الدكتور صالح هويدي، ناقد وأكاديمي عراقي مقيم في الإمارات، وقد أصدر عدداً من الكتب والمؤلّفات في مجال النقد الأدبي الحديث، منها: «الترميز في الفن القصصي العراقي الحديث» 1989، «التوظيف الفني للطبيعة في أدب نجيب محفوظ »1992، «بنية الرؤيا ووظيفتها في القصّة العراقية القصيرة» 1993، «النقد الأدبي الحديث، قضاياه ومناهجه» 1998، «نازك الملائكة أميرة الشعر الحديث» 2001، «صفحات من كتاب التراث» 2002، و«العبور إلى أزمنة التيه» 2003،«صورة النوخذة في الرواية الإماراتية الحديثة، 2005» وغيرها.

كتابه الجديد الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة «لعبة النصّ» يتألّف من مقدمة وثلاثة فصول رئيسية: مشكلات الخطاب النقدي، قراءات تطبيقية في المتخيّل السردي، قراءات في النصّ الشعري، بالإضافة إلى مقدّمة خصّها بالنص وعلومه وإشكالياته. حيث يوضّح في مستهل الكتاب منهجيته القرائية للنصّ الأدبي كبنية لغوية ومجازية تنطلق منها مقارباته النقدية، وذلك بما ينطوي عليه النصّ من خصوصية فكرية وفنية تفرضان على الناقد شكل هذه المقاربة.

وبذلك فإنه يرى أن مناهج النقد الأدبي الحديثة كالبنيوية والتفكيكية والسيمولوجيا وغيرها، فشلت في ادّعائها فهم حقيقة النصّ، وفي القدرة على امتلاكه، هذا بالرغم مما قدّمته هذه المحاولات من معطيات نقدية مهمّة وتجليات لاغني عنها في مقاربة النصّ. إلاّ أن هذا النصّ ليس بمعزل عن تاريخه وجذوره التي تمتدّ إلى وقائع تاريخية وعلائق اجتماعية ومظاهر ثقافية وبواعث سيكولوجية تشكّل جميعاً النسغ الذي يمدّ النصّ بمكوّناته الأولى، مشكّلاً في الوقت نفسه، رؤية كاتبه ومستوى وعيه وطريقة تشكيله للنصّ ومسوّغات انحيازه لواقع دون آخر، أو رؤية دون غيرها.

وإلى ذلك سيلتمس قارئ الكتاب مواظبة من قبل المؤلّف على تتبّع الجوانب النظرية الإشكالية في القسم الأوّل من الكتاب، حيث يناقش في مطلعه إشكالية العلاقة ما بين النقد العربي والنقد الغربي، فيتتبع بداياتها ذاكراً أسباب تأثّر النقد العربي بالنقد الغربي، ليستنتج أن اكتفاء النقد العربي بالمنجز النقدي الغربي في شكله النهائي الجاهز، ونقله إلى البيئة الثقافية العربية مجرداً من خلفياته المعرفية له آثاره السلبية، فيعدد هذه الآثار سيما وأن هذا النقد سيبدو أنه رهن مصائره بالمنهجيات النقدية الغربية، من دون أن يقدّم اجتهاده الخاص في قراءة النصّ العربي.

أما الفصل الثاني، فقد ناقش فيه مقولة سلطة النقد أو النص، وهي بدورها قضية إشكالية كتبت عنها دراسات وأبحاث كثيرة، بل إنها كانت موضوع ندوات ومؤتمرات عربية وغير عربية، نظراً لأنها مصطلح جاء من النقد الغربي مع ما جاء أيضاً مع البنيوية حول قضية موت المؤلّف ودراسة النصّ الأدبي بعيداً عنه، مما يفتح الباب نحو سلطة جديدة سمّوها سلطة النصّ: موت سلطة وولادة سلطة..

وهكذا، فإنه سوف يناقش هذه الأطروحات بكثير من التفصيل، بما في ذلك سلطة النصّ في النقد العربي القديم، حيث يستعرض مطوّلاً آراء كلّ من الجاحظ والجرجاني والماوردي وابن طباطبا وحازم القرطاجنّي في ما تناولوه من قضايا حول النصّ: معنى ومبنى، وغموضه، ومستوياته التعبيرية.

هذا بالإضافة إلى أهمية دور المتلقّي في إعادة إنتاجه، بما يؤكّد أن النقد العربي القديم ساهم بدوره في إغناء مسيرة النقد العالمية، وبتعبيره: «إنها تلتقي مع معطيات عدد من الاتجاهات النقدية الغربية، ونريد بها تلك المناهج التي أولت عنايتها بقارئ النصّ، جاعلة منه محور مناهجها ومدار عنايتها، حين كفّت عن النظر إليه كمتلقّ سلبي.

وهذا بدوره سيفضي به لتوكيد ظاهرة التكامل الحضاري من خلال عملية التثاقف الواسعة التي تمّت على صعيد العلم والمعرفة، فالأفكار تسافر أيضاً، والتطوّر ينطلق عادة من حيث انتهى الآخرون، وبالتالي فإنه إن كان ثمة قطيعة حدثت هنا أو هناك نتيجة ظروف قاهرة انطفأت معها شعلة الفكر، إلاّ أنها حتماً ستنطلق من بقاع أخرى، تماماً كما يفعل حاملو شعلة الأولمبياد.

ومن هنا فإننا نرى أنّ العودة إلى الأصول العربية في مرحلة عصر النهضة وما تلاها، هو أشبه بالعودة إلى درجة الصفر، أي من حيث انطفأت شعلتنا، ولذلك فإننا لا نتحمّس كثيراً لمثل هذه الفكرة، سيما وأن الغرب طوّر هذه الأطروحات على شكل نظريات فعّالة في ما يخص النصّ وعلومه، وبالتالي فإن المتابعة من حيث وصل الآخرون أجدى بكثير.

وخصوصاً أن ثمة قطيعة تزيد عن خمسة قرون قد حدثت بيننا وبين هذا التراث، ولكن هذا لا يمنع في الوقت نفسه من إعادة قراءة تراثنا النقدي في ظلّ المناهج الجديدة وإدراجه في تاريخ الفكر العالمي حيث يأخذ مكانته التي يستحق.

وعلى كلّ حال، فإن النقاط العشر التي يستنتجها المؤلّف في هذا الفصل، هي أشبه بأحكام تقسو إلى هذا الحدّ أو ذاك على الخطاب النقدي العربي الناشئ بين ثقافتين ضاغطتين، وهي إلى ذلك قد تثير حوارات مستفيضة، وإن كنّا في هذا المقام ندرك صدقيّة توجّهات المؤلّف في شرعنة ثقافة نقديّة عربيّة، وفي دعواته المتكررة إلى عدم التبرؤ من التراث والانطلاق منه للمساهمة في ركب الحضارة .

وهذا بدوره سيقودنا إلى محاورته حول قصيدة النثر تحديداً ومدى اعتبار ولادتها كتطوّر طبيعي للقصيدة العربية التقليدية بشقيها: نظام البحر العروضي الموزون والمقفّى، ونظام التفعيلة، أم أنها ولادة جديدة لحراك فكري عالمي نشأ مع الموجة الحضارية الثانية، ونعني بها عصر الصناعة ومن ثم العولمة سواء في شكلها الاستعماري أو التثاقفي بُعيد تطوّر نظام المواصلات والاتّصالات واحتكاك الشعوب والثقافات مع بعضها.

وهذه القضية الخلافية لا تمنعنا من التنويه إلى موقفه المنتصر لقصيدة النثر، باستعراضه لآراء القدماء حول شعرية النثر ومن ذلك قول التوحيديّ: «أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم.»

وفي فصل خاص سيقدم المؤلّف على مناقشة قضية «المصطلح» في النقد العراقي الحديث، فيتوقّف عند مصطلح «الجيل» التي تبناها كلّ من علي جواد الطاهر، باسم عبد الحميد حمودي، فاضل ثامر، ياسين النصير، محسن موسوي، نجم عبد الله، ومؤيّد عبد الله، ورأى أن استخدام هذا المصطلح من قبل علي جواد الطاهر جعل النقاد بعده يستسهلون إطلاقه من غير تحفّظ أو إدراك كاف لدلالاته، ورأى أيضاً أن إضفاء صفة جيل على النتاج القصصي العقدي أمر يفتقر إلى الدقّة العلمية.

فالغرب عندما استخدم هذا المصطلح إنما كان خارج الإطار الزمني، بمعنى أنه أطلقه على تميّز ظاهرة فنية عن سابقتها، وكذلك الأمر بالنسبة لمصطلح «الواقعية» الذي أخذ مسميات متعددة: واقعية اجتماعية، نقدية، كلاسيكية، أو تقليدية، وكذلك الأمر بالنسبة لما اختلفوا عليه حول مصطلحات: القصّة القصيرة والأقصوصة، التيار والمدرسة، مفهوم الريادة، وغير ذلك مما تمّ توظيفه في العملية النقدية.

القسم الثاني من الكتاب جاء تحت عنوان: قراءات في المتخيّل السرديّ، تناول في مستهله مقدّمات نازك الملائكة النثرية، ثم في الفصل الثاني درس تجلّيات الشعري والتاريخي في الخطاب الروائي، من خلال رواية «شذى استبدّ» للقاص والروائي السوري فرحان ريدان، ليقارن بعده ما بين نجيب محفوظ وهيرمان هيسه بما أسماه «رحلة الخلاص الإنساني»، ومنه إلى قراءة «عناصر الثبات والتغيّر في تجربة القاص القطري جمال فائز القصصية».

وليتوقّف نهاية القسم عند المشهد القصصي في العراق، وهو من أكبر الفصول، حيث قدّم فيه دراسة وافية للقصّة العراقية الحديثة، تتبّع من خلالها نشوء وارتقاء فنّ القصّة العراقي منذ مطالع العشرينيات من القرن السابق وصولاً إلى الستينات، حيث بتعبيره، تدخل القصّة العراقية إلى جانب الشعر مرحلة فنية تصبح فيها علامة استثنائية في تاريخ مسيرة الفن القصصي العربي، لتقدّم أرقى نماذجها الفنية مع كلّ من: محمد خضير، محمود جنداري، جليل القيسي، نزار عبّاس وغيرهم.

حيث يؤكّد أنه مع هؤلاء لم تعد القصّة العراقية بسيطة، إذ إنها سعت إلى تغليب الجانب الفنّي، ولم تعد مرهونة بخطاب وعظي. ومما يجدر ذكره في هذا الصدد استنتاج المؤلّف أن بعض هؤلاء القصاصين كانت تدفعهم الرغبة في تقديم كلّ ما هو مدهش وغرائبي غير مطروق، لتصل نتاجاتهم إلى مستويات راقية من التجريب الفني والتجريد. أما بالنسبة إلى التجارب اللاحقة، فإنه يرى أن القصاصين لم يكشفوا عن ملامح فكرية أو عن رؤية فنية تميّزهم عن الستينيين، وهو إلى ذلك سيفصّل بمزيد من الأمثلة لتعزيز وجهة نظره.

في القسم الثالث من الكتاب، سيتناول النصّ الشعري عبر مجموعة من القراءات لكلّ من الشعراء: علي جعفر العلاّق، ياسين طه حافظ، عبد القادر الحصني، لهيب عبد الخالق والشاعر المصري كمال نشأت.

عزت عمر

*الكتاب: لعبة النصّ - مقاربات نقدية في الشعر والسرد

*الناشر: دائرة الثقافة والإعلام - الشارقة 2007

*الصفحات: 380 صفحة من القطع المتوسّط