باسكال بونيفاس هو أحد أهم المحللين الفرنسيين المعاصرين، يعمل مديرا لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس وهو أستاذ في معهد الدراسات الأوروبية التابع لجامعة باريس الثامنة. ألف ما يزيد على 40 كتابا.
ما هي التطورات الإستراتيجية الكبرى الجارية على المستوى العالمي؟ وكيف ترتسم من جديد «خطوط القوّة» للقوة الكونية مع عودة روسيا إلى رقعة الشطرنج الدولية وعودة ملف الانتشار النووي للبروز؟
هذان السؤالان، وعدد من الأسئلة الأخرى التي تدور بفلكهما، يقدم هذا الكتاب ـ الدليل دراسة توليفية عنها بالنسبة لعام 2008.
ويتم التعرض في التحليلات المقدّمة للرهانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والإستراتيجية. وذلك بالاعتماد على أحدث المعطيات في الساحة الدولية وأيضا على الإحصائيات المختلفة التي قامت بها مؤسسات فرنسية ودولية مختصّة.
تحت عنوان: «هل انتهت نزعة الأحادية الدولية»؟ يقول باسكال بونيفاس إن السنة الجارية أظهرت محدودية هذه النزعة الأحادية. وذلك يعود برأيه إلى كون أنه «حتى القوة الأميركية العظمى لا تستطيع أن تتصرف وحدها أو بصورة معزولة نسبيا ضد بقية العالم أو دون هذه البقية».
وإذا كانت مثل تلك النزعة قد تعززت فإن ذلك قد حدث باسم «الفعالية»، لكن الأساس الحقيقي لذلك «الصعود» إنما كان على قاعدة «إيديولوجية» وليس على قاعدة الواقع «الذي أخذ ثأره». ذلك أن حرب العراق التي كانت تعبيرا صارخا للنزعة الأحادية الأميركية تبيّن مدى عجز إن لم نقل «أشكال إفلاس» تلك النزعة. ذلك أنه «لم يتم تحقيق أي هدف معلن لتبرير الحرب».
ويؤكد بونيفاس أن «القوة الأميركية سوف تدفع أيضا ثمنا باهظا للمغامرة العراقية التي لم تعرف بعد جميع الدفوعات المترتبة عليها». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الولايات المتحدة قد زادت كثيرا من نفقاتها العسكرية لعام 2007 إذ بلغت 620 مليار دولار وبالتالي تجاوزت ما يزيد على نصف الإنفاق العسكري العالمي،
الأمر الذي يجد فيه الكاتب مؤشرا على أنها لا تبحث عن تحقيق التعددية القطبية على الصعيد العالمي بل تريد أن تفرض سيطرتها وحدها. والأمر نفسه من خلال رفضها تقديم أي جهد «متعدد الأقطاب» فيما يخص سخونة حرارة الأرض. مع ذلك يصر المؤلف على القول: «الأحادية القطبية أمر مستحيل في العالم المعولم».
ويرى بونيفاس أن أحد المستجدات على الساحة الدولية يتمثل في عودة روسيا بقوة إلى مسرح العلاقات الدولية. ولم يتردد فلاديمير بوتين بالتهديد أن بلاده سوف تنصب «صواريخ مزودة برؤوس نووية على أوروبا» للرد على المنظومة المضادة للصواريخ التي تريد أميركا إقامتها في أوروبا الشرقية. وهذا ما دعا البعض إلى القول إن «الحرب الباردة قد عادت من جديد».
لكن باسكال بونيفاس لا يؤيد مثل هذه الفكرة ويرى بأنه إذا كانت موسكو تشدد لهجتها حيال الولايات المتحدة الأميركية فإن هذا لا يعني أنه يمكن الحديث عن عودة الحرب الباردة ذلك أن الظروف التاريخية قد تغيرت تماما.
ولم يعد هناك معسكران يريد كل منهما «إبادة» الآخر ولم تعد موسكو على رأس تحالف عالمي له مرتكزاته العسكرية في مختلف القارات وقادر على مقارعة واشنطن من موقع القوة العظمى المقابلة.
ما يؤكده باسكال بونيفاس هو أن فلاديمير بوتين أراد أن يبيّن للعالم، قبل أن تنتهي فترته الرئاسية في أفق عام 2008، أن روسيا قد استعادت في ظل قيادته دورها على الصعيد العالمي بعد أن كانت صورتها قد بهتت خلال سنوات حكم بوريس يلتسين حيث كان إجمالي الإنتاج الداخلي للبلاد قد انخفض إلى النصف.
وبالتالي لم تكن تتم معاملتها على أنها قوة كبرى، ثم إن الحرب التي قام بها الحلف الأطلسي عام 1999 ضد صربيا ومن أجل الكوسوفو بينت أنه لم يكن يتم اعتبارها أيضا كعنصر فاعل على الصعيد الإستراتيجي.
فلاديمير بوتين أراد أن يقلب هذا الواقع وهذا سيتعزز أكثر في أفق السنة الجارية. ثم إن النهوض الاقتصادي واسترداد الشعور بالاعتزاز زاد من شعبية بوريس يلتسين التي تقارب الآن 70 بالمائة من مجموع الروس.
وتعزز معطيات «السنة الإستراتيجية لعام 2008» القول إن الصين قد تكون «المنافس القادم» للولايات المتحدة الأميركية على الصعيد الإستراتيجي، وأنها سوف تلعب من جديد نفس الدور الذي لعبه الاتحاد السوفييتي (السابق) لفترة طويلة من الزمن.
وتتم الإشارة هنا إلى أن الرئيس الأمريكي الحالي جورج دبليو بوش كان قد قدّم الصين في بداية فترته الرئاسية على أنها «المنافس الإستراتيجي» مبتعدا بذلك عن الرئيس السابق بيل كلنتون الذي قدم الصين على أنها «حليف إستراتيجي». لكن بوش توقف عن إصدار تصريحات مناوئة للصين بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 بعد أن كانت بكين قد أعلنت تعاطفها مع الولايات المتحدة.
لكن بالمقابل لا يتردد مسؤولو وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» في التحذير علنا من الصعود القوي للآلة العسكرية الصينية. وتدل الإحصائيات المقدّمة أن الميزانية المكرّسة للجيش الصيني سوف تزداد بنسبة 18 بالمائة للعام القادم لتصل إلى 45 مليار دولار،
أي ما يقارب الإنفاق العسكري لكل من اليابان وبريطانيا وفرنسا. وكان الصينيون قد أظهروا في شهر يناير 2007 أنهم قد طوّروا قدرتهم في مجال الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية مما قد يشكك ب«التفوق الفضائي» الأميركي.
ما يتم تأكيده هو أن الصين لا تريد أن تعارض الولايات المتحدة الأميركية «مواجهة». ثم أن معارضتها للحرب ضد العراق كانت أقل حماسة من معارضة فرنسا أو ألمانيا أو روسيا. إن الصين لا تستطيع تجاوز السوق الأميركية من أجل نموها الاقتصادي، فهي تقوم بتحويل فوائضها التجارية مع الولايات المتحدة (أكثر من 100 مليار سنويا) إلى «سندات» في الخزينة الأميركية.
ويكفي أن تبيع بكين «مخزوناتها الأميركية» حتى ينهار الدولار. من هنا تغدو الصين والولايات المتحدة «مرتبطتين» اقتصاديا، مع ذلك يتم التأكيد في المحصلة أن «التكافؤ» الإستراتيجي لا يزال بعيدا بين القوتين رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الصين.
ويقدم هذا الكتاب ـ الدليل رؤية استشرافية ل«الرهانات الاقتصادية» العالمية كإجابة على السؤال التالي: «هل يمثل النمو الاقتصادي لعام 2007 مقدمة لتحديات جديدة». ثم يتعرّض ل«الرهانات العسكرية» عبر الحديث عن «التوجهات الكبرى» في الميدان العسكري على المستوى العالمي مع الإشارة في معرض البحث في «دروس حرب لبنان»
لشهري يوليو وأغسطس 2006 أنها أثبتت أن «الحرب ضد عدو متحرك وذي تنظيم يتميز بقدر كبير من اللامركزية تصعب قيادتها وأي حرب وبواسطة سلاح الطيران». وإذا كان الإسرائيليون قد دمّروا حوالي 75 بالمائة من منصات إطلاق الصواريخ متوسطة
وبعيدة المدى فإنهم كانوا أقل فاعلية ضد الأسلحة الأقل تقدما مثل راجمات الصواريخ الصغيرة، كما تتم الإشارة إلى أن الحرب اللبنانية برهنت مرة أخرى أن الأسلحة لا تستطيع فعل شيء إذا أمكن اكتساب دعم السكان.
إن هذا الكتاب ـ الدليل يكرّس العديد من صفحاته التي تزيد على 600 صفحة لدراسة الأفق الإستراتيجي للعام المقبل 2008 على أساس المناطق الجغرافية. وهكذا يتم تكريس فصل ل«الشرق الأوسط والمغرب»،
تحت عنوان: «بين زيادة التوترات والمبادرات الدبلوماسية». وقد أشرف على الجزء الخاص بالشرق الأوسط ديدييه بيليون (أحد كتّاب صفحة الرأي في جريدة «البيان») المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية.
وتتم الإشارة أولا إلى أن الشهور الأخيرة المنصرمة لا تشذ عن واقع سلسلة المجابهات المجابهات والمآسي والحروب التي غرقت فيها المنطقة منذ سنوات طويلة. ويضيف التحليل أن مقولة «مكافحة الإرهاب» كما تصورتها إدارة بوش أظهرت فشلها التام لسبب رئيسي هو «رفضها معالجة الأسباب العميقة ـ الاجتماعية والسياسية ـ لأزمات المنطقة واللجوء إلى القوة العسكرية وحدها التي أثبتت أنها «ليست حلا».
ثم هناك الكلفة الباهظة للعمليات العسكرية الأميركية في العالم والتي ازدادت من 96 مليار دولار عام 2004 إلى 122 مليار عام 2006 لتصل كما هو متوقعا إلى 170 مليار عام 2007. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المنطقة يجدون صعوبة في السير بالنهج الذي رسمته واشنطن،
لاسيما أمام الضغط المتعاظم للرأي العام في بلدانهم. وقد كانت الحرب في صيف 2006 بلبنان ذات دلالة كبيرة في هذا السياق. إن التشخيص الذي يتم تقديمه للأوضاع في منطقة الشرق الأوسط يشير إلى أن «لبنان يعيش في دوامة» و«العراق في حالة فوضى» و«مسيرة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين معطّلة على خلفية وجود أزمات سياسية عميقة»
بينما «يتأكد الدور الإقليمي لإيران» وتثبت سوريا أنها «قوة إقليمية فاعلة لا يمكن تجاوزها» في الوقت نفسه «تبحث المملكة العربية السعودية عن وجود دور جديد على المسرح الشرق أوسطي». أما بلدان الخليج الأخرى فإنها تشهد «متابعة الانفتاح السياسي»،
وحيث نقرأ: «إن الانتخابات التشريعية التي جرى تنظيمها في الكويت والبحرين والإمارات العربية خلال الأشهر الأخيرة تؤكد تقدم الديمقراطية بصورة خجولة وإنما حقيقية مع ذلك». وبالنسبة لمنطقة المغرب العربي فيتم الحديث عنها تحت عنوان: «المغرب: السنوات الرمادية»،
وذلك بعد أن أصابت «عدوى الإرهاب» بلدان هذه المنطقة التي تحاول في الوقت نفسه القيام ب«انفتاح اقتصادي» أكبر وحيث أن دلائل عديدة تشير إلى أن مثل هذا التوجه سوف يتعزز خلال الفترة القادمة.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب ـ الدليل يقدّم صفحة عن كل بلد تحتوي على المعطيات الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية والتجارية والدفاعية ومستوى الحياة فيه بالإضافة إلى عدة معطيات أخرى.
*الكتاب:السنة الإستراتيجية 2008
*الناشر:ايريس ودالوز - باريس 2007
*الصفحات:605 صفحات من القطع المتوسط
L'année stratégique 2008
Iris,Dalloz - Paris 2007
P.605