مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والمترجم السوري هاشم صالح والذي ساهم بشكل رئيسي في تقديم المفكر الجزائري الفرنسي محمد أركون إلى القارئ العربي، من خلال القيام على ترجمة كل أعماله. وقد قدم صالح للمكتبة العربية من قبل عدة إسهامات من بينها كتاب معضلة الأصوليات الإسلامية وهو الكتاب الذي يعكس أسلوبه العام وطبيعته الخاصة في امتصاص رحيق الكتب الغربية خاصة الفرنسية وتقديمها للقارئ العربي بأسلوبه الخاص.
والفكرة الأساسية التي يلح عليها صالح من خلال مختلف كتاباته وكتابه الذي نعرض له ـ الذي يمثل مجموعة مقالات كتبها صالح على مدى سنوات ـ هي أننا في العالم العربي والإسلامي نعيش مرحلة أشبه ما تكون بتلك التي عاشتها أوروبا منذ أربعة قرون مضت..
وهي المرحلة التي انتهت بالإصلاح الديني هناك على يد مارتن لوثر. وبتعبيره، فإن الأمة العربية وصلت إلى ما يعتبره مرحلة النبش عن الصورة الحقيقية في إطار السعي للبحث عن الحقيقة، وأن العديد من المؤشرات تكشف عن ذلك ومنها أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي فتحت الباب لتساؤلات عديدة يرى معها المؤلف أنه رب ضارة نافعة.
يتساءل صالح: عن أي شيء ينتج الانسداد التاريخي الذي يمنع العرب وكل الشعوب الإسلامية من الانطلاق؟ في إجابته يقرر أن ذلك إنما ينتج عما يعتبره تناقضا بين النص والواقع أو النص وكل التطورات العلمية والسياسية والفلسفية التي جاءت بها الأزمنة الحديثة.
وفي معرض تفسيره لما يعتبره جوهر الأزمة في فكرنا العربي والإسلامي الراهن يشير المؤلف إلى أن ذلك إنما يعود إلى المأزق المتمثل في أن الالتزام بحرفية النص يؤدي بالمسلم إما إلى إنكار منجزات الحداثة كلها بل الحقد عليها وإعلان الحرب على العصر كما يفعل الظواهري وبن لادن وإما إلى إنكار النص نفسه والشعور بعدئذ بالإحساس الرهيب بالخطيئة والذنب.
وهكذا يقع المسلم - وفق تصور صالح ـ في تناقض قاتل لا مخرج منه والحل لن يكون كما يرى سوى بالتأويل المجازي للنص والاعتراف بالمشروطية التاريخية للنص كما فعل المسيحيون في أوروبا بعد التنوير وتشكيل اللاهوت الليبرالي في القرن التاسع عشر. وهنا يعيد صالح مجموعة من الأفكار التي تجدها في كتب أركون وتمثل محور كتابه «تاريخية الفكر العربي الإسلامي».
وعودة إلى جوهر الرؤية التي أشرنا إلى أنها تسيطر على تفكيره ويقدمها في كل مقالاته وكتبه تقريبا يقرر صالح أن الخروج من المأزق الذي نعيشه لن يتم إلا على النهج الغربي.. فلقد عانى المسيحيون الأوروبيون كثيرا من الانسداد التاريخي
ولم يستطيعوا الخروج منه إلا بعد القبول بتطبيق المنهج التاريخي الحديث على نص الإنجيل والتوراة وقد نتج عن هذا التطبيق فوائد عظيمة ليس أقلها التفريق بين قشور الدين وجوهر الشيء الذي أتاح لاحقا تحقيق المصالحة التاريخية بين المسيحية والحداثة ولكن ذلك لم يحدث إلا بعد صدامات مروعة وكر وفر.
وفي إطار استعراضه لقضيته يحاول صالح الإفادة من تجربته الذاتية بالانتقال إلى العيش في أوروبا حيث يبدي حالة من الانبهار بالنقلة التي مثلتها له هذه التجربة قائلا: سوف أقولها دون لف أو دوران لو لم تتح لي الفرصة للقدوم إلى أوروبا قبل أكثر من ربع قرن لكنت قد عشت ومت من دون أن أفهم شيئا.
أما الشيء الأساسي الذي يرى أنه تحقق له من هذه التجربة فهو.. أن المقارنة لا تجوز إطلاقا بين العالم الإسلامي وأوروبا الحالية بل مع أوروبا السابقة ـ تنويعة جديدة على تأكيد تشبيه وضعنا بأوروبا منذ أربعة قرون.
يضيف صالح: ولذلك فإن العودة إلى التنوير لا تعني العودة إلى الوراء إلا بالنسبة إلى أوروبا أما بالنسبة إلى العالم العربي الإسلامي فإنها تعني العودة إلى الأمام، بل إن فهم أوضاع العالم الإسلامي الحالية يتطلب منا العودة إلى ما قبل التنوير بمئتي عام أي إلى عصر النهضة والافتراق عن القرون الوسطى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
وفي إطار رصده لأمراض العالم العربي بمنظاره الخاص يتساءل صالح عمن يشفينا من مرضنا بالأصولية؟ مشيرا إلى استفحال هذا المرض بانتقال الأصولية إلى الجاليات الإسلامية المقيمة في الغرب منذ زمن طويل.. إن الحل الذي يراه المؤلف يتمثل في العمل على بلورة فكر آخر عن الإسلام غير الفكر السائد اليوم ،يعد فكرا منفتحا متسامحا عقلانيا.
ومرة ثالثة يعيد صالح التأكيد على أن التفسير الجديد - الذي يعتمد مبدأ التاريخية مرتكزا أساسيا له - سوف يدخل في صراع مرير مع التفسير العتيق الراسخ الجذور والذي يعتمد عليه الأصوليون لارتكاب أعمالهم الإجرامية، فهو الذي يقدم لهم المشروعية الدينية والحماية الكافية من الناحية النفسية وإلا لما استطاعوا ارتكاب كل هذه المجازر بحق المدنيين أو الأبرياء العزل الذين يؤخذون على حين غرة.
والمشكلة التي يرى صالح أن الأحداث تؤكد صحة رؤيته بشأنها وصول الوباء الأصولي إلى هولندا التي اشتهرت على مدار التاريخ بالحرية الفكرية والتسامح الديني إلى جانب إنجلترا وذلك من خلال قتل شخص مغربي الأصل لحفيد فان جوخ أو حفيد أخيه بعد أن انحرف هذا المغربي تحت تأثير مواعظ الأصوليين وتحفهم الفكرية.
وهنا يوسع صالح من نطاق هجومه منتقدا من يصفهم بأشباه المثقفين العرب الذين يقولون بأنه لا توجد مشكلة في العالم الإسلامي وأن المشكلة موجودة فقط في المسيحية. مضيفا: انه من المستحيل أن تجد مثقفا واحدا يعترف بعمق المشكلة الداخلية التي نعانيها إلا من رحم ربك.
وهنا يصف مشكلتنا العربية والإسلامية - مرة جديدة - بأنها لا تقل خطرا عن تلك التي واجهتها أوروبا في القرن السابع عشر. من الفكري إلى السياسي يقدم لنا صالح رؤية مثيرة للجدل في مقالة له بعنوان «سقوط الأيديولوجيا العربية..
من تحت الأنقاض يجيء المستقبل أو لا يجيء» يقدم فيها رؤية تبريرية لما يحدث في العراق.. يقول صالح: عجيب أمر البشر. مستحيل أن يتقدموا خطوة واحدة من دون أن يدفعوا الثمن دما ودموعا. كنا نتمنى لو أن التقدم يحصل بهدوء وسلام ومن دون إراقة قطرة دم واحدة ولكن أحداث العراق الذي أصبح الآن مختبرا لكل العرب - نفس الرؤية التي تطرحها الولايات المتحدة - تعيدنا إلى الحقيقة المرة وهى أنه لا بد دون الشهد من ابر النحل.
وبهذا المعنى يدعونا المؤلف إلى أن نرى وجود أشخاص من طراز بن لادن أو الزرقاوي أو صدام حسين أمر ضروري لكي نكشف سر التاريخ والمرض العضال، فالتاريخ لا يتقدم أحيانا إلا من أبوابه الخلفية أو حتى من أسوأ أبوابه ولذلك يدعونا هاشم صالح إلى ألا نفهم ما يجري في العراق وكأنه خراب أو دمار أو نهاية التاريخ فقط.. لا ينبغي أن نرى فيه الجانب السلبي الوحيد، فوراء الأشياء ما وراءها.
فالواقع أن التاريخ ابتدأ الآن في العراق أو قل ابتدأت جدلية التاريخ والمرحلة الفوضوية الحالية - على غرار مفهوم رايس بشأن الفوضى الخلاقة - ضرورية وإجبارية من أجل التوصل إلى ما بعدها أي إلى شاطئ الأمان إن شاء الله، وهي الرؤية التي تشبه إلى حد كبير رؤية فؤاد عجمي بشأن طبيعة وأبعاد ومستقبل التدخل الأميركي في العراق.
ورغم رؤاه الثورية والإصلاحية يجد صالح نفسه مجبرا على التحفظ على رؤى المستشرق الأميركي برنارد لويس،التي أوردها في كتابه «أين الخطأ» والتي تتوافق فكريا إلى حد كبير مع هاشم صالح. لقد راح لويس في الكتاب الذي نشره بعد أحداث سبتمبر فيه يعرب عن تصوره حسب نص صالح بأن سبب الانسداد التاريخي الحضاري العربي يعود إلى الانغلاق الكامل داخل الحقيقة اللاهوتية المقدسة.
يبدي صالح تحفظا على ما يذهب إليه لويس في معرض الإشارة إلى تخلف الشرق الأوسط وحده عن ركب التطور العلمي مشيرا إلى أن لويس في ذلك يتحاشى التلميح إلى السبب الأساسي وهو تأسيس دولة إسرائيل قبل خمسين سنة وزعزعة منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
وحسب رؤية صالح فإنه لم تصب أي منطقة أخرى في العالم بالويلات والنكبات مثلما أصيبت منطقة الشرق الأوسط ومع ذلك فإنهم يطالبونها بتحقيق التقدم العلمي والفلسفي وربما الرخاء الاقتصادي والازدهار الحضاري.
مضيفا: لقد كسر ظهر النهضة العربية في منطقة الشرق الأوسط بعد أن كانت صاعدة واعدة طوال القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، ومعظم موارد العرب التي كان يمكن أن تكرس للتنمية والتنوير والنهضة أصبحت مكرسة لشراء الأسلحة والانخراط في صراع جهنمي فرض علينا فرضا وهنا يكمن أحد الأسباب الأساسية للانسداد التاريخي الذي نعانيه حاليا. وهو ما قد يتناقض بشكل جزئي إلى إرجاع صالح في بقية مواد الكتاب هذا الانسداد إلى مأزق الالتزام بحرفية النص كسبب أساسي ووحيد.
ووسط قتامة الصورة يحاول صالح أن يرى نقطة مضيئة تبعث على التفاؤل فيصحبنا إلى قرطبة عندما كانت منارة للفكر البشري، مشيرا إلى أنه على مدار فترة طويلة كان المفكرون الغربيون يتجاهلون إسهام الحضارة العربية الإسلامية في الحضارة العالمية أو يقللون من أهمية هذا الإسهام وحجمه ولكنهم ابتدأوا أخيرا يعترفون بذلك أكثر فأكثر وقد وصل الأمر،
وفق ما يذكر المؤلف، بباحث هو بول يالطا إلى حد التحدث عن المعجزة العربية مثلما تحدث بعضهم سابقا عن المعجزة الإغريقية، فكما أن الإغريق أنجبوا سقراط وأفلاطون وأرسطو وإقليدس وفيثاغورث فإن العرب أنجبوا الكندي والفارابي وابن سينا وأبي بكر الرازي وابن رشد.. إلخ.
ولكن بما أن حضارتنا ابتدأت بالأفول بعد سقوط غرناطة في الأندلس عام 1492 فإننا نسينا أنه كانت لنا حضارة يوما أو قل نسى الآخرون ذلك وتجاهلوه وطمسوه. من هذه النقطة يحاول صالح التطرق إلى البحث في من قتل الفكر العقلاني في العالم العربي؟
في ضوء حقيقة أن قرطبة كانت مركزا للإشعاع الثقافي للعالم كله بين القرنين التاسع والثالث عشر. إن الطلاق بين الإيمان والعقل - يذكر صالح - لم يحصل إلا في عصور الانحطاط التي طالت كثيرا للأسف الشديد، وهذا الطلاق الذي استمر قرونا عديدة أي حتى اليوم بشكل من الأشكال هو الذي أوهم الغربيين بأن الإسلام في طبيعته دين مضاد للعقل.
مصطفى عبد الرازق
*الكتاب:الانسداد التاريخي لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟
*الناشر: دار الساقي ـ رابطة العقلانيين العرب ـ بيروت 2007
*الصفحات:304 صفحات من القطع الكبير