رياض عصمت قاص وكاتب وناقد مسرحي سوري. صدر له حوالي عشرين مسرحية بدأها ب(القنبلة)1967، ثمّ (لعبة الحب والثورة) 1975. كما صدر له العديد من المجموعات القصصية(الذروة البعيدة)، 1971 و(غابة الخنازير البرية) 1977، ثمّ الأعمال القصصية الكاملة 2006. إلى جانب عدد من الكتب في النقد الأدبي والمسرحي كان أوّلها (بقعة ضوء)، 1974 ثمّ (البطل التراجيدي في المسرح العالمي) 1980، والمسرح العربي حلم أم علم.
في كتابه هذا يقول د. رياض عصمت انّه من المؤسف الاعتراف بأنّ المسرح لم يغدُ بعد ضرورة أساسية في مجتمعاتنا العربية، وإن كان الوضع متفاوتا بين قطر وآخر. فالقاهرة ودمشق وبيروت وتونس تتميّز كثيرا أو قليلا عن عواصم أخرى من الناحية المسرحية. ولكن، على الرغم من وجود تجارب مسرحية فنية جيدة في العواصم المتقدّمة هذه، فإنّ المسرح كظاهرة وطقس اجتماعي لم يبلغ إلا جزءا يسيرا مما بلغه في عواصم المسرح العالمية كلندن وباريس ونيويورك وبرلين وغيرها.
لكنّه لا يمكن لمسرحي عربي يزور أيّة دولة أوروبية، بما في ذلك روسيا التي تمتّعت بمجد مسرحي عظيم، أو أميركا، إلا ويلاحظ الفارق بين الأزمتين، (أزمتهم وأزمتنا). فإنّه سيخيّل إليه أنّ مجرّد استخدامهم لمصطلح «أزمة» عبارة عن ترف. لكنّه في حقيقة الأمر، ليس بترف، إنّما الملامح مختلفة.
الأزمة قائمة في العمق في أوروبا وأميركا منذ الستينات، وحارب ضدّ تباشيرها قديما رواد مثل: مايرهولد، بريخت، إيليا كازان، بيتربروك، إريان منوشكين، بيتر شتاين، جوزيف تشيكن، جيرزي جروتوفسكي، جوزيف شانيا، يوري لوبيموف، وأناتولي إيفروس، وغيرهم من كبار المخرجين في العالم.
ثم يرى د. رياض عصمت أنّ المسرح خبز الحضارات، به تقتات الشعوب وتغذي أرواحها المحرومة. من دون المسرح، قد تزدهر السينما والتلفزيون إلى حين وبشكل ظاهري، ولكنّ حريتهما وجرأتهما محدودتان. في المسرح «فكر» لَمَسَهُ الناقد الكبير «إريك بنتلي»، وفيه «فعل» لَمَسَهُ «ستانسلافسكي» ومن ثمّ بنى عليه.
وفيه أيضا طقس اجتماعي وروحاني لَمَسَهُ كل من «أرتو» و«جروتوفسكي» و«تشيكن» و«بروك» و«داريوس» و«باربا» وغيرهم. وفرجة لا يمكن مقارنتها بأيّ جنس فني آخر، ومتعة لا يمكن مضاهاتها عند المتفرّج بأيّة متعة. فالإحباط السياسي ـ سنذهب بعيدا ـ الذي يعيشه المواطن العادي ربّما يكون مثبطا للهمم عند المبدعين، فمن المعروف أنّ أعظم الأعمال في روسيا ظهرت إبان طغيان القيصرية ما كتبه بوشكين، تشيخوف، دستويفسكي، تولستوي.
لذلك فالمتنفّس السياسي الذي يقدّمه المسرح لا يضاهى ولايعوّض، فهو تحدّ وكبرياء. ونذكر جيدا حالة الانتعاش التي أصابت مسرحنا العربي فجأة عقب هزيمة يونيو 1967. إنّ ما يشهده واقعنا العربي اليوم من تفرقة وانقسامات، ومن إتاحة الفرص للعدوّ المباشر أو غير المباشر باختراقات ما كان ليحلم بها من قبل، إنّما تشكّل جميعا حوافز أقوى للإبداع المسرحي. وبشكل عام فإنّ مستقبل المسرح أضحى مرهونا بالحرية والديمقراطية، وهو ما يبدو وشيكا بعد موت الإيديولوجيات وازدهار التعددية السياسية.
ثمّ يرى د. رياض عصمت أنّ المسرح في العالم يشقّ لنفسه ثلاثة تيارات رئيسة؛ لها فروع وروافد:الأوّل هو ذاك الذي بدأ منذ عصر أروين بسكاتور وماكس راينهارت في ألمانيا والنمسا، مكرّسا الضخامة والإبهار والسيرك، والمتجلي في عصرنا والمستقبل عبر «الميوزيكال» المتدّرج صعودا من حيث الإنتاج والبصريات، خاصّة عبر أعمال أندرولويد ـ ويبرأوشونبرغ.
من «إيفيتا» إلى «المسيح نجم عالمي» إلى «شبح الأوبرا»، ومن «فاتنة سايغون» إلى «البؤساء». أما التيار الثاني؛ فشقّه الفرنسي «أنتونين أرتو»، وكرّسه البولندي جروتوفسكي؛ وأبناء بلده كانتور وشاينا وتوماشيفسكي، ثمّ كثير من الانجليز والألمان. وهو تيّار(المسرح الفقير) الذي يعيد تشكيل الطقس المسرحي لنخبة من المتفرجين.
أمّا التيّار الثالث؛ فهو تيّار المسرح الاجتماعي والنفسي والسياسي الذي لا يغفل إمكانية استلهام الكلاسيكيات، الذي تطوّر في أميركا من خلال مؤلفات كليفور أوديتس، ووليام إنج، وتينسي ويليامز، وآرثر ميللر، وإدوارد إلبي وغيرهم. وفي بريطانيا من خلال جون آردون، وإدوارد بوند، وتوم ستوبارد، وهارولد بنتر، وديفيد إدجار شتراوس. أما في ألمانيا فمن خلال بيترهاندكة، وهاينرموللر، وفرانز كزافركروتز، وبوش شتراوس.
وفي فرنسا، فربما كان الألمع مسرحيا منذ أيام جان آنوي هو جان كلود كاريير، الذي يعمل مع بيتر بروك غالبا. وعلى المسرح العربي أن يبدع بأصالة وتفرّد ضمن هذه التيارات الرئيسية الثلاثة: الغنائي/الراقص، الطقسي/التجريبي، والاجتماعي/السياسي.
عن المسرح الطقسي التجريبي والذي غزا خشبات المسارح فيقرّر د. رياض عصمت أنّ قلّة نادرة من المسرحيين المجربين العرب حاولت أن تشقّ تيّارا أصيلا من التجريب بمعزل عن المؤثرات، ولعلّها تمركزت بشكل رئيس في شمال افريقيا(المغرب وتونس والجزائر) بدءا من إحياء التراث بشكل معاصر في أعمال الطيب صديقي إلى احتفالية عبد الكريم برشيد النظرية.
ثمّ انبثقت بعض محاولات تجريبية متفرّقة وقليلة في الخليج العربي أيضا على النحو نفسه، خاصّة للراحل صقر الرشود من الكويت، وعبد الرحمن المناعي من قطر، وكأنّ ذلك التصحيح لمسيرة المسرح التجريبي العربي يرفع شعار (من المحيط إلى الخليج). لكن ومع ذلك فالمسرح في كلّ قطر عربي وفي كلّ عقد؛ منذ مطلع الستينات من القرن الماضي وحتى الآن؛ كان فيه عَلَم أو أكثر في مجال التجريب، سواء في التأليف أو الإخراج، الأمر الذي كفل تطوّر المسرح.
لكن التبعية كانت شأن التقليديين، كما كانت شأن بعض التجريبيين، وكذلك كانت المثاقفة موزّعة بين الكلاسيكيين والمجربين. بالمقابل؛ توالت تجارب أثبتت تحرّرها التدريجي من التأثّر بالنظرية القدوة أو بالمعلّم، لتصبح هي نقطة علام مضيئة تلهم الأجيال اللاحقة.
وفي وقت من الأوقات سرت موجة اللامعقول، كما سرى تيار التغريب البريختي سريان النار في الهشيم، ثم جاء تيّار المسرح التسجيلي، واتخذت هذه التيارات جميعا طابع التبعية والتقليد. ولكن ذلك لم يدم طويلا، بل غابت الشهب العابرة، وبقيت النجوم تتوهّج عندما كتب توفيق الحكيم مسرحيته (ياطالع الشجرة) وقدّم بديلا مصريا أصيلا لاتجاه اللامعقول.
وسرعان ما تخلى سعد أردش عن الاتباع وانتمى لتيار الإبداع في أعماله، فتخلى عن التعريف بروائع مسرح العبث والمسرح الملحمي، ليخرج بعدها مسرحيات مصرية كانت تجريبية ورائدة في زمانها لكل من سعد الدين وهبة إلى ألفرد فرج إلى محمد سلماوي. وفي سوريا أخرج د. رفيق الصبان مسرحيتين تقليديتين نسبيا بإسلوب فيه نزعة إلى التجريب الشكلي الأصيل؛
الأولى كانت مسرحية(حكاية حب) لناظم حكمت، والثانية كانت (الزير سالم) لألفرد فرج. فيما أخرج فواز الساجر (أن نكون أو لا نكون) و(رسول من قرية تميّرة) وكانتا من أهمّ أعماله الإخراجية، نراه قد وقع في مطبّ تقليد تجريب روسي حين قدّم وأخرج(مؤسّسة الجنون) عن نصّ لسميح القاسم.
في حين أتى إخراج جهاد سعد لمسرحية(كاليغولا) لألبير كامو خلاّقا للغاية، إذ عالجها بصورة طقسية مادا لسانا خشبيا من المنصة إلى الصالة على طريقة مسرح الكابوكي الياباني، ومطلقا طرازا من التمثيل الجسدي يمزج المأساة بالملهاة، ثمّ أتبعها جهاد سعد بعرض(أواكس) التجريبي الذي تناول مجموعة قضايا سياسية وإنسانية كبرى عن الاضطهاد والقمع بصور رمزية.
وفي لبنان فلا أحد ينسى إسهامات ريمون جبارة ويعقوب الشدراوي ونضال الأشقر وروجيه عساف ومنير أبو الدبس وشكيب وجلال خوري ورضا كبريت ونقولا دانيال. وفي العراق كان هناك لدى كبار المخرجين الرواد نزعات للتوازن بين إرساء تقاليد مسرحية وبين التجريب، كما في أعمال إبراهيم جلال وقاسم محمد وسامي عبد الحميد.
ثمّ يختم د. رياض عصمت رؤاه بالقول إنّ التجريب شيء، والتخريب شيء آخر، ولنكن واعين أنّ التجريب عبر ذاته ليس حكم قيمة، فالتجريب قد يصيب، وقد يخيب، وإلا فلن يكون تجريبا. كما أنّ التجريب موجود ومستمرّ، رغم أنف منكريه وخصومه، لأنّنا لا نعيش أبدا في الحاضر. فكلّ لحظة تولد من رحم الماضي، وتفنى في أفق المستقبل. وما يبقى من الانسان هو أعماله، وما يخلد من الفنان هو إلهامه، فالأصالة في التأليف، حتى الوعي السليم في الاقتباس جزء لا يتجزأ من إنجاز الكاتب.
أنور محمد
*الكتاب: رؤى في المسرح العالمي والعربي
*الناشر: دار الفكر ـ دمشق 2007
*الصفحات: 430 صفحة من القطع الكبير