يحمل فابريس دالميدا، مؤلف هذا الكتاب، شهادة التأهيل العليا «اغريغاسيون» في التاريخ وهو أستاذ في جامعة السوربون ومدير لمعهد تاريخ الأزمنة الحديثة، كما كان قد عمل لفترة من الزمن أستاذا في المدرسة الفرنسية بالعاصمة الإيطالية روما.

سبق له وألّف العديد من الكتب من بينها كتاب «تاريخ وسائل الإعلام في فرنسا منذ الحرب العالمية الأولى حتى اليوم» و«الحياة في ظل النازية». هذا الكتاب الأخير تمّت ترجمته إلى سبع لغات حيّة.

متى وكيف انتهى القرن العشرون؟ وفي أية لحظة بالتحديد ابتدأ القرن الحادي والعشرون؟ سؤالان يبدوان بديهيان للوهلة الأولى إذا اعتبرنا نهاية عام 2000 هي نهاية قرن وبداية قرن جديد. لكن الأمر أكثر تعقيدا إذ رأينا مدى تباين الآراء.

البعض يحدد بداية القرن الحادي والعشرين بتاريخ 30 يناير 2001 مع انعقاد المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليغرو ويحدد آخرون نهاية القرن العشرين وبداية القرن الجديد يوم تفجيرات 11 سبتمبر 2001 بينما يفضل آخرون اعتبار انهيار جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر 1989 نهاية القرن العشرين الذي ابتدأ مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.

ما يؤكده المؤلف هو أننا «دخلنا في القرن الحادي والعشرين»، وإن الفترة القادمة «ترسم ملامحها». لكن هذه هي المرّة الأولى التي يتولّى فيها الجيل الراهن الإحساس ب«الخوف من أن هذا الجيل سوف يترك للجيل القادم إرثا أقل مما كان قد تلقاه من الجيل السابق».

هنا يفتح المؤلف قوسين للتذكير أن الماضي قد عرف فترات «أكثر سوادا» فأين من واقع اليوم حروب الثلاثين سنة التي شهدتها أوروبا الوسطى في القرن السابع عشر واضطرابات الجوع في باريس خلال القرن الثامن عشر والهزّة الأرضية في لشبونة عام 1755 وقبل هذا كله أين ما يعيشه العالم من كوارث الحربين العالميتين اللتين شهدهما القرن العشرون؟

إن محاولة استقراء القرن الحادي والعشرين تتطلب، حسب مؤلف هذا الكتاب نوعا من «إعادة اختراع نظرة تاريخية متحررة من عاداتها ومن أحكامها المسبقة ومن ميلها الرهيب نحو البيرقراطية». وتتم الإشارة هنا إلى أن الغرب قد فقد «حس التوقع وقوته» على قاعدة تعاظم الروح المادية والمحسوسات.

وهذا التراجع فتح الباب أمام «أزمة من الشك» حيال المستقبل. من هنا قد يكون ل«الرؤية التاريخية» المستقبلية دور هام في محاولة «إعطاء معنى للحياة». ومثل هذا الدور مرشح ل«التعاظم» غدا مع تطور قطاع الخدمات وصناعات المعلومات وأوقات الفراغ مما سوف يشجع تزايد الطلب ل«المساعدة في فهم الذات وفي فهم المجتمع.

وفي مثل هذه الأوضاع تصبح مهمة المؤرخين أكثر إلحاحا وتعقيدا بنفس الوقت. ما يؤكده المؤلف هو أنه مع انهيار جدار برلين ونهاية الشيوعية جرى نوع من «تعليق الزمن» بالنسبة للأوروبيين الذين عاشوا لفترة طويلة في حالة خوف مستمر من «شتاء نووي».

هكذا شكل انهيار ذلك الجدار نوعا من «القطيعة» التي ترافقت مع «صياغة أساطير» بدلا من القيام بقراءة علمية للماضي. بالتوازي جرت في آسيا وإفريقيا «قطيعات» عميقة إيذانا بقدوم عصر جديد. لكن هنا تمتزج المشاعر الدينية والتقاليد بقوة مع المفاهيم الحديثة للتطور لتعطي للمجتمعات المعنية خصوصياتها في هذا القرن الحادي والعشرين.

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يؤكد على أهمية بعض الأحداث والتواريخ في أحداث «قطيعات» جوهرية فإنه يرفض بنفس الوقت القول ب«قطيعة مطلقة» كاملة في تاريخ العالم انطلاقا من تاريخ أو من حدث معيّن، مهما كان استثنائيا.

بل إنه يطالب بقراءة للقرن الحادي والعشرين تأخذ في اعتباراتها التحولات على المدى الطويل مع الجمع بين ما هو راهنا وبين البنى الأساسية المستدامة. وهذا النهج من التحليل التاريخي قالت به المدرسة الفرنسية الحديثة لكتابة التاريخ والمعروفة باسم مدرسة «الحوليات» التي تأسست في سنوات الثلاثينات من القرن الماضي.

وكان من بين مؤسسيها الرئيسيين «فرنان بروديل» صاحب المقولة الشهيرة بالتحولات التاريخية «على المدى الطويل». واعتمادا على مثل هذه المقولة يحاول مؤلف «تاريخ موجز للقرن الحادي والعشرين» إبراز التوجهات التي سوف يشهدها القرن الذي نعيش فيه وفي منظور محاولة «فهم حركة العالم». وبهذا المعنى يشكل الكتاب رؤية «استشرافية» لمستقبل يبقى مساره في عالم «المجهول».

تحت عنوان «من أجل الانتهاء من القرن العشرين» يعود المؤلف إلى تاريخ 9 نوفمبر 1989 عندما جرى دك جدار برلين واجتازه في ليلة واحدة ما يزيد عن ثمانية آلاف رجل وامرأة. ويرى المؤلف أن ذلك «الانقلاب» المفاجئ الكبير الذي عرفه مسار التاريخ جعل القرن العشرين ينتهي قبل حلول عام 2000 بالنسبة للأوروبيين.

لكن إذا كان المؤلف يلحّ على الأهمية المركزية لانهيار جدار برلين بالنسبة لأوروبا فإنه يؤكد أيضا على «أحداث جسام» عرفها العالم خلال عقد من الزمن يقع بين 1985 و1995. فمع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1985 بدأ مسار «تحولات» جديد في العلاقات الدولية.

وفي عام 1987 وضع غورباتشوف حدا نهائيا لما يسمّى بأزمة الصواريخ في أوروبا قبل تبنّي «الخيار صفر»، أي ما يعني سحب صواريخ بيرشنغ الأميركي و«اس.اس ـ 20» الروسية من عموم الأراضي الأوروبية.

وفي عام 1989 نفسه، وهو عام الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية لقيام الثورة الفرنسية شهدت ساحة تيانانمين في بكين مظاهرات مدنية كسحت بالدبابات وفي عام 1991 انهار الاتحاد السوفييتي بعد أن كان إحدى القوتين العظميين في العالم لمدة عدة قرون.

وزال بتاريخ 21 ديسمبر 1991 الاتحاد السوفييتي كي تحل محله ما سمي ب«مجموعة الدول المستقلة» وبتاريخ 25 ديسمبر قام ميخائيل غورباتشوف بتسليم «مفاتيح» السلاح النووي لبوريس يلتسين الذي كان قد أصبح «الرأس الوحيد» في روسيا.

وعن نهاية القرن العشرين في الشرق الأوسط يشير المؤلف أنه في الوقت الذي انتهت فيه الحرب الباردة في أوروبا اجتاحت القوات العراقية الكويت يوم 2 أغسطس 1990. تحدث المعلقون آنذاك عن «تانتان في بلاد الذهب الأسود».

لكنهم نسوا، أو تناسوا، «الجذور التاريخية الأوروبية» لذلك العمل والتي يعيدها المؤلف إلى المعاهدات الموقعة بعد عام 1918 وإلى التنافس الانكليزي ـ الفرنسي ـ الأميركي على المنطقة. ومع ذلك الاجتياح للكويت بدأت ترتسم ملامح حرب جديدة.

نقرأ: «ربما أن نهاية القرن العشرين وبداية ألفية جديدة قد بدأت هناك، في رمال الصحراء بينما كان العالم يأمل أن يقام انطلاقا من ذلك المثال سلاما كونيا ترعاه منظمة الأمم المتحدة». وفي ذلك السياق جرى الحديث عن «نظام دولي جديد» من أجل تبرير التدخل العسكري ضد «الغزاة».

وفي هذا السياق يعود المؤلف إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في نهاية عام 1987 وإلى «صور الأطفال وهم يلقون الحجارة ضد الجنود الإسرائيليين والتي أثارت موجة من التعاطف تجاوزت حدود العالم العربي وأرغمت الحكومة الإسرائيلية على تحريك مواقعها وتصور إمكانية التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية»،

كما يقول المؤلف ليضيف أن الانتفاضة قد رسمت «حدود دولة فلسطينية انطلاقا من المدن المنتفضة». كما يؤكد أن تلك الانتفاضة هي التي غيّرت صورة الفلسطينيين من «إرهابيين» إلى «ضحايا» بل وإلى «نموذج كوني للضحية مما يتطلب عملا دوليا».

وفي المحصلة يصل المؤلف إلى القول: «جسّد عام 1987 نقطة الوصول للمسار الذي تولّد من فكرة تقسيم فلسطين عام 1948 من جهة، وانتقاد قوة إسرائيل انطلاقا من عدوان 1967».

هكذا يرى المؤلف أن «حرب الخليج» عام 1991 وقبلها الانتفاضة الفلسطينية لعام 1987 دلّتا على «تغيّر في الحقبة» يتجاوز كثيرا حدود الشرق الأوسط. وحيث ظهرت أصداؤه في الثقافة الغربية.

وإذا كان القانون الدولي يبرر تدخل الولايات المتحدة على قيادة تحالف من 34 دولة على قاعدة قرارات صادرة من مجلس الأمن الدولي حيال العراق، فإن ذلك جعل حالة من الخوف تخيّم على أوروبا.

ويلي فصل يتحدث فيه المؤلف عن أحداث العقد الواقع بين 1997-2007 والتركيز على 11 سبتمبر 2001 أو ما يسميه قرن صدام الحضارات»، إنما التي تشن العولمة حربا ضد نشوبها. وبعد أن يتساءل عما إذا كان لا يزال ممكنا الحديث عن تاريخ كوني؟ يؤكد على بروز البعد الإنساني في «تاريخ شامل آخر».

في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يتحدث المؤلف عن «الأفراد في القرن الحادي والعشرين بمواجهة الجماهير في القرن العشرين». ومع التأكيد على دور الأفراد في السياق الدولي الجديد

يتم أيضا التأكيد على أن «الأقليات» بكل أنواعها ومشاربها سوف تكون قوى فاعلة في صياغة «التاريخ» القادم. لكن رغم تعاظم دور الأفراد والأقليات يتساءل المؤلف عما إذا كان الإنسان سيبقى مركز مسيرة التاريخ بل ومركز العلوم الإنسانية؟

*الكتاب:تاريخ موجز للقرن الحادي والعشرين

*الناشر:بيران ـ باريس 2007

*الصفحات :177 صفحة من القطع الصغير

Brève histoire du XXI siècle

Perrin- Paris 2007

p.177