هشام أبو حاكمة، باحث متخصص في تاريخ فلسطين القديم، وله عدة مؤلفات في هذا الحقل، منها: أوهام اليهود في الوطن الموعود، مملكة إسرائيل اسم موضوع وتاريخ مصنوع، والمسيح الدجال، ومعركة هارمجدون، وتاريخ فلسطين قبل الميلاد، وتاريخ القدس القديم.

يفند هذا الكتاب بعض ادعاءات كهنة بني إسرائيل وأساطيرهم المزعومة عن تاريخهم، والتي أثبتت المصادر أنها مختلفة ومتناقضة، فرواياتهم قد سيقت على أنها مصادر تاريخهم القديم، كما أن الذين قاموا بكتابة العهد القديم في بابل، قد اعتمدوا على سرقة الكثير من أساطير الشعوب القديمة، واعتبروها تاريخاً لهم. وإذا كان التاريخ هو سلاح الوجود والبقاء الذي تحارب به إسرائيل معتمدة على أساطير العهد القديم، فلما لا نحاول مجابهتها بنفس السلاح، وبنفس الإصرار؟.

في البداية يشدد الكاتب على الأسطورة وأهميتها في كتابة العهد القديم، وأن العديد منها مرتبط بالظواهر الخارقة، والأوامر والنواهي التي وردت على لسان الرب. كما أن بعض هذه الأساطير ليس له تاريخ أو مكان محدد. فالخروج من مصر، وهو من الأحداث العظيمة في التاريخ اليهودي، ليس معروفاً حتى الآن في أي عهد حدث. كما أن الكثير من الغموض ما زال مثاراً حول ملكة سبأ.

وبالتالي فإن استخدام القصص الخرافية عند كتابة التاريخ الإسرائيلي القديم، يظهر عدم الترابط بين هذه الأساطير، وبين التاريخ الحقيقي. وبالبحث عن هذا الترابط فإننا نصطدم بالمشكوك فيه، واللامعقول، بل والمستحيل أحياناً، مثل قصة اللاوي الذي نزل ضيفاً مع زوجته على رجل من سبط بنيامين، فتجمع سبعمائة رجل على تلك المرأة وأخذوا يغتصبونها حتى الصباح فماتت من جراء ذلك، فقطعها اللاوي إلى اثنتي عشرة قطعة، ووزعها على أسباط بني إسرائيل. ويتناول المؤلف أهمية الاعتماد على كتاب العهد القديم عند كتابة التاريخ القديم للمنطقة عامة، ولبني إسرائيل خاصة. وفي هذا الصدد يشير الكاتب إلى تطور علوم الآثار، وأهمية الاكتشافات الأثرية. حيث لم يعد المطلوب هو إيجاد علاقة بين النص التوراتي والمكان على الطبيعة إن وجد، لتأكيد الحدث.

بل أصبحت النماذج المعمارية، وبقايا العظام الحيوانية، والبذور، والتحليلات الكيماوية لعينات التربة ومظاهر الحياة، واستخراج المعلومات منها هو الدليل على مدى صدق روايات العهد القديم.

وقد أثبتت دراسة تلك الآثار أن العديد من أحداث التاريخ القديم لم تحدث لا في المكان، ولا بالطريقة الموصوفة في العهد القديم، بل أن بعض تلك الحوادث لم يحدث أصلاً. وفي هذا السياق يؤكد المؤلف على أهمية التفرقة بين الأسفار الخمسة الأولى (كتب موسى الخمسة)، وهي المنزلة عليه فوق جبل سيناء،وبين تلك الأساطير والحكايات وسلالات النسب والتي كتبت في عهد السبي البابلي بعد ذلك بعدة قرون. كما يتطرق الكاتب إلى التواريخ الموجودة في كتب التوراة سواء كانت عبرية أو سامرية أو يونانية. حيث تختلف جميعاً عن المكتشفات الأثرية في إعطاء تقديراً لحياة الإنسان الأول على الأرض. فظهور الإنسان وفقاً لأبعد تقدير توراتي هو عام 5434ق.م.

بينما تؤكد الحفريات في فلسطين فقط على وجود إنسان الحضارة الكبارية، والحضارة النطوفية في العصر الحجري القديم في حوالي عام 10000 ق.م.، وبالتالي فإن التاريخ التوراتي لا يمكن، بل لا يجب، الاعتماد عليه في تحديد أزمنة وتواريخ وأنساب وأماكن وسلالات آدم ، وحتى إبراهيم ، عليهما السلام. ويوضح الكتاب قصة خروج بني إسرائيل من مصر، من حيث عددهم ومكان خروجهم وطريقة تجمعهم وكيفية السماح لهم بالخروج، ومظاهر الحياة لديهم، والآثار الدالة على نشاطهم في مصر. و الجدير بالذكر في هذا الموضوع هو الاختلاف الواضح في تفاصيل وبيانات الخروج من مصر بين كتب التوراة بعضها البعض، وبين المشار إليه في القرآن الكريم.

حيث يشير المؤلف، وبالاعتماد على علم الإحصاء السكاني، إلى استحالة وصول عددهم إلى ستمائة ألف رجل مقاتل (بما يزيد عليه من أعداد النساء والأطفال والشيوخ)بعد أن كانوا سبعين شخص فقط عند دخولهم مصر، وذلك في مدة لا تتجاوز قرنين من الزمان (يتضاعف عدد السكان في المتوسط الطبيعي كل 25 :40 عام). كما أن هناك شبه استحالة لتجميع وهروب مليونين من البشر مع متاعهم وماشيتهم سراً، وبعيداً عن أعين فرعون وجواسيسه. كما أن عدم العثور على أي أثر لمظاهر الحياة لديهم عند العبور والإقامة سواء في سيناء أو في شرقي النهر. وهذا ما دفع علماء اللاهوت والمؤرخين وعلماء الآثار والأنثروبولوجي إلى عدم الاعتداد بتلك الأرقام، وبالكثير من تفاصيل تلك الرواية التوراتية.

كما يتحدث الكاتب عن أسباط بني إسرائيل وخرافة الأسباط الضائعة التي تعود إلى الزمن الذي توفي فيه سليمان عليه السلام، وحدث الانقسام في مملكة أورشالم إلى مملكتين، هما السامرة في الشمال، و يهوذا (أورشالم) في الجنوب.

وقد استوطن يهوذا وبنيامين في الجنوب، بينما استوطن الأسباط العشرة الباقية في الشمال الأكبر مساحة والأكثر سكاناً والأغنى بالموارد، من تلك الواقعة في الهضاب الجنوبية من فلسطين حالياً. مما كان له أكبر الأثر في تباين نوعية و حضارة سكان مملكتي الشمال والجنوب. ولكن إصرار روايات العهد القديم على وحدتهما، مع عدم وجود دلائل أثرية على تلك الوحدة، لتثبت عظمة داود وسليمان عليهما السلام، ومكانتهما التاريخية في توحيد أراضي يوشع التي وزعها على الأسباط في مملكة واحدة. كما أن الإشارة إلى مملكة داود عليه السلام بهذا القدر من التهويل ووصفها باعتبارها إمبراطورية لم يوجد لها مثيل في المنطقة من حيث البناء المعماري والمساحة الجغرافية والقوة العسكرية. وهو ما لم يرد الإشارة إليه على هذا النحو في أي من الحضارات المجاورة سواء كانت فرعونية أو بابلية أو جنوبية. كما أن كلمة مملكة كانت شائعة الاستعمال على أي من المدن ذات السور الواقي من هجمات الأعداء.

وبالتالي فإننا يجب ألا نذهب بعيداً في تفسيرنا لمدلول كلمة «ملك» حيث ذكرت الروايات التوراتية نفسها أسماء واحد وثلاثين مملكة خاض معها يشوع حرباً غربي النهر. علاوة على تلك الممالك شرقي النهر.

كما أن بعثات التنقيب الأثرية قد أوضحت أن القدس في عهد داود وسليمان كانت مدينة صغيرة، ولم تكن عاصمة لإمبراطورية بالشكل المذكور في التوراة. ثم يشرح المؤلف أسطورة هيكل سليمان، وهو البيت الذي بناه سليمان عليه السلام وهو ما يعرف بالهيكل الأول، والذي تم تدميره على يد نبوخذ نصر عام 586 ق.م.، ثم تم إعادة بنائه على يد زروبابل، والذي أعاد بناؤه فيما بعد هيرود على قمة جبل «أوفيل» (عوفل) الذي كان يشرف على أورشالم كلها في ذلك الوقت.

وقد استخدم هذا البيت كمكان للعبادة الوثنية عموماً، وليس لبني إسرائيل بشكل خاص، حيث وضعت فيه معبودات لمختلف الأديان.

وكأن هيرود أراد بذلك أن يعلن أن اليهودية أصبحت جزءاً من الديانات الهيلينستية المختلفة. كما كان مركزاً لنشر الثقافة الإغريقية في أورشالم (القدس) خاصة، ومملكة هيرود عامة. وبالتالي فإن بيت أورشالم (الهيكل) حسب ادعاءات بني إسرائيل، لم يكن إسرائيلياً خالصاً، إلا في فترة قصيرة جداً (أقل من 100 عام) في عهد الحشمونيين.

محمد جمعة

*الكتاب: الأساطير المؤسسة للتاريخ الإسرائيلي القديم

*الناشر: دار الجيل ـ عمان 2007

*الصفحات: 322 صفحة من القطع الكبير