تنعتق مجموعات من الناس لتجتاز تلك الأسوار العالية التي تشبه إلى حدّ كبير قلاع القرون الوسطى.

بأسلوبية سردية شفّافة بسيطة وعميقة، يحكي نصري الصايغ حكايته عن نظام الطائفية، وعن معاناته الشخصية ومعاناة أمثاله من الرافضين لنظام الطائفية الاجتماعي والسياسي، ويشير بوضوح أن الإنسان في المجتمع الطائفيّ سيكون أشبه ب«الصعلوك» في زمن القبيلة القديم، تنبذه طائفته أوّلاً، ولن يعترف به حكومياً ما لم يمهر بختم طائفيّ،

وإنها لمأساة حقاً أن تعيش في دولة لها رعايا ولكنها في الوقت نفسه لا تمنحك جنسيتها، حتّى ولو كنت سليل الفينيقيين، ما لم تمهر بهذا الختم البغيض فيقول ساخراً: (يجوز أن تتكنى بالمواطنة مجازاً، أنت في الحقيقة لست مواطناً، إن شئت أنت مواطن مؤجّل، مواطن مقيم في طائفته..).

ومن هنا، فإن هذا النظام لا يشبهه نظام آخر في العالم، فهو بتعبير الكاتب ليس مرشّحاً للفوز بنظام علماني ديمقراطي دفعة واحدة، أو بنظام دولة دينية، أو بنظام عسكري استبدادي، أو أيّ نظام متداول كونياً، وليس مستقبل هذا النظام بلوغ التعددية الكونفدرالية بحيث تتطابق الجغرافيا البشرية مع الجغرافيا الطائفي، هو المزيد من الطائفية!

ومن جهة ثانية، سوف يقارن ما بين الصهيونية والطائفية، فيستنتج أن النظام الطائفي أشدّ وطأة من الصهيونية، فكلّ ما ارتكبته الصهيونية من مجازر تبقى أقل همجية وبربرية من الطائفية، وإذا كانت الصهيونية عنصرية، إلاّ أن الطائفية في أعلى مراتب العنصرية،

فالعنصرية الصهيونية تميّز بين اليهودي والفلسطيني، بينما الطائفية تميّز بين اللبناني واللبناني. الصهيونية تعتبر الفلسطيني عدواً، بينما الطائفية ترسم حدود العداء الهستيري بين الطوائف وأتباعها، وتقودهم إلى المسلخ كالنعاج الهائجة. فالطائفية كفاءة لتدمير الوطن برمّته، وقد فعلت ذلك سلماً وحرباً.

وإلى ذلك فإنه في فصول الكتاب المختلفة: سيكولوجية الإنسان الطائفي، بؤس العلمانيين، كذبة التعدد في مجتمع متخلّف، عوارض الاستقلال اللبناني، التشويه المتبادل، قصّة قتل معلن، والملاحق المختلفة، سوف يعزز وجهة نظره بمزيد من الأمثلة من حيث ازدواجية المواقف والعبودية المختارة بما يشبه تنظيمات ما قبل الدولة، حيث يواظب ابن الطائفة على نظام الطاعة الصارم، ويقبل طواعية بتدجينه في قفص كما الطيور الداجنة.

والمشكلة الكبرى في مثل هذا النظام أن أعداءه لا يأتون من الخارج، وإنما هم مَن يقيمون في البلد ذاته من الطوائف الأخرى، أو بمعنى آخر عدوّه قريب من أنفاسه، يشاركه الزمان والمكان والعمل، وهو ملزم، في الوقت نفسه، أن يصوغ معه حياة مشتركة، وتلك هي قمة المأساة، إذ إن الحياة الاجتماعية التي ولدت صداقات وزواجات وغير ذلك، سوف تنهار بمجرد أن تدقّ طبول الحرب، وما أكثرها!

ويتساءل الكاتب، أنه إذا كان ولابدّ من هذا النظام، فماذا لا يُمنح العلمانيون التوّاقون للخروج منه حرية إلغاء بند الطائفة من الهوية، علماً أن شطب الإشارة إلى القيد الطائفي في خانة النفوس قد تحقق في بلدان أخرى، وهو بالتأكيد لا يحتاج إلى معجزات، فيما إذا كان الكلّ راغبين في الارتقاء بالنظام نحو بني دولة أكثر تقدّماً مما هي عليه،

ولكن فيما يبدو أن النظام الطائفي أقوى من كلّ الرغبات، وأقوى من الدولة ذاتها، نظراً لأنه، بتعبير المؤلّف، يفرّغ الدولة من مدنيتها، لتغدو في النهاية ملحقة بالطائفية، وتأخذ حصّتها منها، وعلى سبيل المثال، يذكر المؤلّف أن انتزاع بعض السلطة من رئاسة الجمهورية لصالح تجمّع طائفيّ في الحكومة، دفع لبنان إلى 15 سنة من الحرب، ولا تزال الحصص موضع نزاع، وبالتالي فإنه نظام طائفي مؤبّد كما عبر عنه بسخريته المُرّة.

أما على صعيد الذات الطائفية، فإن المؤلّف يواظب الحفر فيها من خلال غزو سيكولوجيته داخل «الكوجيتو» الطائفي: «أنا طائفي، إذا أنا موجود»، فلا وجود للإنسان خارج هذه الدائرة الجهنمية، فيذهب في تفكيك الصورة بكلّ أبعادها ومراتبها: الموقع الاجتماعي، ازدواجية المواقف، الولاء والامحاء، الطائفية والقبلية، الحاضنة الحمائية وعلاقة الفرد بها وغيره.

والسؤال الآن، لماذا لم يفكر اللبنانيون، وهم المتضررون الوحيدون من هذا النظام، الارتقاء به نحو كيان وطني متماسك اجتماعياً وثقافياً؟ ومَن المستفيد من إيقاف عملية التقدّم الاجتماعي نحو ديمقراطية تفتح باب الحوار والتعايش بدلاً من لغة العنف؟

أهم رؤساء الطوائف والعوائل المستفيدة؟ أم دول الجوار؟ أم دول الاستعمار القديم والجديد؟ ثمّ ألا ينخدش ضمير البشرية، وهي ترقب هذه الجماعات المسلحة في لبنان والعراق والكثير من دول العالم المتخلفة، تسعى إلى تدمير المنجز الإنساني في إمكانية العيش المشترك؟

نظنّ أنه ما من دولة تصل بها الأمور إلى حدّ صياغة قانون الطائفية دستورياً، إلاّ والعنف مستقبلها، نظراً للكم الكبير من المشكلات التي ستعترضها، مما يشعل فتيل الحرب في كلّ لحظة يتخاصم فيها اثنان، حتّى ولو كان الأمر تافهاً من مثل مغازلة شاب لفتاة من طائفة أخرى، وهذا ما جرى سابقاً وما سيجري لاحقاً، وكلّنا شهدنا الحروب الكثيرة التي خاضها لبنان، ومازال مرشحاً لغيرها،

وبالتالي فإن مفكراً من مثل نصري الصايغ وغيره من أصحاب الضمائر الحيّة يحقّ لهم أن يرفعوا الصوت عالياً، ليس لأجل لبنان فقط، وإنما لأجل العالم أيضاً، هذا العالم الذي لم يتوان لحظة عن التغاضي عن جملة المشكلات العرقية والعنصرية التي تحصل بين ظهرانيه، وكأن ما يحصل ليس في الجوار القريب، وإنما في المريخ.

ومن جهة ثانية ألا يفكر هذا العالم بأن ديمومة هذه البنى هي بمثابة لطخات من الحبر في ضميره ووجدانه، وأنه بموقفه المحازب أو اللامبالي إنما يؤخّر السيرورة الطبيعية في عملية التطوّر الإنساني، أم هناك مآرب وغايات يضمرها إزاء دول بعينها.

في الختام، نرى أن نصري الصايغ في كتابه هذا، وفي رؤيته الفكرية الناقدة لنظام متداع وقديم، إنما يمثّل شريحة من المثقفين والمتنوّرين العرب الذين أدركوا أن جملة المشكلات التي نعاني منها، لا سبيل إلى الخلاص منها ما لم يتمّ تبني بنية أكثر مدنية وعقلانية بإمكانها تجاوز نظام الطائفة إلى ما هو أبعد وأرقى وأرحب، وليس غير العلمانية من يحقق ذلك.

عزت عمر

*الكتاب: لست لبنانياً بعد.. في مديح الطائفية

*الناشر:رياض الريّس للنشر والكتب ـ بيروت 2007

*الصفحات:245 صفحة من القطع الوسط