مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والناقد الفرنسي جاك دو سان فيكتور، وهو أستاذ في جامعة باريس وجامعة روما على التوالي.كما وأنه يمارس الصحافة ويكتب بشكل منتظم في الملحق المكرس للكتب في جريدة الفيغارو العريقة.وهو ملحق يصدر كل خميس.وكان قد عاش سنوات عديدة في روما واشتغل كباحث في أرشيفات الفاتيكان.وبالتالي فالرجل يعرف إيطاليا من الداخل جيدا، ولهذا السبب ألف هذا الكتاب عنها.
ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: هناك إيطاليا سحرية مليئة بالجمال ولكن لا أحد يعرفها لأنها تعيش في الظل، أو قل لأن إيطاليا الكلاسيكية تقف فوقها وتغطي عليها. ولا يمكنك أن تعرف إيطاليا حقيقة وتكتشف مجاهيلها وأسرارها إلا إذا عشت فيها زمنا طويلا وخالطت أهلها وبحثت في تاريخها وعشقت آدابها وفنونها. أما السائح العابر فإنه لا يعرف إلا الشيء القليل من إيطاليا.إنه يرى المظاهر السطحية ويخفى عليه الجوهر العميق.أما إيطاليا الحقيقية فهي تلك التي تجاوزت الحدود في كل شيء: في جمالها الخارق، وفنها المعماري الذي لا يضاهى، وأباطرتها الرومانيين الكبار، وباباواتها الفاسقين، وأمرائها الدمويين، وعشاقها الغيورين.
ولهذا السبب ركز المؤلف دراسته على الجوانب الحلوة من الحياة الإيطالية حيث يطيب العيش. ولكنه ركز أيضا اهتمامه على عصابات ألمانيا التي تنتعش في باليرمو وجزيرة صقلية والجنوب عموما. كما وعرج الكاتب على حضارة المدن الراقية التي تجذب الملايين سنويا كفلورنسا مدينة دانتي، أو البندقية المدينة المحاطة بالمياه من كل الجهات. فمن لم يزر فينيسيا أو البندقية مرة واحدة في حياته على الأقل لم يعرف الدنيا.
ثم يتوقف المؤلف عند الفن الإيطالي والنصب التذكارية والتماثيل التي تملأ الساحات والشوارع أينما ذهبت وارتحلت.ويقول لنا: هل تعلمون بأن نصف الميراث الفني العالمي الذي ترعاه اليونيسكو وتحافظ عليه أكثر من نور عيونها موجود في إيطاليا. والعالم كله يحتوي على النصف الآخر. وبالتالي فإيطاليا متحف كامل من أولها إلى آخرها وبخاصة في مدنها العريقة كروما، وميلانو، وفلورنسا، والبندقية، وسواها.
فإيطاليا هي التي أنجبت كبار فناني عصر النهضة من مايكل انجيلو، إلى رافائيل، إلى ليوناردو دافنشي، إلى بوتشيلي وآخرين لا يحصون ولا يعدون.وإيطاليا هي التي أنجبت كبار المخرجين السينمائيين في العالم من بازوليني، إلى فيسكونتي، إلى فيلليني... وبالتالي فإيطاليا هي بلد الفن والسحر والجمال والنساء الفاتنات.
ثم يضيف المؤلف قائلا: لقد كان كبار كتاب فرنسا وفلاسفتها على مدار التاريخ مسحورين بإيطاليا.ومعظمهم زاروها مرارا وتكرارا.نذكر من بينهم الحكيم مونتيني في القرن السادس عشر، ومونتسكيو في القرن الثامن عشر، وشاتوبريان في القرن التاسع عشر، وبالأخص ستندال في ذات الفترة.
ومعروف عنه أنه كان من عشاق إيطاليا إلى حد العبادة.وهناك وقع في غرام امرأة إيطالية جذابة جدا.وقد عذبته كثيرا إلى درجة أنه ألف كتابا عن فن الحب لكي يستطيع أن ينساها بعد أن هجرته وأدارت له ظهرها. وقد ألهمته إيطاليا بعضا من أجمل نصوصه الروائية والفكرية والأدبية. وبالتالي فستندال هو أكثر كتاب فرنسا ارتباطا بإيطاليا.والإيطاليون يعرفون ذلك ولذا فإنهم يهتمون به جدا.
ثم يتحدث المؤلف عن تاريخ إيطاليا المضطرب في القرون الماضية.ويثير ذكرى أحد باباواتها الفاجرين المدعو ببورجيا.وهي عائلة استلمت زمام البابوية في المنعطف الكائن بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر وعاثت فسادا في الأرض.وهذا شيء غريب جدا ولا يكاد يصدق.فالصورة المأخوذة عن البابا عموما هي أنه رجل تقي، ورع، يتقيد بتعاليم الدين والمسيح والإنجيل.ولكن يبدو أنهم في تلك الفترة خرجوا على كل الأعراف والتقاليد وضربوا عرض الحائط بكل شيء اسمه دين أو ضمير أو عقل.
وقد شوهت عائلة آل بورجيا صورة الفاتيكان والبابوبة لقرون طويلة بسبب أعمالهم الشاذة وفسقهم وفجورهم وميلهم للعنف والدم والاغتيالات. وفي حين أن الدين المسيحي كان يحرم الزواج على الرجال المتدينين ويفرض عليهم العزوبية مدى الحياة، نلاحظ أن هؤلاء البابوات كانوا يعيشون حياة المجون في قصور الفاتيكان.ولم تكن تنقصهم النساء ولا الغيد الحسان، هذا إذا لم يكن الغلمان والولدان...
ثم يضيف المؤلف قائلا: والدليل على ذلك هو أن الكاردينال رودونيو بورجيا كانت له عشيقة في السر.وهي التي أنجبت له طفلة سوف تصبح أجمل أهل زمانها: لوكريسيا.كما وأنجبت له طفلا، بالسر أيضا، وسوف يصبح أكبر مجرم في عصره، وربما في تاريخ إيطاليا إذا ما استثنينا نيرون الذي قتل أمه وحرق روما. وكان اسمه قيصر بورجيا.
وقد أصبح الكاردينال المذكور بابا عن طريق الواسطة والمحسوبية لأن عمه كان بابا أيضا بين عامي 1455-1458.وهو مشهور بالفسق والفساد أيضا.وقد ساعد ابن أخيه لكي يصبح بابا روما تحت اسم الإسكندر الرابع بورجيا، وكان ذلك عام 1492.وقد أجبر ابنته الجميلة جدا على الزواج والطلاق ثلاث مرات، وفي كل مرة من عائلة إيطالية كبيرة لكي يكسب رضاها.
وبالتالي فكان زواجا سياسيا لا علاقة له بالعاطفة الإنسانية أو الحب أو القيم أو الأخلاق. ولكن المشكلة هي أنها أحبت زوجها الثاني وأنجبت منه ولدا.وعلى الرغم من ذلك فقد أجبرها بالقوة على تركه لأن عائلة إيطالية أخرى هامة جدا تريد التقرب منه ومصاهرته.ولما رفضت ابنته أن تنصاع للأوامر وتترك زوجها أمر البابا ابنه المجرم المدعو قيصر باغتيال زوج شقيقته أو التخلص منه بأي شكل.
ومعلوم عن قيصر هذا أنه لم يكن يتورع عن ارتكاب أبشع الموبقات والجرائم.وقد ابتدأ حياته بجريمة شنعاء هي قتل أخيه الشقيق بالذات لأنه كان يغار منه.فمن يقتل أخاه يستطيع أن يرتكب أكبر جريمة في العالم.
وقد دبر عملية الاغتيال لزوج أخته عندما أرسل له عصابة تعترض طريقه في جنح الظلام وهو عائد إلى البيت. ولكن شاءت الصدفة أن يكون هناك جمهور في الشارع فدافعوا عن الرجل ولم يستطع المجرمون قتله وإنما جرحوه فقط.وهكذا نقلوه إلى المستشفى وراحوا يعالجونه.وعندئذ جن جنون البابا وأمر ابنه قيصر بالإجهاز عليه بأي شكل لأنه يعرقل مشاريع قداسته في المصاهرة مع عائلة ضخمة.
وبالفعل فقد دخلوا على الرجل الجريح وهو في المستشفى. وعندما رأتهم امرأته، أي شقيقة القاتل، عرفت أنهم سيكملون العملية فصرخت وتشبثت بزوجها وهو مطروح على الفراش. ولكنهم هددوها بالقتل فورا ورفع أخوها عليها الخنجر فخرجت مكرهة من الغرفة. وعندئذ هجموا على المسكين وهو طريح الفراش وخنقوه بأيديهم.
هذه هي قصة بابوات روما في تلك الفترة.إنها مخجلة يندى لها الجبين. وربما لهذا السبب هاجم المفكر الكبير والمصلح الديني الشهير ايراسموس البابوات في كتابه الرائع: ثناء على الجنون.وفضحهم بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.
*الكتاب:قصة إيطاليا الغريبة من نوعها
*الناشر: منشورات دو روشيه - باريس 2007
*الصفحات :296 صفحة من القطع الكبير
Le roman de l'Italie insolite
Jacques de Saint Victor
Editions du Rocher- Paris 2007
p.296