مؤلفة هذا الكتاب هي الصحافية الأميركية المعروفة اليزابيت دريو. وقد اشتهرت منذ سنوات طويلة بعد أن غطّت فضيحة ووترغيت لعدة جرائد ومجلات أميركية. وهي تقدم هنا صورة أكثر واقعية وتوازنا عن الرئيس الأميركي السابق ريتشار نيكسون. وتقول بما معناه: لا يمكن اختزال نيكسون وأعماله إلى فضيحة ووترغيت التي شوهت سمعته وأودت به. فالرجل حقق إنجازات عديدة في عهده وكانت له شخصية قوية على عكس بعض الرؤساء الآخرين. وقد حقق نيكسون عدة إنجازات في مجال السياسة الخارجية.
لقد نجح في الانفتاح على الاتحاد السوفييتي والصين. وكان أول رئيس أميركي يزور بكين ويلتقي بماو تسي تونغ، ولكنه فشل في وضع حد لحرب فيتنام. ثم تعود المؤلفة إلى الوراء لكي تقدم لمحة تاريخية عن حياة الرئيس السابع والثلاثين للولايات المتحدة. تقول بما معناه: لقد ولد ريتشارد ميلهاوس نيكسون في ولاية كاليفورنيا عام 1913 ومات عام 1994 عن عمر يناهز الواحدة والثمانين.
وكان والده تاجرا صغيرا يدير الحانوت التابع لمحطة بنزين في بلدتهم المتواضعة. وأما والدته فكانت بروتستانتية متدينة. وقد ربته على مبادئ الدين الصارمة التي تقضي بعدم شرب الكحول وعدم المشاركة في السهرات الراقصة مع الفتيات المغريات، الخ. والواقع أن والدته كانت تريد أن تجعل منه مبشرا مسيحيا.
ولكن القدر شاء له مصيرا آخر. فالواقع أن تفوقه في دراساته الثانوية أمّن له منحة للدراسة بشكل مجاني في جامعة هارفارد. ولكن المشكلة هي أن والديه ما كانا يملكان المال الكافي للصرف عليه خارج جدران الجامعة. ولذلك اكتفى بمتابعة دراساته في الكلية الإنجيلية القريبة من البيت.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية انخرط نيكسون في سلاح البحرية الأميركية على الرغم من أن دينه كان يعفيه من ذلك. وقد أنهى الحرب بكل جدارة ونال رضى رؤسائه الذين عبروا عن إعجابهم بشخصيته وقدرته على قيادة الرجال.
وفي أثناء خدمته العسكرية تعلم لعبة البوكر وأصبح من كبار المتقنين لهذه اللعبة. ويقال بأنه ربح في إحدى المرات عشرة آلاف دولار، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لتلك الفترة. ونظرا لمواهبه وجاذبيته الشخصية فإن بعض رجال الأعمال طلبوا منه أن يصبح مرشحا لمجلس النواب عن منطقتهم الواقعة في ولاية كاليفورنيا. فقبل ونجح بالفعل عام 1946 في أن يصبح نائبا عن ولاية كاليفورنيا.
ثم صعد نيكسون بسرعة في سلم السياسة الأميركية واشتهر منذ البداية بعدائه الكبير للشيوعية التي كانت قد أصبحت هاجس السياسة الأميركية في بداية الحرب الباردة. وكان الاتحاد السوفييتي قد أصبح القوة العظمى الثانية المنافسة للولايات المتحدة الأميركية.
ثم تضيف المؤلفة قائلة: ولكن نيكسون أثبت منذ تلك الفترة أنه سياسي انتهازي لا يتردد عن استخدام بعض الأساليب الملتوية للإيقاع بخصومه السياسيين لكي يزيحهم عن دربه ويحل محلهم. فكل من يعترض طريقه كان يحذفه بشكل أو بآخر. وقد استخدم حجة العمالة للشيوعية أو التساهل معها كوسيلة للقضاء على خصومه أو لنيل إعجاب القادة الكبار والصعود درجة إضافية في سلم السلطة.
فمثلا في عام 1950 استطاع أن ينتصر على المرشحة الديمقراطية هيلين غاهاغان في انتخابات مجلس الشيوخ عن طريق اتهامها بالتعاطف مع الإيديولوجيا الشيوعية. ولهذا السبب فإن بعض الجرائد خلعت عليه منذ ذلك الوقت صفة: المحتال أو الغشاش. وقد لحقه هذا الوصف طيلة حياته كلها.ثم نجح ريتشارد نيكسون في أن يصبح نائبا لرئيس الجمهورية عام 1952 وعمره تسعة وثلاثون عاما فقط. وربما كان أصغر نائب رئيس جمهورية في تاريخ أميركا. وكان الرئيس آنذاك أحد أبطال أميركا والحرب العالمية الثانية: دوايت ايزنهاور.
ثم أعيد انتخاب نيكسون نائبا للرئيس عام 1956. وكان أحد أسباب نجاحه السياسي بالإضافة إلى انتهازيته وحيل براعته في استخدام التلفزيون. ومعروف أن التلفزيون كان قد ابتدأ ظهوره آنذاك وأصبح يشكل أداة فعالة للدعاية السياسية. وفي أثناء احتلاله لمنصب نائب الرئيس قام نيكسون بزيارات إلى أميركا اللاتينية، ونال إعجاب الأميركان بسبب قوة شخصيته وتصميمه على مواجهة أعداء السياسة الخارجية الأميركية بكل حزم.
وفي أثناء ذلك مارس نيكسون ثلاث مرات منصب الرئيس عندما كان ايزنهاور يسقط صريع المرض. ومعلوم أنه كان قد أصبح كبيرا في السن ومصابا بمرض في القلب. ثم تردف المؤلفة قائلة: وفي أثناء شغله لمنصب نائب الرئيس أتيح لنيكسون أن يواجه خروتشوف في مناظرة تلفزيونية شهيرة في موسكو. وراح كل واحد منهما يشيد ميزات النظام السياسي الذي يمثله. فخروتشوف الذي كان زعيم الاتحاد السوفييتي آنذاك راح يدافع عن النظام الشيوعي وميزاته.
ونيكسون راح يرد عليه بقوة ويشيد بميزات النظام الرأسمالي الليبرالي الذي يمثله. ولم يخرج نيكسون مهزوما من تلك المناظرة الفكرية الشهيرة. وبرهن بذلك على أنه سياسي بارع ومحترف بل ومفكر لا يستهان به. ثم اقترب ريتشارد نيكسون من منصب الرئاسة أكثر فأكثر أثناء انتخابات 1960. فقد كان مرشح الجمهوريين ضد كندي مرشح الديمقراطيين، وكاد أن يفوز بالمنصب لولا أن كندي تفوق عليه بأصوات قليلة.
ويتفق المراقبون على أن العامل الذي سبب خسارته هو المناظرة التلفزيونية التي جرت بينه وبين كندي أمام ملايين المشاهدين الأميركان. وكانت أول مناظرة تلفزيونية رئاسية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. ولكن نيكسون أخطأ إذ أهمل مظهره الخارجي على عكس كندي الذي بدا جميلا جذابا، وكأنه نجم سينمائي. بل ونسي نيكسون أن يحلق ذقنه قبل المبارزة التلفزيونية.
ورفض حتى الماكياج الذي يسبق عادة الظهور على شاشة التلفزيون. ويضاف إلى ذلك أنه كان متعبا ومريضا بسبب الحملة الانتخابية المنهكة وزياراته المكوكية لكل الولايات. والواقع أنه كان يعتقد بسهولة الانتصار على كندي لأنه الأكثر حنكة في مجال السياسة الخارجية وممارسة المهام الرسمية بحكم كونه نائبا للرئيس منذ ثماني سنوات. وتقول الأنباء بأنه تفوق على كندي في تلك المناظرة بدليل أن الناس الذين استمعوا إليها عن طريق الراديو صرحوا بذلك. أما الذين شاهدوه حقيقة على شاشات التلفزيون فقالوا العكس. وهذا أكبر دليل على أن المظاهر تخدع.
وبالتالي فمن يريد أن ينتصر على خصمه في الانتخابات الرئاسية ما عليه إلا أن يعرف كيف يظهر على شاشات التلفزيون. وبعد أن خسر منصب الرئاسة أمام كندي مني بهزيمة أخرى في ولاية كاليفورنيا حيث فشل في أن يكون حاكمها. وهكذا يبدو أن المصائب تجيء دفعة واحدة وراء بعضها البعض. وعندئذ عقد مؤتمرا صحفيا وقال: هذا آخر مؤتمر صحافي لي، لقد انتهت حياتي السياسية.
وفي أثناء تقاعده عن العمل السياسي قبل شارل ديغول بأن يستقبله في قصر الاليزيه مراهنا على مستقبله. ولن ينسى نيكسون لديغول هذه اللفتة السياسية لاحقا. فعندما مات قائد فرنسا الحرة عام 1970 جاء نيكسون شخصيا إلى باريس لتشييعه وأثنى عليه ثناء رائعا. وهذا ما أثلج قلوب الفرنسيين.
وأخيرا وصل ريتشارد نيكسون إلى قمة السلطة الأميركية عندما انتخبه الشعب الأميركي عام 1969. ولكن بين عامي 1960-1969: أي طيلة عشر سنوات تقريباً انتقل نيكسون إلى مدينة نيويورك حيث أصبح محاميا شهيرا قبل أن يصعد إلى سدة الرئاسة العليا وهو في السادسة والخمسين من العمر. وقد انتخب مرتين ولكن فضيحة ووترغيت أجبرته على الاستقالة كما هو معروف عام 1974 فلم يستطع أن يكمل ولايته الثانية. وهكذا قضى عليه احتياله وميله للمناورة والغش.
ثم تختتم المؤلف كلامها قائلة: والواقع أن ريتشارد نيكسون اعتمد في انتخابه على الأغلبية الصامتة من الشعب الأميركي. والمقصود بذلك التيار المحافظ المضاد للتحرر الجنسي والحركات اليسارية والثورة الطلابية وثقافة الستينات عموما. لقد اعتمد نيكسون على القيم التقليدية التاريخية لأميركا: أي قيم العائلة، والزواج الشرعي، والإنجاب، والتربية الدينية، وكره الانحلال الأخلاقي والشذوذ الجنسي الذي كان قد انتشر بكثرة في أميركا آنذاك.
*الكتاب:ريتشارد نيكسون
*الناشر:تايمز بوكس - نيويورك 2007
*الصفحات:192 صفحة من القطع الكبير
Richard Nixon
Elizabeth Drew
Times Books- New York 2007
P.192