قد يبدو من الوهلة الأولى أن هذا العنوان لكتاب عن التاريخ الإنساني أو عن علم الإنثربولوجيا ولكن المؤلف السويدي فيلهلم موبرغ اختاره ليكون عنواناً لروايته الرائعة التي تعمق فيها عن الإغتراب، وهو ـ أي الإغتراب ـ والخواء الروحي والفقر المدقع، هذه الثلاثية كانت أهم المواضيع لأهم عمالقة الروائيين السويديين الذين ولدوا في نهاية القرن التاسع عشر أو عاشوا وماتوا في القرن العشرين ومعظمهم ممن حازوا على جائزة نوبل التي توزعها مملكة السويد نفسها.
وتمثلت هذه الثلاثية في أعمال روائيين سويديين أمثال سلمى لاجرلوف (1858 - 1940 ) نوبل 1909. بار لاجركفيست ( 1891 ـ 1974 ) نوبل 1951. هاري مارتنسون ( 1904 - 1978 ) نوبل 1974. كارل آرثر فيلهلم موبرغ (1898 - 1973). ويؤكد شوكت يوسف مترجم الرواية إلى اللغة العربية أن أهم أعمال موبرغ هو ملحمته التاريخية عن المهاجرين السويديين المؤلَفة من أربع روايات هي: المهاجرون/1949. في البلاد السعيدة/1952.
المستوطنون الجدد/1956. الرسالة الأخيرة إلى السويد/1959 وتمكن موبرغ من بيع مليوني نسخة منها في السويد وحدها. وإذ تعيش السويد اليوم في بحبوحة من العيش الرغيد فإن قلة هم الذين يعلمون أن السويد مرت بحالة من الفقر والبؤس في تاريخها امتدت لفترة طويلة حتى لعقود من القرن العشرين بحيث انها وصفت بالكارثية مما حدا بالدولة إلى حظر تداول هذا الموضوع في الصحافة والأدب والتاريخ بعد أن هاجر مليون سويدي أي ربع السكان آنذاك نحو الولايات المتحدة، كل هذا والسويد في حالة سلم.
تتحدث الرواية بلسان الراوي ألبرت كارلسون، السويدي الذي هاجر قبل أربعين عاماً إلى الولايات المتحدة، وبعد هذه الفترة الطويلة وجد نفسه وحيداً يجتر ذكرياته على شاطئ المحيط الهادي، أضخم محيطات العالم، وقد انتهى في الغرفة رقم 20 من فندق «جنة عدن» الواقع على شارع كليو من مدينة لاجونا: مأواي الآن على هذه الأرض!.. أعيش بين المدينة والمحيط، في حجرتي نافذتان، إحداهما من جهة الشرق تطل على شارع مزدحم برتل من السيارات لا أرى له نهاية.
ومن الجهة المقابلة ترتفع الأمواج وهدير البحر من الغرب. كُتب عليَّ أن أكون ضيفاً مؤقتاً على الأرض، أعيش بين ما صنعته أيدي البشر وبين إحدى قوى الطبيعة الأزلية. بين الزائل والأبدي يقع بيتي. مهاجرٌ بين كثيرين من مهاجري أوروبا.
يحس الشباب هنا بشباب الحياة، أما أنا ألبرت كارلسون المهاجر العجوز فلا أقوى على هذا الإحساس! فأنا في سنٍ لم تعد ثمة معها أي مجال للتغيير والتجديد، عشتُ في شقق كثيرة لكني لم أحس في أي منها أني في بيتي. لم يكن لارتحالي هدف محدد على الكرة الأرضية.. بحثت عن ملاذ يقيني من وعيي.. وعيي الذي شردني! وها أنذا ما زلت أنشد النجاة بالهرب، ويلاحقني وعيي، الذي أحاربه ولا أقوى عليه. أدرك أن حياتي قد مضت!..
انقضت الحياة التي تستحق أن يعيش الإنسان من أجلها. ومن صلب هذا الوعي يأتي السؤال: كيف عشت حياتي؟!.. هذه حياتي التي أجرجر أذيالها الآن، وأحس أني بددت عبثاً ما وُهبته. في الليل استلقي مصغياً إلى تكسر أمواج المحيط، أهرب من ملاحقة الوعي إلى عالم الأحاسيس السمعية، الهدير يملأ سمعي، والأسئلة ما تنفك تتوالد في رأسي، لكن دونما أجوبة! ماذا تبقى لي؟ ..الاستسلام وانتظار الموجة التي ستحملني وتهبني نوماً أبدياً!
تذكر كارلسون بلاده التي زارها ثلاث مرات خلال هجرته تلك، كانت آخرها قبل اسبوع حين سكن في غرفة من فندق «بسمولاند» شبيهة بغرفته في «جنة عدن» بعد أن لم يأتِ أحد لاستقباله في المحطة ولم يتعرف على أحد فحدّث نفسه: الأميركيون من أصل سويدي الذين يعودون في مثل سني لاستعادة وطن الطفولة ضحايا خداع الذات. بعد أن عشت أكثر من أربعين سنة صرت غريباً في وطن ولدت فيه ونشأت. توفي أبي وأمي وكذلك إخوتي وأخواتي وبالنسبة للآخرين صرت اسماً يتحدثون عنه: ذاك الذي غادر إلى أميركا.
ما زال صدى كلمات شقيقه الأكبر سيغفريد الذي مات في ريعان الشباب وترك له ذكريات جميلة ومريرة في آن واحد وهو يقول له: تذكر أمراً واحداً أنت هنا على هذه الأرض لمرة واحدة وحيدة.. ولن تعود إلى هذه الحياة الدنيا مرة أخرى.. اعرف معنى حياتك وقدر قيمتها، لا تُضعها سدى لأنها حصتك من الحياة على الأرض! .. ولكن سيغفريد نفسه في ريعان الشباب مات.. كان له أخ وصديق، وها هو بعد 50 سنة من موته يتذكره، يتذكره ويتذكر كلماته مع دنو الموت منه وهو في شيخوخته!
تذكر ألبرت كارلسون والده وهو على فراش الموت يودعه بعد أن جاء بالطائرة يعوده في مرضه الأخير وكيف كانت خشية الأب أن يغادر ابنه بعيداً قبل أن يُدفن: عشت مع أبي في هذا العالم نصف قرن، لكننا بقينا غريبين الواحد عن الآخر. لم يفهم أحدنا الآخر حتى حينما كنا نعيش تحت سقف واحد معاً.
أما الآن فقد أضحينا بعيدين تماماً، كلٌ في جانب آخر من الكون..أحسست بالقرابة والعلاقة الحميمية معه بشكل خاص عندما كان على فراش الموت. كنت دوماً احترمه، لكن أحس الآن بالاحترام نحوه بشكل مختلف عما كان عليه الحال في سني طفولتي حينما كنت أخاف منه عندما كان يثبت أحقيته بالقوة وحدها.
تذكر استر زوجته وأم ولديه التي طلقها منذ عشرين سنة وهي لا تزال تضمر له البغض حتى انها لا تُرسل له سلاماً مع ولديهما: مَنْ يقدر على البغض بهذه القوة والاستمرارية يجب أن يكون غير سعيد! إني أشفق عليها وأحس بتبكيت الضمير إزاءها، آذيتها فعلاً، لكنها آذتني أكثر.. تذكر ولديه اللذين أهملاه فلا وجود له في حياتهما، على الرغم من إحساسه بالحاجة لهما، وبالكاد تصله رسالة من أحدهما يوماً ما.
أما إيني، زوجته الثانية والمطلقة أيضاً فقد اكتفيا بتبادل الرسائل كصديقين بعد أن عاشا معاً ثلاث سنوات.. كاترين حبه الأول قبل أن يهاجر بقيت مجرد ذكرى بعيدة بعد أن باتت حتى خطاه على الشاطئ وئيدة، ينساب الموج فيمحو آثارها من على الرمال.. الحديث عن وطن قديم وجديد زيف، زيف من البداية إلى النهاية.. هجرتَ البلاد التي ضمّتك ورعتك طفلاً ويافعاً ومراهقاً.. هنا عجوز أنت، وهناك طفلٌ، صبي، ومراهقٌ.. وتحدّد مصيرك: إنسان بلا وطن..