مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والصحافي الفرنسي المعروف اريك روسيل، وكان قد اشتهر سابقا بتأليفه لعدة كتب تروي السيرة الذاتية أو الشخصية لكبار القادة الفرنسيين من أمثال شارل ديغول، وجورج بومبيدو، وفرانسوا ميتران.
وهو الآن يقدم سيرة ضخمة عن حياة بيير منديس فرانس الذي لعب دورا كبيرا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث أصبح رئيسا للوزراء لفترة قصيرة عام 1954، ولكنه أنجز خلالها استقلال الهند الصينية وتونس. يقول المؤلف بما معناه: إن بيير منديس فرانس هو القائد السياسي الوحيد الذي تحول إلى أسطورة بالإضافة إلى الجنرال ديغول بالطبع. صحيح أن أسطورته أقل بكثير من أسطورة ديغول ولكنها تمثل حقيقة واقعة بالنسبة للساحة السياسية الفرنسية على الأقل. والسبب هو أنه كان متمسكا بمبادئه ومخلصا لها حتى ولو كانت خاطئة في بعض الأحيان. ولهذا السبب يقولون إنه لم يكن سياسيا بالمعنى الانتهازي للكلمة كميتران مثلا وإنما بالمعنى المبدئي.
والواقع أن تأثيره على السياسة الفرنسية لا ينحصر فقط بالفترة القصيرة لممارسة السلطة بين عامي 1954-1955 حيث لم يبق أكثر من سبعة أشهر وسبعة عشر يوما، وإنما يتعدى ذلك ويتجاوزه إلى حد كبير. صحيح أنه خلال هذه الفترة القصيرة استطاع أن يحل بعض القضايا الكولونيالية الشائكة كالاستعمار الفرنسي في الهند الصينية أو كاستقلال تونس. ولكنه استطاع أيضا أن يترك أثرا كبيرا كمعلم لجيل كامل من السياسيين الفرنسيين الذين جاؤوا بعده من أمثال ميشيل روكار أو سواه. فقد كان لهم قدوة ومثالا.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد تجاوز تأثيره نطاق اليسار الفرنسي لكي يصل إلى دوائر أخرى تشمل كبار الموظفين والمثقفين الذين يبحثون عن المثال الأعلى في السياسة. والواقع أن الرجل كان يساريا واقعيا يقول الحقيقة للمواطنين حتى ولو كانت جارحة. وذلك على عكس السياسيين الانتهازيين الذين يخبئون الحقيقة ويدغدغون عواطف الشعب من أجل الوصول إلى السلطة بأي شكل. وبعدئذ تنكشف الحقيقة وتحصل الخيبات ويشعر الشعب بالمرارة لأنه قد خدع.
ولكن الخطأ الذي ارتكبه منديس فرانس هو أنه لم يعرف قيمة ديغول جيدا. بل وعارضه على طول الخط بعد عودته إلى السلطة عام 1958 من أجل حل القضية الجزائرية. وكان يعتقد أن مشروع ديغول السياسي سوف يفشل وينهار. وهنا كذبت الأيام توقعاته بشكل صارخ، فقد نجح مشروع ديغول وأدى إلى تأسيس نظام جديد على أنقاض النظام القديم. لقد أدى إلى تأسيس الجمهورية الخامسة على أنقاض الجمهورية الرابعة التي فشلت فشلا ذريعا والتي كان ينتمي إليها منديس فرانس نفسه.
هنا يكمن أكبر خطأ سياسي ارتكبه هذا الرجل السياسي المحنك. نقول ذلك على الرغم من أنه كان من أتباع الجنرال ديغول أثناء الحرب العالمية الثانية، بل والتحق به في لندن للمشاركة في نضال فرنسا الحرة الهادفة إلى تحقيق التحرير الكبير من المحتل النازي. وقد وصل إلى هناك بعد ملحمة حقيقية تستحق أن تروى.
فبعد سقوط فرنسا أمام جحافل الجيش الألماني واستسلامها لهتلر تشكلت حكومة فيشي العميلة برئاسة الماريشال بيتان. وبما أن منديس فرانس كان وزيرا عام 1936 في حكومة ليون بلوم الاشتراكية ومضادا للاحتلال النازي فإن حكومة فيشي اتهمته بالتقصير في أداء عمله بل وحتى بالخيانة. ثم حاكمته وسجنته. وعندئذ فكر في الهرب ونجح بعد عدة محاولات فاشلة.
والواقع أنه استطاع أن يكسر حديد النافذة بسكين حادة في جنح الظلام وأن يلقي بنفسه من الشباك وأن يذهب إلى أقرب محطة قطار حيث هرب إلى مرسيليا في نهاية المطاف. ومن هناك استقل القارب وذهب إلى لشبونة عاصمة البرتغال. ومعلوم أن معظم أولئك الذين التحقوا بديغول في لندن مروا عن طريق لشبونة حيث يمتلك الانجليز علاقات واسعة وكذلك جماعة ديغول أو ما يدعى بفرنسا الحرة.
ثم يردف المؤلف قائلا: وأثناء وجوده في لشبونة اقتربت منه شابة حسناء وقدمت نفسها على أساس أنها صحفية انجليزية. ولكنه بذكائه الحاد اشتبه بها فورا واشتم رائحة الخطر. ولكيلا يشعرها بحقيقة ما يجول في نفسه دعاها إلى الرقص في أحد النوادي الليلية. وأثناء الرقص تظاهر بوعكة صحية وانسحب بعد أن أعطاها موعدا صبيحة اليوم التالي في الفندق.
ولكنه بعد أن غادر المكان ذهب فورا إلى الشاطئ وركب في منتصف الليل أول قارب متجه نحو لندن. وهكذا نجا منها، ثم عرف بعدئذ أنها عملية للألمان. وبالتالي فلم يخطئ في تحديد هويتها والواقع أنها أرعبته لأنها الوحيدة التي كشفت هويته عندما اقتربت منه وسألته: هل أنت بيير منديس فرانس؟ فأجاب بالنفي القاطع.
وفي لندن تعرف على الجنرال ديغول لأول مرة وأصبح من أتباعه. وعرف عندئذ أنه القائد الذي تنتظره فرنسا. ثم كلفه ديغول ببعض المهام في أميركا. وهناك التقى بالشاعر الكبير سان جون بيرس. ومعلوم أنه كان دبلوماسيا مخضرما وسفيرا عريقا بل وحتى ومديرا عاما لوزارة الخارجية الفرنسية قبل الحرب العالمية الثانية.
وحاول بيير منديس فرانس إقناعه بالانضمام إلى ديغول وجماعة فرنسا الحرة. ولكنه رفض في نهاية المطاف لأنه كان يكره ديغول ويرى فيه ديكتاتوريا! وهكذا أخطأ الشاعر الكبير في تقدير الأمور، وكشف عن غباء أو حقد منقطع النظير.
ثم يتطرق المؤلف إلى مشكلة الأصول اليهودية لبيير منديس فرانس ديغول بما معناه: كانت عقدته الأساسية طيلة حياته هي أنه يهودي. وكان يريد أن يبرهن للجميع أنه فرنسي وطني قبل أن يكون يهوديا. ولكنه على الرغم من ذلك كان متعاطفا مع دولة إسرائيل كمعظم اليهود. صحيح أنه لم يكن مقتنعا بحق اليهود في فلسطين لمجرد أنهم سكنوها قبل ألفي عام. وهذه نقطة تحسب له وتدل على أنه لم يكن صهيونيا بالمعنى المتعارف عليه.
ولكنه كان يعتقد بأنه يحق لليهود بعد كل معاناتهم أثناء المحرقة الشهيرة أن يبحثوا عن وطن خاص بهم. وفي ذات الوقت كان يقول إن اليهود في فلسطين لن ينعموا بالأمان والاستقرار إلا إذا رضي عنهم الشعب الفلسطيني وقبل وجودهم. فهو الذي دفع الثمن الباهظ لاستقرارهم هناك. وبالتالي فهو الذي يخلع عليهم المشروعية أو لا يخلعها.
ولذلك دعا قادة إسرائيل بعد انتصارهم الشهير على الجيوش العربية عام 1967 إلى الاتصال بالرئيس عبد الناصر فورا وتقديم مبادرة سلام. وقال لهم: هذه الأراضي الواسعة التي سيطرتهم عليها بفضل الحرب ليست لكم وينبغي أن تعيدوها إلى أصحابها لأنها مسكونة من قبل أغلبية عربية ساحقة. وبالتالي فلا يمكن اعتبار الرجل من غلاة الصهاينة أبدا.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبهذا المعنى فقد كان منديس فرانس يهوديا حكيما أو عاقلا لا صهيونيا متطرفا كالعديد من قادة الجالية اليهودية في فرنسا. وقد حاول في أواخر حياته أن يقيم التقارب بين القادة الفلسطينيين والقادة الإسرائيليين. بل إن أول اجتماع من هذا النوع تم في شقته الباريسية بحضور عصام سرطاوي عن الجانب الفلسطيني والجنرال بيليد عن الجانب الإسرائيلي وبعض الآخرين.
ومعلوم أن اللقاء المباشر بين الطرفين كان مستحيلا حتى ذلك الوقت. وكان هناك جدار من الرعب النفسي يفصل بينهما. وقد دفع عصام سرطاوي حياته ثمن ذلك. وبالتالي فالرجل كان مع السلام ومع الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة بعد خمسة يونيو 1967.
وكثيرا ما نصح القادة الإسرائيليين بالسير في هذا الاتجاه. والواقع أنه كان ضد الاستعمار بشكل عام والدليل على ذلك أنه هو الذي اتخذ القرار المؤدي إلى استقلال تونس عندما كان رئيسا للوزراء. نقول ذلك على الرغم من أن قادة اليمين الفرنسي كانوا ضد هذا القرار. ولا يزال التوانسة يذكرونه بالخير حتى هذه اللحظة بسبب موقفه الإيجابي منهم ومن قضيتهم.
*الكتاب: بيير منديس فرانس
*الناشر:غاليمار ـ باريس 2007
*الصفحات: 608 صفحات من القطع الكبير
Pierre Mendes France
Eric Roussel
Gallimard- Paris 2007
P.608
