يشارك في تأليف هذا الكتاب عدد من الباحثين والباحثات في ميدان الإعلام، تحت إشراف «تريستان ماتيلار»، الأستاذ المحاضر في المعهد الفرنسي للصحافة - باريس، والذي يعمل عضوا في مركز التحليل والأبحاث المتعددة الاختصاصات حول الوسائل الإعلامية. لقد اشتهر «ماتيلار» لا بالمواقع العلمية التي يحتلها وحسب، وإنما أيضا بكثرة المؤلفات التي قدمها والمحاضرات التي ألقاها والمقالات التي كتبها ومن بينها مؤخرا:

«حصان طراودة السمعي- البصري - الستار الحديدي أمام امتحان الإذاعات والتلفزيونات العابرة للحدود- العولمة الإعلامية ضدّ الرقابة- التوظيفات الغربية في السمعيات-البصريات لأوروبا الوسطى والشرقية- المحطات الإذاعية الدولية والتدخل الإعلامي- وسائل الإعلام والهجرة والتنوع الثقافي...». أصبحت ظاهرة الهجرات البشرية عامة اليوم. فإذا كانت في الماضي قائمة في حدود رقعة جغرافية ، فإنها تكاد تعم المعمورة وتأخذ طابع هجرات من الجنوب إلى الشمال في عصرنا الحالي.

كيف يربط المهاجرون بين انتمائهم الثقافي الأصلي وبين الوسط الثقافي- الإعلامي الجديد الذي يعيشون فيه؟ ما هي الاستخدامات التي تقوم بها مختلف المجموعات السياسية الناجمة من الهجرة لوسائل الإعلام العابرة للحدود؟ إلى أي مدى يصبح «الجمهور المهاجر» سوقا جديدة للصناعات الثقافية الحديثة؟ كيف تواجه بعض دول الجنوب الحركات السياسية الناشطة ضدّها في بلدان المهجر؟

تلك هي أسئلة متعددة يحاول الكتاب الذي نحن بصدده، الإجابة عليها بوجود مجموعات تملك بعض السمات المشتركة أو تعيش أوضاعا خاصة بها تجعلها جماعات فعلية أو متخيلة، متميّزة بذلك عن السواد الأعظم لسكان البلاد الغربية مثل الأقليات السوداء أو الأقليات العربية أو الأقليات الإسلامية.

والواقع أن الأبحاث تصب في النهاية في نهر مشترك، ألا وهو نشوء ثقافة مختلطة تتجاوز الأطر التقليدية، وبروز إستراتيجيات للأقليات للتعبير عن وجودها، وأن عددا من النماذج السياسية المعهودة في البلدان الغربية غير قادرة حتى اليوم على تحقيق التعدد الثقافي الفاعل داخلها. إبرازا لذلك يتعرض الفصل الثاني من الكتاب لمسألة الأقلية السوداء في فرنسا، وما تقوم به هذه الأقلية من مسلكية لتحقيق الاعتراف بها وخلق هوية مركبة جديدة لها.

فالمهاجر هو قبل كل شيء من «يحمل علامة اختلاف» والذي يُفترض له «عدم إمكان دمجه في الأغلبية السكانية». إنه محدد ومعرّف حسب نظرة الآخرين له، أي حسب نظرة المسيطرين-الأغلبية. وبهذا فإن هويته مصنوعة له من قبلهم، انطلاقا من علامة الاختلاف سواء أكانت لونا أم اسما أم دينا أم أصلا. علامة الاختلاف هذه تصنفه مسبقا كونه جزء من أقلية.

ولكن استخدام مصطلح الأقلية، لا يعيد إلى ما هو كمي-عددي وحسب وإنما إلى سيطرة اجتماعية-سياسية. والتلفزيون يشكل المكان الأكثر بروزا لهذه الحقيقة. إن عددا من الدراسات حول البرامج التلفزية تبين أنه لا يوجد للسود من «تمثيلية» لهم على الشاشة الصغيرة في حين أن تحليل ما يقارب 18 وثيقة إعلامية (أفلام، مجلات، تحقيقات صحافية) لأعوام 2000-2004 يشير إلى تقديم صورة منتقصة للأشخاص القادمين من «الأقليات» وخاصة الأقلية السوداء.

إذ يُنظر إلى هذه الأقلية على أنها غير قابلة للاندماج بالمجتمع الفرنسي بسبب ثقافاتها التي «تعود إلى عصور سابقة». والتلفزيون باعتباره مكانا للتفاعل الاجتماعي، أي كمكان للاعتراف بالآخر وفي بناء هوية له، فإن أغلبية السود يعيشون شعور الإقصاء لهم داخل المجتمع الفرنسي، وبالتالي «عدم الاعتراف الرمزي» بوجودهم.

لقد تغير الحال اليوم لأن التلفزيون أصبح يضم عددا من الصحافيين السود ولكن هذا لم يغير من طبيعة العلاقة بينه وبين الأقلية السوداء لأن الصورة المطروحة عنها تظل سلبية في نظر معظم أفرادها، فهؤلاء الصحافيين لا يلعبون إلا دورا ثانويا باستثناء «صورة المهرج أو الرياضي أو المطرب» فإن «الأقلية السوداء غير قادرة على التفكير ولا تستطيع التعبير إلا بجسدها».

بعبارة أخرى فإن الاعتراف بوجودهم لم يؤدّ إلى الاعتراف بقيمتهم في شتى ميادين الحياة الاجتماعية. ولهذا فإن الأقلية السوداء الفرنسية تتبع عدة إستراتيجيات للدفاع عن نفسها وتكوين هويات ثقافية لها وتجعل من السود الأمريكيين مرجعية ثقافية لها عبر استهلاكها للأفلام السينمائية والتلفزية والموسيقى القادمة من أميركا.

في الفصل السادس يعرض الكتاب بوجه خاص «أضرار» التلفزيونات الفضائية العربية. فمنذ أحداث 11 سبتمبر 2001 تثير هذه التلفزيونات قلقا وحذرا في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا. وفي فرنسا تحديدا فإن قناة «الجزيرة» وقناة «المنار» كانتا موضع النقد اللاذع لا بسبب «التسجيلات التلفزيونية لابن لادن» التي كانت تبثها الجزيرة، ولا بسبب «المسلسل المعادي للسامية» الذي عرضته قناة المنار وكفى وإنما لأن اللوحة الإعلامية قد تغيّرت إقليميا ودوليا.

فالنزاعات التي تجري في المنطقة لم تعد تخضع لقراءة غربية صرفة كما كان الأمر في الماضي، وإنما لقراءة من «الداخل العربي». فهذه القراءة «تفرّق بين الإرهاب والمقاومة». وتنفتح على كل فاعل سياسي يمثل تأثيرا إقليميا أو دوليا وتفتح نفسها لتيارات الرأي المختلفة القائمة كواقع يجب على الوسيلة الإعلامية أن تعترف به.

لقد حدثت هزة كبرى في المجال الإعلامي-السياسي العربي لأن الجزيرة دشّنت مرحلة تعبير عن الرأي يخترق مجمل العالم العربي. وتصل أصداؤه إلى الأجيال المنحدرة من المهاجرين المغاربة بعد المرحلة الاستعمارية. فعلى الرغم من العوائق اللغوية وتأثير الوسط الغربي على هذه الأجيال ثقافيا، فإن تأثير الجزيرة على الضواحي الفرنسية قائم. خاصة مع الاهتمام الذي تكرسه قناة الجزيرة حول «مسائل المهاجرين والخوف من الإسلام والتمييز الذي تعانيه الأقليات العربية أو الإسلامية».

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي تبحث عنه الشبيبة الفرنسية المنحدرة من الهجرة المغربية بتوجهها نحو «الجزيرة»؟ إنه ما لا تجده في القنوات التلفزية الفرنسية. فالجزيرة تقدّم عالما عربيا يتحدث عن نفسه بنفسه، ويُطلع الرأي العام على قضاياه. إنها تعطي صورة إيجابية لعالم عربي «لا بشكل مثالي».

وأمام التنديد الذي تعيشه هذه الشبيبة بسبب أصولها الحقيقية أو المفترضة، وإزاء القراءات التي تحط من شأن الأزمة التي تعيشها هذه الشبيبة في المجتمع الفرنسي، وفي مواجهة شعور الخوف المتصاعد من الإسلام، يبرز منذ عدة سنوات وعي جديد لها يدخل في سجل الهوية والذاكرة والتعاطف مع الشعوب العربية والإسلامية. باختصار فإن الأقنية العربية الفضائية تشكل بالنسبة لهذه الشبيبة «ثروة رمزية وثقافية-إعلامية» تسمح لهم في أن يعبروا عن انتماءاتهم المتعددة في آن واحد.

إنها تفتح الباب أمام التأكيد على وجودهم وحضورهم والتعبير عن مطلب الاعتراف بهم الذي ترفضه الأمة الفرنسية-الفرنسية التي تخاف من الأقليات فيها والتي تهرب من التنوع ولا تستطيع الانفتاح عليه كما يعبر بعض الباحثين. فقناة الجزيرة المدعوة بـ «سي ان ان» العرب، تعيد الاعتبار لـ «العربي»، وهي تبعث لديهم اعتزازا جديدا بأنفسهم وبما يُبطل مفعول السرد الصحافي لكبريات الوسائل الإعلامية حول الصورة المنتقصة للعربي-المسلم- المعادي للسامية والمخادع.

إنها تسمح أيضا بإعادة الارتباط بذكرى النضالات ضد الاستعمار عبر التماهي بالشعب الفلسطيني والشعب العراقي، أو عبر المقاومة اللبنانية. وهذه الشبيبة التي تعيش شعورا مزدوجا بالانتماء إلى «جماعة» أخرى وإلى الأمة الفرنسية بنفس الوقت، لا تتوقف عند الفضائيات العربية. فهي تبحث في الإذاعات ذات «الحس العربي» بوجه خاص ما يدعم هويتها الثقافية المركبة.

لقد ظلت نماذج سياسية غربية عديدة (بل وغيرها) وبالرغم من نظرتها الشمولية للحياة الإنسانية مفخخة بالنزعة المذهبية التي تفسر قيام الحروب الطائفية في الغرب، أو مفخخة بالنزعة الاتنية-المركزية التي أدت إلى قيام حربين عالميتين. واليوم فإن عددا من هذه النماذج السياسية وأنظمتها الإعلامية ما زالت مفخخة بما عبّر عنه العالم الاجتماعي الشهير «بيير بورديو» بنظرة شمولية «شوفينية» في أعماقها.

*الكتاب:وسائل الإعلام - الهجرات والثقافات المتعدية القوميات

*الناشر: منشورات دي بوك - باريس 2007

*الصفحات: 158 صفحة من القطع المتوسط

Médias, migrations et cultures transnationales

Tristan Mattelart

Editions de Boeck - Paris 2007

P.158