غالبا ما تشكل تجربة الكاتب في الحياة، ومعاناته الذاتية منبعا خصبا وأساسيا لكتاباته سواء في الشعر أو القصة القصيرة أو الرواية...، وإذا كانت الرواية في العقود الأخيرة قد عثرت على أشكال سردية مختلفة.
فإن هذا الفن كان حتى بدايات القرن العشرين وسيلة المبدع لتدوين سيرته الذاتية في شكل فني معين، كما هي الحال مع الشاعر والروائي السويدي هاري مارتينسون (1904 ـ 1978) الذي فاز بأرفع جائزة أدبية في عام 1974 ألا وهي جائزة نوبل بعد مجموعة من الروايات التي خولته لأن يتبوأ مكانة هامة في عالم الأدب.
ومن أهم أعماله «رحلات دون هدف» 1932 م، «رأس الوداع» 1933 م، «السفر» 1936 م، و«الطريق إلى كلوكريك» 1948 وغيرها، فضلا عن روايته الهامة «الشوك يزهر» التي تتناول، في شكل فني أخاذ، طفولة الكاتب.
حين دفع هاري مارتينسون بأحد أعماله إلى النشر كتب سيرة موجزة ومختصرة عن حياته، وأرسلها، مع العمل، إلى الناشر الذي فوجئ بما قرأ: «...هاري مارتينسون المولود عام 1904م. ابن ربان باخرة رحلات طويلة. فَقَد أبويه منذ طفولته الأولى وأصبح ربيب البلدية.
وبعد عدد كبير من مرات الهرب والمشكلات التربوية التحق بالعمل، في عمر الرابعة عشرة، على متن باخرة، وركب البحر، بعد ذلك، كبحار مبتدئ، ووقّاد، وأنباري، وطاه على متن ثمانية عشر مركبا، وتاه، أحيانا، كصعلوك في المرافئ،
واجتاز، متشردا، كيلو مترات في جزر الهند والقارة الأوربية وأميركا اللاتينية. ومارس، فضلا عن ذلك، حشدا من المهن: ممدد خطوط حديدية، عامل مزرعة، بائع جرائد، وعمل برهة في المسلخ، وراعيا في الأرجنتين.
وهو يقيم، منذ سنة ،على البر، في السويد. لم ينجز دراسات تأهيلية. المدرسة الابتدائية ثم مدرسة الحياة القاسية». ومن هذه المدرسة الأخيرة اكتسب مارتينسون الكثير وقدم الكثير بحيث استطاع أن يجعل «الشوك يزهر»، وهو دلالة على أن حياته القاسية والمريرة قد أثمرت عن روائي انتزع الإعجاب والتقدير.
ترصد الرواية حياة الطفل مارتان، بطل الرواية، الذي وجد نفسه يتيما بعد موت والديه وشقيقته الكبرى لتكتمل فصول المأساة، وينسج الألم شباكه حول طفل طري العود في أراضي السويد وتضاريسها القاسية، شديدة الوطأة، عليه هو الذي لم يتقن من أبجدية الحياة سوى لغة الحرمان.
البلدية تولت أمره كطفل لا يستطيع الاعتماد على نفسه كما كان التقليد سائدا، آنذاك، والذي يقضي بان يقوم أصحاب إحدى المزارع الكثيرة المنتشرة في تلك البلاد برعاية الأطفال والمسنين الذين لا مأوى لهم مقابل نفقات قليلة تدفعها البلدية لهم، لتبدأ تراجيديا الطفولة المؤلمة.
هذا الوضع البائس الذي وجد مارتان نفسه فيه قاده إلى هوة سحيقة، فكان ينتقل على جناح اليأس من مزرعة إلى أخرى. يهرب من هذه ليجد الأخرى اكثر بؤسا وشقاء، ولا سبيل أمامه سوى الصبر أمام امتحان الحياة المبكر والصعب،
فقد عمل، وهو طفل دون العاشرة، في أعمال يعجز عنها الكبار حيث عمل في الحقول والزراعة وتعليف الحيوانات والتنظيف والغسيل وغيرها من الأعمال التي تتطلبها الأرياف الفقيرة. كان يقوم بذلك دون تذمر، ودون أن يكون قادرا على إيجاد تفسير لما يجري له. إنه مستسلم لمصيره الأسود معتقدا أن الحياة هي هكذا: «طريق طويل من العذاب والحرمان والجوع والبرد».
تجري أحداث الرواية في السويد في بدايات القرن المنصرم. كانت هذه الدولة، آنذاك، فقيرة، ومختلفة جدا عن «الفردوس الاجتماعي» كما توصف السويد اليوم حيث الرفاهية والترف. وتتبدى الصورة البائسة لهذه الدولة في صفحات رواية مارتينسون الذي برع في تصوير ملامح الحياة واستحضار البيئة المحلية بكل زخمها ومناخاتها
وما تنطوي عليه هذه البيئة من ثقافة وقيم وأخلاقيات حتى ليصح القول بان الرواية تعد وثيقة تاريخية، غير رسمية، عن طبيعة المجتمع السويدي في بدايات القرن العشرين، ولاسيما في الأرياف حيث تجري الأحداث.
الرواية مكتوبة بواقعية شديدة. لكنها، أيضا، تنحو باتجاه الخيال والمجاز حين يتعلق الأمر بالجوانب النفسية للشخصيات وخصوصا مارتان، وكذلك لدى الحديث عن العلاقات الإنسانية التي تتحكم بها الأنانية والغطرسة والانتهازية التي وسمت سلوك أغلب الشخصيات
والتي لم يتح لها الكاتب الظهور إلا بالمقدار الذي يخدم في المزيد من توضيح صورة البطل الطفل الذي تعرف وتعامل مع عشرات الشخصيات دون أن تستطيع أي منها أن تترك لديه ذكرى طيبة، فقد كان دائما موضع سخرية، ومحط ارتياب يُنظر إليه كلقيط لا يستحق الشفقة.
يصوغ مارتينسون روايته بضمير الغائب كراو شهد الأحداث أو عاشها وراح يقص ذلك في سرد روائي تقليدي كلاسيكي يتصاعد زمنيا بصورة منطقية، إذ تبدأ منذ ولادة الطفل وحتى بلوغه الحادية عشرة في الصفحات الأخيرة من الرواية دون أن تنتهي فصول المأساة.
ولعل ما يميز الرواية هي تلك اللغة النابضة بالحياة والتي تحاول أن ترسم بصدق حالة الطفل النفسية مثلما لا تهمل كل ما يقع عليه عين الراوي من النبات والحيوان والبيوت والطرقات ولون الفصول وحركة الطبيعة المتقلبة،
فهي لغة لا تفتقر إلى الشاعرية والرومانسية كما أنها لا تهمل ما هو محسوس ومادي، ومن هنا فان الرواية تقترب في فنيتها وتقنيتها من السيناريو السينمائي فهي تصلح لأن تتحول للتو إلى فيلم سينمائي جميل.
ولئن تشابهت مناخات الرواية التي تستعيد أجواء دولة أوروبية تعيش في بدايات القرن العشرين، إلا أن هناك تنويعا يتعلق بتفاصيل الحياة اليومية، وبالشخصيات الكثيرة التي تمضي سريعا بعد أن أضافت بظهورها شيئا جديدا إلى سيرة الطفل الناقصة مارتان الطفل اليتيم، الخجول، المطيع، الصموت الذي لم يرتكب في حياته القصيرة أية خطيئة سوى اضطراره إلى قتل أحد العجول تهربا من عقوبة وخيمة،
ورغم سني عمره الغض فإن هذه الحادثة كانت تعذب ضميره ما يدفع القارئ إلى عقد مقارنة بين سلوكه الإنساني النبيل تجاه ارتكاب الأخطاء، وسلوك الآخرين الذين كانوا يعاملونه بفظاظة دون أي وازع أخلاقي.
لا شك أن الحياة غير عادلة في كثير من الأحيان فهي تكشر عن أنيابها للبعض وتقدم للبعض الآخر الرفاهية على طبق من ذهب، ومارتان لم يذق من نعيم الحياة سوى الخيبة والعذاب والشقاء ليكون نموذجا لأطفال مثله عانوا في تلك البلاد.
وتتشابه سيرة مارتان مع سيرة الروائي مارتينسون نفسه الذي آثر أن يعنون الرواية بـ «الشوك يزهر» كدلالة واضحة على أن حياة الحرمان والبؤس والشقاء صنعت منه روائيا عظيما، على أن ذلك لا يعني بان الحياة القاسية التي عاشها هي التي قادته إلى المجد دائما، بل أراد القول إن الصبر والإرادة والأمل قد يصنع أديبا مهما.