مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفرنسي فريديريك بوبان الذي شغل منصب نائب رئيس تحرير الشؤون الخارجية في جريدة «لوموند» الشهيرة. وقد أصبح مراسلاً للجريدة في بكين من عام 1998 إلى عام 2004، أي طيلة ست سنوات. وهناك راح يتعرف على المجتمع الصيني من الداخل ويراقب تطورات الأمور فيه ويرسل للجريدة تقاريره المفصلة عن الحياة الصينية كما يراها. كما وغطى أخبار تايوان وهونغ كونغ في نفس الوقت طيلة إقامته في الشرق الأقصى.
وقد نشر سابقا كتابا بعنوان «بكين في حالة حركة». وفيه رصد الطفرات أو التحولات الاجتماعية والعمرانية التي طرأت على العاصمة الصينية في السنوات الأخيرة. كما ونشر كتابا لافتا للانتباه تحت عنوان: «وداعا ماو تسي تونغ، وداعا لا لقاء بعده؟« ووضع علامة استفهام في الأخير لكي يشير إلى حيرته تجاه إرث القائد الصيني الكبير. لكأنه يريد أن يقول: هل انتهى ماو تسي تونغ حقا أنه سيعود يوما؟ هل نسيته الصين كليا أم أنها ستتذكره لاحقا وتعود إلى فكره؟ وفي هذا الكتاب الجديد نلاحظ أن المؤلف يتجول في كل أنحاء الصين لجس النبض فيها والتعرف على أحوالها من خلال الناس العاديين. ومعلوم أن صوتهم مصادرة عادة من قبل الصوت الرسمي للسلطة، وبالتالي فلا أحد يسمع كلامهم.
إنهم يشكلون ما ندعوه بالأغلبية الصامتة وبخاصة في البلدان الشيوعية غير الديمقراطية. كما ويتجول المؤلف في الأرياف والقرى الصغيرة وليس فقط في المدن الكبرى للصين، ويتعرف أيضا على أحوال الأقليات في هذا البلد الضخم الذي يشبه الإمبراطورية. هذا وقد قدم للكتاب الباحث الفرنسي بيير أنطوان دونيه، وكان مما قاله: هناك عدة صور عن الصين. هناك أولا الصورة التي يشكلها السياح العابرون عنها، وهم مهووسون فقط بسور الصين الكبير والآثار التاريخية الأخرى، وبالتالي فلا يرون الصورة الحقيقية للصين، اي صورة الناس العاديين ومشاكلهم اليومية. وبالطبع فإنهم يغادرون بلاد العم ماو وهم مبهورون بعظمة الحضارة الصينية التي أشعت على العالم يوما ما ولسنوات طويلة.
وهناك صورة الصين الرأسمالية الجديدة التي تشكلت بعد موت ماوتسي تونغ: أي في عهد دينغ هيسياوبنغ، وهي أيضا تبهرك بعماراتها الشاهقة أو ناطحات السحاب في بكين وغيرها من عواصم الأقاليم. كما وتبهرك بمتاجرها الواسعة النظيفة المليئة بالمواد الاستهلاكية الراقية. ولكن ما علاقة الشعب بها؟ لا شيء. إنما فقط مخصصة لقادة الحزب والدولة والكوادر العليا والأغنياء الجدد والبورجوازية الرأسمالية الصاعدة والأجانب. وكثيرا ما تجد الصين هذه في الأحياء الراقية لبكين وشنغهاي.
وهناك الفيلات الفخمة للأغنياء الذين يعيشون وراء أسوار قصورهم بكل بحبوحة ونعيم متناسين كليا الفقر المدقع للأحياء الشعبية التي لا تبعد عنهم كثيرا. وبالتالي فالصين كأي بلد من بلدان العالم الثالث مقسومة إلى أغنياء جدا (وهم الأقلية) وفقراء جدا (وهم الأكثرية).وهناك أخيرا الصين الحقيقية: أي صين هؤلاء الفقراء بالذات الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان البلاد. وهؤلاء يكافحون يوميا للحصول على رزقهم والبقاء على قيد الحياة، وهؤلاء لا صوت لهم، أو قل بأن النظام أخرس صوتهم كما يحصل في كل بلدان العالم غير الديمقراطية.
وهذه الصين الأخيرة هي التي يهتم بها فريديريك بوبان مراسل جريدة «لوموند» في تلك البلاد الشاسعة. وحسنا فعل، فنحن كنا بحاجة لأن نعرف حقيقة الأوضاع في الصين منذ زمن طويل دون أن يقدم لنا أحد الصورة الحقيقية. إن فائدة كتابه تكمن في الشيء التالي، وهو أنه يقدم لنا الحقائق المزعجة عن الصين. صحيح أن امبراطورية الوسط كما يقال حققت تقدما اقتصاديا وصناعيا وتكنولوجيا هائلا بعد أن تبنّت النظام الرأسمالي في التطور. وقد حصل ذلك في العشرين سنة الأخيرة.
ولكن ثمن هذا التقدم كان باهظاً، لقد أدى إلى إفقار عدد هائل من الناس وإغناء المتسلقين على السلطة «الاوليغارشية» الحاكمة والمرتبطين بها. فهناك صورة أخرى للصين غير تلك الصورة الزاهية الباهية التي يقدمها لنا النظام.
هناك صورة الصين التي تراقب الصحافيين الأجانب ليلاً نهاراً ما إن يدخلوا أرضها. وهناك الصين التي تقمع أقلياتها في إقليم التبت أو إقليم كازينجيانغ الذي تسكنه أغلبية إسلامية. وهناك الصين الرأسمالية الشرهة التي تصادر أراضي الفلاحين لكي تملأها بالبنايات الشاهقة دون أن تهتم بمصير أولئك الفلاحين. وهناك المجاعات والبؤس الكبير المنتشر في أوساط شعبية عديدة. نعم هناك مجاعات في الصين.هذا ما يؤكده المؤلف.
وبالتالي فالكتاب يقدم لنا الصورة الواقعية عن الناس العاديين: أي معظم سكان الصين الذين يعدون بمئات الملايين. فالفقراء هم الأغلبية الساحقة وأما الأغنياء الجدد فلا يتجاوز عددهم خمسة بالمائة من عدد السكان.ونلاحظ أن المؤلف يستمع إلى أقوال الصيني العادي وشكواه عندما يتجرأ على الكلام. ولكنه في أحوال كثيرة لا يتجرأ أن يتحدث إلى صحفي أجنبي خوفا من السلطة ومخابراتها المنتشرة في كل مكان كالأخطبوط.
وأكبر دليل على ذلك ما حصل للمؤلف عندما زار إقليم المسلمين المحاذي لكازاخستان. فهو مليء بأناس ينتمون إلى عرق آخر مختلف عن العرق الصيني المدعو ب«الهان»، وإلى دين آخر غير دين أغلبية الصينيين، أي الكونفوشيوسية. وعندما التقى بشخص اسمه عبدالله قال له هذا الأخير: أريد أن أغادر هذه البلاد فوراً. لا مكانة لي في الصين. لقد احتلوا إقليمنا وأصبحوا أكثر منا في عقر دارنا. أريد أن أشتغل ماسح أحذية في باريس أو نيويورك. أفضل أي مكان في العالم على بلادي. لم يعد لي بلاد.
وأما «عادلة» الطالبة التي التقاها المؤلف في أحد المطاعم فكانت خائفة جدا من مقابلته. قالت للصحافي الفرنسي: قد أتعرض للسجن بسبب هذه المقابلة. فالتعبير عن الرأي الحر ممنوع هنا في الصين. وقد تعرض الكثير من أصدقائي وصديقاتي للسجن والاستجواب والتخويف لأنهم عبروا عن أفكارهم صراحة. إني خائفة بالفعل.
ثم يردف المؤلف قائلا: والواقع أن السلطات الصينية أصبحت قمعية أكثر بعد 11 سبتمبر. وأصبحت تخلط بين الأصوليين الإسلاميين من جهة، وكل المعارضين السياسيين أيا كانوا من جهة أخرى. بل إنها استغلت قصة 11 سبتمبر لكي تصفي حساباتها مع أبناء الإقليم الذي تشك في نواياهم وتعتبرهم انفصاليين ومتمردين على السلطة المركزية.
ولكننا نعلم أن الحركات الأصولية الراديكالية تمثل أقلية بالقياس إلى مجموع السكان. لا ريب في أنها قويت وانتشرت كثيرا في السنوات الأخيرة كما حصل في كل بلدان العالم الإسلامي. ولكنها ليست ضخمة ولا خطرة إلى الحد الذي تصوره أو توهم به السلطات الشيوعية في بكين. فهي لا تستطيع أن تهدد نظاما قويا كالنظام الصيني.
وما قلناه عن الإقليم الإسلامي الموجود في الصين يمكن أن نقوله عن إقليم التيبت المسكون من قبل أغلبية بوذية والذي يناضل من أجل استقلاله. ومعلوم أن قيادته في المنفى تتمثل في شخصية كارزمية ضخمة ذات سمعة عالمية هي: الدالاي لاما. فهو يعتبر من حكماء العالم حاليا، ولكن السلطات الصينية تمنعه من العودة إلى البلاد خوفا من أن يفجر ثورة ضدها.
وبالتالي فليس صحيحا القول بأن الصين موحدة عرقيا ودينيا. فالواقع أن العرق الغالب، أي عرق الهان لا يمثل إلا 80 بالمئة من عدد السكان. ينتج عن ذلك أن 20 بالمئة لا ينتمون إليه. وعشرون بالمئة في الصين يعني مئتي مليون أو حتى ثلاثمئة مليون نسمة. وبالتالي فهذا ليس بالعدد القليل. ولذا يتوقع الخبراء حصول انفجارات عرقية أو دينية في الصين على المدى البعيد. فالمسلمون والبوذيون لن يرضوا بتهميشهم.
*الكتاب:رحلة إلى قلب الصين
*الناشر:فيليب بيكييه ـ باريس 2007
*الصفحات: 287 صفحة من القطع المتوسط
Voyage au centre de la Chine
Frederic Bobin
Philippe Picquier- Paris 2007
P. 287