سونيا رولان، من أب فرنسي وأم إفريقية، عاشت طفولة سعيدة في رواندة وبوروندي مع أسرتها إلى أن عرفت تلك البلاد المجازر الرهيبة في صيف عام 1994 والتي ذهب ضحيتها حوالي مليون قتيل من قبيلتي التوتسي والهوتو على خلفية الصراع على السلطة.
هربت الطفلة «سونيا» مع أسرتها إلى منطقة «بورغون» الفرنسية حيث استقبلها أهل المدينة التي نزلت فيها بحفاوة ثم استقبلوها بعد سنوات ك«ملكة»، وذلك عندما فازت بلقب ملكة جمال فرنسا لعام 2000.
ومع ذلك الانتخاب بدأت دروب الشهرة والثروة تنفتح أمامها ولتنتهي أيام الضنك والحاجة التي عاشتها مع أسرتها حتى بعد عودتها إلى فرنسا ودخلها المتواضع. كان العمل الأول الذي قامت به تلك الفتاة بعد فوزها ب«عرش الجمال» في فرنسا هو تأسيس جمعية لمساعدة اليتامى في بلدها الأصلي رواندة.
وبنفس الوقت بدأت بتعلّم دروس التمثيل بناء على نصيحة الممثل الفرنسي الشهير «الان ديلون»، ثم دروس في «الملاكمة» بعد تعرّضها للاعتداء في إحدى حافلات «مترو» باريس. هكذا وجدت نفسها ذات يوم مكلّفة بلعب دور البطولة في فيلم تلفزيوني عن حياة «ليا بيكر». ولم تنس أيضا أن تمارس دورها كأم وكربة منزل. هذا الكتاب يروي تجربتها الإنسانية وعلى لسانها.
يبدأ الكتاب بوصف ذلك اليوم الذي جرى فيه انتخاب ملكة جمال فرنسا لعام 2000 حيث كانت تشارك 48 فتاة تمثل كل منهن منطقة فرنسية، بما في ذلك المقاطعات الفرنسية لما وراء البحار. كان عمرها 18 سنة وكانت عيون فرنسا كلها تتطلع إلى المتسابقات عبر الشاشة الصغيرة.
كان رعبها كبيرا، ألم يكن نابليون نفسه قد ارتعش أمام الامتحان؟ كما تقول. ولكن ما أعاد هدوءها لها قليلا هو تذكّرها للمسار الذي قطعته منذ طفولتها عندما كانت تمشي عارية القدمين فوق هضاب رواندة وبوروندي وحتى المشي فوق رخام المسرح الأنيق مع جميلات فرنسا. ليس هناك إذن ما تخسره.
وكان مصدر هدوئها الأكبر من ذلك رؤيتها لوالدتها «الجوهرة الإفريقية السوداء» وهي تجلس بين الصفوف في القاعة «لقد كانت في عيوني المرأة الأكثر جمالا في تلك السهرة، بما في ذلك ملكات الجمال». بكل الحالات لعلّ أجمل صفحات هذا الكتاب هي تلك التي تكرسها للحديث عن أمها التي أصرّت على الاحتفاظ بانتمائها «الإفريقي» ثقافة وعادات.
لم يكن يخيفها الفقر لكنها حرصت دائما على أن تخفي عن ابنتها ضيق الحال حتى في الوقت الذي كانت تتلقى فيه وجبات الطعام من هيئات المساعدة الاجتماعية بما في ذلك سلسلة «مطاعم القلب» التي كان قد أسسها الممثل الهزلي الفرنسي الراحل «كولوش».
وتحت عنوان: «متوحشون أقدامهم عارية» تتحدث الكاتبة عن سنوات طفولتها الإفريقية المختلطة بروائح «المانيوك» ـ الطعام الإفريقي الرئيسي ـ والموز الأخضر والتوابل واللحم المشوي. وتعرّف أن والدها فرنسي وأن أمها «رواندية» من أسرة أرستقراطية ذلك أن رواندة ظلّت ذات حكم ملكي حتى أواخر سنوات الخمسينات.
ونعرف ايضا أن أمها تحمل شهادة جامعية، ثم ومما يشير الدهشة، أن «التكافؤ» في الحياة السياسية برواندة يسبق كثيرا ما يعرفه بلد ديمقراطي مثل فرنسا. ذلك أن عدد النساء في «البرلمان» الرواندي يساوي، إن لم يكن يفوق، عدد الرجال. وإن النساء موجودات في الحكومة ويتمتعن ب«السلطة العليا» في تنظيم شؤون الأسرة وبالأخص تنظيم ميزانيتها.
وتحت عنوان «الأيام الأخيرة بالقرب من البحيرات الكبرى» والمقصود هو تلك المنطقة المحيطة برواندة وبروندي في إفريقيا، تتحدث المؤلفة عن الأفارقة، أهلها وجدّها، و «مادلين» الإفريقية التي كانت قد حددت أمل حياتها بأن ترى تلك التي غدت ملكة جمال فرنسا ولو مرّة واحدة قبل وفاتها.
وهكذا عادت «الملكة» لتراها وتضمّها إلى صدرها ثم لتموت مادلين بعد أسابيع قليلة. ومن خلال حديثها عن جدّها تتحدث عن إفريقيا وروح التعاون فيها حيث «لا يتركون أي إنسان وحيدا» بل يبقى هناك من «يعتني به».
وتصف المؤلفة في العديد من صفحات الكتاب تلك الأجواء التي كانت سائدة في رواندة قبل وقوع المجازر الرهيبة لصيف 1994 بسنوات كانت مليئة بحالة من الشك والارتياب. كان ذلك كله مردّه أجواء التهديدات المخيّمة «الواعدة» بصدامات وشيكة بين قبيلتي التوتسي والهوتو «مثل بركان كان يتأهب للاستيقاظ»، كما تقول.
ثم تضيف: «لم يكن هناك من يعرف متى سوف يحدث الانفجار لكن لم يكن هناك ذو بصيرة لمّاحة يشك أن ذلك الانفجار كان سيحدث». وفي مثل تلك الأجواء أيضا قررت الأسرة أن تتوجه إلى فرنسا.
كان ذاك بدافع «غريزة اللجوء» أمام خطر محدق قادم. «هكذا في خريف بارد، أدرنا ظهورنا لإفريقيا وما فيها من أشياء عذبة وتوجهنا نحو المجهول». أما الأب فقد بقي في «بوجومبورا» ببروندي بحكم الأعمال التي كان يقوم بها، وكأن يأمل أن تتحسّن.
ومن إفريقيا إلى منطقة «بورغون» الفرنسية... وكان «الاحتكاك» الأول مع المشاعر العنصرية حيث كان «البيض» ينظرون للفتاة القادمة من إفريقيا ولأخيها وكأنهم قادمون من كوكب آخر، بل كان البعض «يخافون منهم».
بالمقابل كان «الإفريقيان» ينظران لأولئك «البيض» وكأنهم يعانون من مرض ما يسبب سحنتهم «الشاحبة»، ذلك أن جميع الأوروبيين الذين كانا قد شاهدوهما في رواندة كانوا ذوي جلود «برونزية» بسبب الشمس الحارقة.
ولا تتردد المؤلفة في القول أن تلك الطفلة التي «كانتها» عاشت باستمرار حالة من الحنين إلى إفريقيا، ذلك «أن اللطف الذي كان البعض يحيطوننا به لم يكن يمنعنا من الإحساس أننا مقتلعون من جذورنا».
إن هذا الكتاب يشكل في أحد وجوهه شهادة حيّة لمشاعر «الاغتراب» التي يعيشها أولئك الذين تدفعهم أقدارهم إلى الابتعاد عن ملاعب طفولتهم. وتكرر المؤلفة بصيغ عديدة، وكلما حانت لها الفرصة، واقع أنها لم تتوصل إلى «الانفصال» عن قارتها الأصلية.
ذلك أن ذهنها كان «يشطّ» دائما نحو تلك الأجواء والمناظر والروائح والموسيقى ولهجات الحديث الحارة. هناك حيث «يعيش أولئك الذين نحبهم». وبعد سنوات من الإقامة في فرنسا كانت هناك عودة إلى «بروندي» حيث كان يعمل الأب رئيسا لمطبعة.
كان عمر الفتاة آنذاك عشر سنوات ولكنها كانت قد دخلت «مبكّرة» في سن المراهقة. في تلك الأثناء ـ نحن في عام 1993 ـ جرى «حادث» الطائرة الذي أودى بحياة رئيس جمهورية رواندة. بدا الأمر مثل عملية انتقام قامت بها القبيلة ذات الأغلبية العددية من الهوتو ضد الأقلية الحاكمة منذ سنوات طويلة من قبيلة التوتسي.
وكان ذلك «الحادث» هو الشرارة التي أشعلت الحريق وليس في رواندة فحسب وإنما أيضا في بوروندي لكن «اختار العالم» أن لا يرى ما حدث في هذا البلد الأخير. وهذا ما تسميه المؤلفة بـ «مذبحة الإبادة المنسية» إنها المذبحة التي تثير الحرج بحيث أن الموقف الأكثر تعقلا والأكثر سهولة حيالها كان إغلاق العيون.
إن الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ جرى ذبحهم ودفنهم في إطار من اللامبالاة». ليس اللامبالاة والصمت فقط وإنما أيضا من «النفاق» و«الحقد» اللذين كانا ينتشران في الحياة اليومية وينثران السموم فيها.
وتصف «سونيا رولان» في هذا السياق حالة «التفسخ» و«الحذر» التي عرفتها الحياة في رواندة وبوروندي قبل المجازر، وهي حالة شبيهة بتلك التي تعيشها جميع البلدان المهددة. فالبالغون كانوا يتحدثون فيما بينهم بأصوات ضعيفة «كي لا يسمعهم الأطفال» وأيضا «خشية من آذان الأعداء».
وبدأ كل إنسان «يحذر» من الآخر، وهم الذين كانوا حتى فترة قريبة لا يتركون أية فرصة لاقتسام الفرح مع جيرانهم. تقول المؤلفة: «باختصار في تلك السنة، 1994، مات الضحك في بوجمبورا ببورندي»، كما جاء في عنوان أحد فصول الكتاب.
استطاعت المؤلفة وأخوها وأمها من مغادرة إفريقيا قبل ساعات فقط من إغلاق مطار بوروندي. أما الأب فلم يستطع - أو لم يرد ـ مغادرة البلاد. كانت وجهة الطائرة هي موسكو، وكانت هي الفرصة الوحيدة المتوفرة للخروج.
ومن نافذة الطائرة القديمة ودّعت «سونيا» مناظر ذلك «الفردوس» الذي وجدت نفسها مضطره لفراقه. كانت مشاعرها هي مزيج من «الحزن والارتياح». الحزن على ما تركت وراءها والارتياح بسبب الابتعاد عن تلك النار التي كانت قد عمّت نيرانها.
بكل الأحوال كانت انتهت بالنسبة لها «الطفولة والبراءة»، تقول المؤلفة: «اعتبارا من تلك اللحظة، عرفت من أين أتيت وعرفت ما الذي نجوت منه. لقد عشت الرعب الذي سوف يترك آثاره دون شك».
في الفصول الأخيرة من الكتاب تتحدث المؤلفة عن حياتها في فرنسا، وعما قامت به من أعمال «صغيرة» كي تكسب «مصروف جيبها». كما تتحدث عن حبها للقراءة وإعجابها الكبير بكتابات جبران خليل جبران الذي تنقل عنه الكثير من الجمل.
وتقول عنه: «جبران خليل جبران هو دون شك من عالم آخر يحدثني بشكل أفضل». وهي تقدمه على مدى عدة صفحات لقارئها مؤكدة أنه كان عونا لها في لحظاتها الصعبة، وخاصة للاحتماء من «الرجال التافهين».
*الكتاب:الغزالات لا يخشين الظلام
*الناشر:ميشيل لافون ـ باريس 2007
*الصفحات :261 صفحة من القطع المتوسط
Les gazelles n'ont pas peur du noir
Michel Laffont - Paris 2007
p. 261