مُعد هذا الكتاب الشاعر السوري نوري الجراح من مواليد دمشق عام 1956، انتقل إلى بيروت وعمل في الصحافة الأدبية منذ مطلع الثمانينات وأدار تحرير مجلة «الفكر» وساهم وشارك في تأسيس عدة مجلات أدبية وأخيراً مجلة «الرحلة» التي تعنى بأدب السفر وصدرت في شهر يونيو 2007 .

ومن أهم نشاط الشاعر نوري الجراح تأسيس أول جائزة عربية للرواية التي تكتبها المرأة تحت اسم «الكاتبة» للرواية، صدرت له تسعة أعمال شعرية إضافة إلى كتابه « الفردوس الدامي» ،«ثلاثة عشر يوماً في الجزائر» وكتابه الحواري «بيت بين النهر والبحر» الذي حاور فيه كبار الشخصيات السياسية والأدبية على الساحة الفلسطينية.

ويشرف الآن نوري الجراح على مشروع ارتياد الآفاق وهو المشروع الذي يهتم ويرمي إلى بعث واحد من أعرق أنواع الكتابة في الثقافة العربية. « الأولمب الإفريقي » كتاب يفتح للقارئ العربي بوابة الجزائر على مصراعيها ، ليلج عالماً متصلاً مؤلفاً من زمنين، زمن الاحتلال وأشكال الكفاح السلمي اليومي الذي سبق ومهد للكفاح الدامي لدحره، وزمن الاستقلال، وصولاً إلى اللحظة الجزائرية الحاضرة.

ويتضمن هذا الكتاب نصوصاً سردية مشوقة، تزخر بمشاهد ومناظر ومعلومات ينقلها، لنا بلغة أدبية سلسة وراقية، شعراء وكتاب ومثقفون عرب جابوا الجزائر على مدار قرن من الزمان، 1900 ـ 2005، وهي نصوص رحلية حافلة بما يقحم القارئ المعاصر في قلب المكان الجزائري ويتنقل به بين زمن الاستعمار، وزمن الاستقلال وهو ما يجعلنا نستعيد تجربة كفاحية كبرى ونتأمل في التاريخ الجزائري الذي شهد أكبر ظاهر استعمارية من نوعها في التاريخ الحديث ،إذا استثنينا فلسطين.

ويكشف هذا الكتاب عن جذور الحركة الإصلاحية، ثم الحركة الثورية الجزائرية، وإرهاصات الثورة، ولعل بعض ما نقله الرحالة العرب من انطباعات تنبئ بالثورة، منذ اليوم الأول في القرن العشرين، وهذا ما أشار إليه بعض الرحالة صراحة في نصوصهم، وبالتالي فإن هذه الرحلات تلعب دوراً في التأريخ لإرهاصات الثورة.

وذلك الكفاح المرير الذي خاضه الشعب الجزائري وصولاً إلى انتزاع استقلاله بقوة السلاح، وبفعل التضحيات الجسيمة التي قدمها الجزائريون، وهذا ما يدعونا للقول إن هذه النصوص الرحلية تعكس بجلاء رؤية عربية للمكان الجزائري، لا نظن أنها ظهرت أو جرى التعبير عنها في مختارات شاملة كهذه.

وقد احتوى هذا الكتاب على 14 نصاً يمكن تقسيم المشاهدات التي ضمتها هذه النصوص إلى قسمين، يغطي القسم الأول الحقبة الاستعمارية، وتضم زيارات وجولات قام بها كتاب وصحافيون ومثقفون عرب مشارقة ومغاربة،من سوريا، ومصر وتونس وفلسطين، في الفترة الممتدة ما بين 1900 ـ 1927، ويغطي القسم الثاني يوميات ومشاهدات كتبت بعد الاستقلال ما بين 1962 ـ 2005 والرحالة الذين زاروا الجزائر خلال الفترة الأولى هم إدوار الياس (سوريا) 1900،

محمد فريد بك (مصر) 1901، محمد الخضر بن حسين 1904 ، الشيخ أحمد حسين المهيري 1922 سعيد أبو بكر 1927 و1928 والطيب بن عيسى (تونس) 1927، نقولا زيادة (فلسطين) (الخمسينات ـ السبعينات)، أما رحالة الفترة الثانية فهم: ثريا أنطونيوس (فلسطين) 1962، لؤي عبد الإله (العراق) (السبعينات)، علي بدر (العراق) وليد علاء الدين (مصر)، جمال ملحم، وعلى كنعان وأيمن حجازي (سوريا) .

ومن خلال استعراض هذا الكتاب نجد أن أقدم يوميات يضمها، هي ما دوّنه الرحالة والكاتب السوري إدوار الياس الذي وصل إلى مرفأ وهران على ظهر سفينة أبحرت من مرسيليا صيف 1900 وهدفه السياحة وكسب المعرفة وحسب، تليها مباشرة يوميات الزعيم الوطني محمد فريد بك الذي قدم إلى الجزائر من وهران أيضاً، ولكن عبر ميناء طنجة، ومرَّ بمدينة مليلية المحتلة قبل أن يصل إلى التراب الجزائري في بداية شهر أغسطس سنة 1901.

قدم الأول من فرنسا التي كانت تحتل الجزائر في ذلك الوقت، والثاني من إسبانيا التي كانت تحتل مدناً مغربية بينها سبتة ومليلية وقسماً من الصحراء التي لم ينته احتلال الأسبان لها رسمياً إلا على إثر المسيرة الخضراء سنة 1975، في حين ترفض إسبانيا إلى اليوم الاعتراف بمغربية المدينتين المذكورتين، وقد زار محمد فريد بك الأندلس ومراكش قبل أن يحلّ في الجزائر وفي عزمه، كما عبر في مقدمة رحلته، زيارة بلاد عربية إسلامية محتلة، يمثل احتلاها بالنسبة إليه امتداداً لاحتلال الأندلس.

وإذا كان الرحالة الأول قدم لنا في يومياته الجزائرية جردة واسعة من المعلومات والملاحظات والانطباعات والأخبار اللماحة عن المكان وأهله، وهو ما ميز مجمل يومياته التي كتبها عن البلدان والحواضر التي زارها ونشرها في كتابه «مشاهد الممالك» فإن الرحالة الثاني ترك لنا في يومياته الجزائرية المستلة من كتابه «من مصر إلى مصر» وثيقة هي الأكثر نفاذاً في قراءتها للواقع الاستعماري في ذلك الوقت المبكر.

فضلاً عن ارتباط هذا الواقع عنده بمجمل ما حدث للعرب والمسلمين من تقهقر أمام الأوروبيين مثّل احتلال الفرنسيين للجزائر ذروة فيه، ناهيك عن تحليله الثاقب لمجمل الأحوال الجزائرية، ووعيه الرفيع لفساد الظاهرة الاستعمارية، وتنبئه بحتمية زوال الاحتلال، وهو ما لم يشغل بال إدوار الياس الذي بلغ به الأمر حدَّ اعتبار قتلى الفرنسيين في المعارك مع الثوار الجزائريين أبطالاً مجاهدين لكنه قدم لنا.

في الوقت نفسه، لوحة بانورامية بديعة وفيها دقة عن المناظر الطبيعية والعمرانية والعادات والتقاليد والطقوس والأحوال السائدة في الجزائر بما في ذلك أحوال المستعمرين الفرنسيين والأوروبيين بطوائفهم الدينية وفئاتهم الاجتماعية المختلفة.

بالمقارنة بين الرحالتين المشرقيين هذين، يعتبر الأول ابن الدهشة بالغرب، والانجذاب نحو الحضارة الغربية بمكوناتها العصرية وحداثتها الساطعة، وهو ما جعله يغض الطرف عن السلوك الاستعماري للفرنسيين، فقد شفع لهم عنده، على الأرجح، انتماؤهم إلى الحضارة الحديثة التي اعتقد بإمكان نقلها عبر الاتصال بالغرب والسير في ركابه.

وهو ما يعكس انسحاقاً حضارياً أمام الاستعلائية الغربية وممارساتها الامبراطورية، بينما نجد في محمد فريد بك، وهو من أصول تركية، شخصية أكثر توازناً وتماسكاً واعتدالاً في رؤيتها للحداثة والمدنية والتطور العلمي والأدبي الحاصل في الغرب، فلم تبهره انعكاسات ذلك، بصورة أو أخرى، على الحياة الجزائرية، ربما لكونه لم يغض الطرف عن ازدواجية الغرب، واستعلائيته على الشعوب الأخرى، ومنها شعوب الشرق التي لم يكف جنوده المنتشرون في أصقاع العالم، عن نهب كل ما وقع تحت أيديهم من ثروات آسيا وإفريقيا، وعن تكريس مناخ من الهيمنة المسلَّم بها على مقدرات شعوب هاتين القارتين.

الرحلة المشرقية الثالثة تمت بعد نصف قرن من رحلتي إدوار بك الياس ومحمد فريد بك، وهي تلك التي قام بها المؤرخ الشامي نقولا زيادة ، الذي عرف عنه اهتمامه بالشمال الإفريقي حضارياً، وتحدث في يومياته الجزائرية عن شخصيات إصلاحية من أمثال أحمد توفيقي المدني، والبشير الإبراهيمي،على أن ما دونه زيادة عن الجزائر لا يتجاوز التأريخ شبه الموضوعي للمكان، والحديث عن مميزاته الجغرافية وموقعه الاستراتيجي ليس إلا، فليس من ميل لدى زيادة إلى ذلك التصوير الأدبي أو حتى الرغبة في ذلك. فهو عمل المؤرخ.. أكثر منه عمل الرحالة.

الرحلات التونسية تغطي فترات متعاقبة، لكنها تترك فجوات زمنية وجغرافية، على أن هذه الرحلات مجتمعة تعيد تركيب أجزاء الصورة الجزائرية التي فككها الاستعمار وأعاد تركيبها بطريقته، وترسم، بالتالي، صوراً حيَّة غير مسبوقة للوضع الاستعماري، ولأحوال الجزائريين في ظل أطول وأشرس احتلال عرفه بلد عربي أو إفريقي.

من ناحية أخرى، تكشف الرحلات مجتمعة عن خارطة من أسماء الشخصيات الوطنية الجزائرية، مقابل خارطة للشخصيات العاملة في الدوائر الاستعمارية، وتكشف النصوص عن أحوال الحذر من البوليس السري الفرنسي، المنتشر في كل مكان، وعيونه تراقب الداخل والخارج،ولعل حرص الرحالة وأصحاب الجولات، مشارقة ومغاربة، على حمل أوراق التوصية من وإلى شخصيات وطنية في هذه المدينة أو تلك، أو من شخصيات نافذة إلى الدوائر الفرنسية، هو بعض ما يشير إلى الفساد الاستعماري، ومناخ الخوف في الجزائر.

أما الرحلات المعاصرة التي وردت في كتاب «الأولمب الإفريقي» فهي نصوص كتبت في غالبيتها سنة 2005، باستثناء ثلاث رحلات ترقى إلى الستينات والسبعينات،هي على التوالي، رحلة ثريا انطونيوس، وهي كاتبة وصحافية فلسطينية زارت الجزائر على إثر انتصار الثورة، وكانت أسماء الشوارع ما تزال بالفرنسية وقد شطب عليها بالأحمر، وتصف الجزائريين بأنهم شعب الخيلاء.

أما النص الثاني فيرقى إلى السبعينات، ويتمثل بيوميات القاص العراقي لؤي عبد الإله الذي عاش في الجزائر سنوات السبعينات، وعمل فيها مدرساً للعلوم، وهناك نص للمؤرخ نقولا زيادة الدمشقي المولد الفلسطيني الهوية، اللبناني الإقامة يمزج بين رحلتين القسم الأول منها ينتمي إلى الخمسينات والقسم الثاني إلى السبعينات، فهو نص مخضرم بين مرحلتي الاستعمار والاستقلال.

ومع هذا القسم يغتني الكتاب بنصوص ويوميات معاصرة وضعها شعراء وروائيون وباحثون عرب من العراق وسوريا ومصر، زاروا الجزائر خلال «ندوة الرحالة العرب والمسلمين ـ اكتشاف الذات والآخر» المنعقدة في ربيع سنة 2005.

وكانت تلك الندوة قد انعقدت في رهان على خصوبة المكان الجزائري وناسه، وأهميته القصوى كمكان صنع التاريخ بصورة دراماتيكية، وكانت له سيرة استثنائية مع الاستعمار الفرنسي الذي أسس لتقاليد غير مسبوقة في وحشيتها، ستظل منجماً للمفكرين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس والباحثين في شتى النواحي التي يتألف منها الاجتماع البشري في علاقته بالجوائح والكوارث والملمات،ولن نعدم في هذا القسم إشارات إلى غنى التجربة الجزائرية، وكونها تشكل مدرسة كفاحية عالمية متكاملة.

حسني محمد ذياب

*الكتاب:الأولمب الإفريقي - الجزائر بعيون عربية 1900 ـ 2005

*الناشر: دار السويدي للنشر والتوزيع ـ أبوظبي 2007

*الصفحات: 295 صفحة من القطع المتوسط