كيف ينظر الأدباء والنقاد السوريون إلى نجيب محفوظ؟ وما مستويات التلقي لرواياته وأعماله القصصية؟ وإلى أي حد ترك أثره في إبداعهم؟ وما هي رؤاه الفنية ومواقفه الثقافية والسياسية والاجتماعية والحضارية؟
تلك الأسئلة وسواها يجيب عنها كتاب: «نجيب محفوظ بعيون سورية» الذي قدّم له وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا، وأعدّه وحرّره الدكتور عبدالله أبو هيف، وهو ناقد وأستاذ جامعي سوري، عمل رئيساً لتحرير مجلة الموقف الأدبي، ورئيساً لتحرير جريدة الأسبوع الأدبي، وهو عضو المكتب التنفيذي في اتحاد الكتاب العرب،
وقد صدر له عدد كبير من الكتب منها: «التأسيس ـ مقالات في المسرح السوري»، «فكرة القصة» ، «أدب الأطفال نظرياً وتطبيقياً»، «الأدب العربي وتحديات الحداثة» ، «لأدب والتغيّر الاجتماعي في سوريا»، «عن التقاليد والتحديث في القصة العربية»، «القصة العربية الحديثة والغرب»، «اتجاهات النقد الروائي في سوريا».
في تقديمه للكتاب يشير وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا إلى ولعه بأعمال محفوظ في سن مبكرة، بعدما شجعه على قراءتها كل من أستاذيه جورج سالم، وجورج طرابيشي، وإلى أن هذا الولع دفعه إلى كتابة مقالة نقدية عن رواية « حضرة المحترم »،
كما أعاد قراءة محفوظ غير مرة على هدي معرفة جديدة أتاحت له أن يبحث عن الغامض والمستور خلف السطور وليس عن المباشر والمعلن والمنثور . ثم يعرج على لقائه بمحفوظ في «الأهرام» وما تركه هذا اللقاء في نفسه من أثر طيب. ويصل إلى أن محفوظا الذي نشر الأدب العربي في العالم كله، كان أكبر من الجوائز مهما كان شأنها، ومن هنا يأتي هذا الكتاب لتخليد ذكراه.
ويتوقف الدكتور عبد الله أبو هيف في تمهيده عند مناسبة الكتاب، وفكرته ، والغرض منه، فيرى أنه جاء تلبية للدعوة التي وجهها وزير الثقافة لتكريم نجيب محفوظ في الذكرى الأولى لرحيله، وهو يضم أبحاثا وشهادات مما كتب عنه خلال ستة العقود الأخيرة بأقلام الكتاب السوريين الذين عنوا عناية فائقة بإبداعه على الدوام .
ويهدف إلى توثيق هذه الكتابات المتناثرة في المجلات والكتب والتي تكشف عن آليات التلقي المختلفة لأدب محفوظ من قبل الأجيال والاتجاهات الفكرية والنقدية المختلفة في سورية. ضم الكتاب أربعة أقسام جاءت تحت العناوين التالية: «دراسات في الرواية والقصة»، «نجيب محفوظ والسينما »، «شهادات»، «معلومات ووثائق».
وقد كتب في القسم الأول عدد كبير من النقاد والكتاب منهم جورج طرابيشي، ونبيل سليمان، والدكتور عبد النبي اصطيف، ومحمد كامل الخطيب، ومحمد عزام، والدكتور خليل الموسى، والدكتورة عزيزة مريدن، ورياض عصمت، وديب علي حسن، والدكتور ممدوح أبو الوي، وفاضل السباعي، وجورج سالم، والدكتور محمد رياض وتار، والدكتور فاروق إبراهيم المغربي وآخرون.
يبين طرابيشي تحت عنوان: «نجيب محفوظ يعيد كتابة تاريخ البشرية»، أن ما أراده محفوظ في « أولاد حارتنا » هو أن يعيد كتابة تاريخ البشرية منذ أن وجد في الكون الإنسان الأول، وهذا لا يعني أنه استحال إلى مجرد مؤرخ، بل ظل كما في سائر أعماله روائيا مؤرخا.
فهو لا يعنى بتقديم العالم الموضوعي إنما بتقديم العالم الذاتي. وبعد تحليل مستفيض لأحداث وشخصيات : « أولاد حارتنا » يخلص طرابيشي إلى القول بما معناه إن أن قصة هذه الرواية هي قصة البشرية التي عانت منذ أن كانت من العذاب والاضطهاد ما لا يمكن حصره في صفحات أي سفر مهما كبر وتعدّدت مجلداته، وهذه البشرية هي نفسها التي لم تيأس كما لم ييأس آدم من الرجوع إلى الجنة.
وما كان أنبياؤها إلا رواد صمودها وأملها . وإذا كان عصر الأنبياء قد انتهى اليوم، إلا أن نجيب محفوظ يدعو إلى المثابرة على الصمود والأمل نفسه. فهناك من جهة أولى ذكرى الأنبياء، ومن الجهة الثانية سلاح العلم الذي صنعته البشرية بنفسها. والعلم استمرار للنبوة وباتحادهما ستدرك الإنسانية غايتها.
هذا ما أراد نجيب محفوظ أن يقوله في: «أولاد حارتنا» أو هذا على الأقل ما يعتقد طرابيشي أنه أراد أن يقوله متسائلا في النهاية: هل هي صوفية جديدة كما حاول بعض النقاد أن يؤكدوا؟ وتحت عنوان: الحرب في رواية « الحب تحت المطر »، يشير نبيل سليمان إلى أن نجيب محفوظ يسعى في هذه الرواية إلى تقديم عرض انتقادي للوضع المصري منذ ما بعد الهزيمة حتى حرب الاستنزاف.
وهي ليست عرضا لفترة لاهبة من تاريخ مصر القريب وحسب وإنما هي إيماءة إلى المستقبل أيضا. والبديل الذي تقدمه يرتسم في شخصية « حامد » وفي الفدائيين، وهو ارتسام يتصف بالاستحياء الذي فرضته قتامة ما جدّ بعد الهزيمة.
وفي محاولة لرصد تركة محفوظ الإبداعية يبين عبد النبي اصطيف إن أهمية محفوظ تكمن أساسا في أنه استطاع أن يقنع القارئ العربي، والقارئ العالمي لاحقا ـ والإقناع عن طريق الفن ليس سهلا ويحتاج إلى صانع أمهر دائما ـ أن روايته هذه لتاريخ مدينته وبلده هي الجديرة بالقراءة دون غيرها، لأنها تجمع كما هو شأن كل أدب رفيع بين المتعة والفائدة .
ويخلص اصطيف إلى القول إن أهم ما أنجزه محفوظ أنه وضع الرواية العربية على خارطة الرواية العالمية في القرن العشرين وأسهم في نشر الأدب العربي من خلال الترجمات، وهذا دليل على أن هذا الأدب أدب حيّ وليس فقط أدبا قديما.
وقد تناولت القراءات والدراسات في هذا القسم عددا من روايات محفوظ منها: بداية ونهاية، وحديث الصباح والمساء، وثرثرة فوق النيل، وقلب الليل، وميرامار، والقاهرة الجديدة. كما توقف بعضها عند : التأملات الفكرية والفلسفية في روايات محفوظ، والمغامرة الروائية العربية : نجيب محفوظ أنموذجا، والصعود والسقوط في مسيرة البطل الفهلوي في أدب محفوظ، والرؤى الاجتماعية والفلسفية، وبعض المؤثرات بين دستويفسكي ومحفوظ .
في القسم الثاني تحدث كل من محمد عبيدو، ومحمد قاسم الخليل عن أهمية نجيب محفوظ في السينما . وتضمن هذا القسم ثبتا (فيلموجرافيا ) بالأعمال والسيناريوهات التي أعدها محفوظ للسينما. في القسم الثالث من الكتاب نقرأ عددا كبيرا من شهادات النقاد والمبدعين في نجيب محفوظ وأدبه، شارك فيها وليد إخلاصي، وحنا مينة،
وغادة السمان، وخيري الذهبي، والدكتور نضال الصالح، وفيصل خرتش، وأنيسة عبود، وجمال عبود، وجهاد عطا نعيسة، وحسن م. يوسف، والدكتور حسين جمعة، وعادل أبو شنب، والدكتور غسان الرفاعي، وغازي حسين العلي، وممدوح عزام، والدكتور نوفل نيوف، ووليد معماري، وهيفاء بيطار، وآخرون.
وتتوقف هذه الشهادات عند المنجز السردي المهم لمحفوظ، وترى فيه نقلة جذرية ما بين عصرين من الكتابة، كما تشير إلى الجوانب الشخصية العصامية التي ساعدته على إنجاز مشروعه الروائي، وترى فيه هرما إبداعيا حقيقيا سيظل محتفظا بجاذبيته وعمارته الفنية البديعة.
وقد أشار وليد إخلاصي تحت عنوان: « فخ البساطة المذهلة » إلى أن عبقرية محفوظ تتجاوز إمكانات الحكاية العربية في بداياتها ومرورا بتأثراتها المشروعة بالتجارب الغربية وغيرها من تجارب الأمم الأخرى، لتصبح واحدة من أخطر علامات التأصيل للإبداع العربي.
وقد خصص معدّ ومحرّر الكتاب الدكتور عبد الله أبو هيف القسم الرابع للمعلومات والوثاق المتعلقة بمحفوظ وسيرته الذاتية والجوائز التي حصل عليها، وكلمته أمام لجنة جائزة نوبل، مختتما هذا القسم ببليوجرافيا الدراسات والأبحاث والمقالات التي كتبها السوريون في أدبه.
وبذلك يكون كتاب : «نجيب محفوظ بعيون سورية» أحد أبرز الأعمال التوثيقية التي تهتم بأدب محفوظ وتحاول تقديمه من وجهة نظر كتاب ومبدعين ونقاد سوريين واكبوا مسيرته الإبداعية التي ابتدأت برواية: «عبث الأقدار» في العام 1939، واستمرت حتى : «أصداء السيرة الذاتية» في العام 1997.
نذير جعفر
*الكتاب:نجيب محفوظ بعيون سورية
*تقديم: د. رياض نعسان آغا
*اعداد وتحرير:د. عبد الله أبو هيف
*الناشر:وزارة الثقافة ـ دمشق 2007
*الصفحات:496 من القطع الكبير