إذا كان هناك خط واحد ناظم يربط روايتي «عمارة يعقوبيان» و«شيكاجو» للروائي المصري علاء الأسواني، فإنه لابد أن يتمثل في الانتشار الهائل للعملين، الذي يعكس نجاحاً مدوياً على صعيد توزيعهما.

فالرواية الأولى نفدت طبعتها الأولى حتى النسخة الأخيرة منها في غضون أربعين يوماً، وتلتها تسع طبعات أخرى على التوالي، وظهرت الطبعة الأولى من الترجمة الانجليزية في عام 2004، أي بعد عامين من صدور الطبعة العربية الأولى، لتتوج بنجاح كبير بدورها، ومن المحقق أن هذه الأرقام تصاعدت بعد إطلاق الفيلم المقتبس عن الرواية. بالتوازي مع ذلك، فإن القراءة التي نقوم بها في هذه الرواية، «شيكاجو» تتم من واقع الطبعة السابعة الصادرة في مايو 2007 بينما الطبعة الأولى صدرت في يناير 2007، وهو ما يجعلنا نبادر إلى إلقاء نظرة على الصفحة الثالثة منها لنلاحظ صدور طبعتين في شهر يناير وطبعتين في فبراير وطبعة في كل من شهر عقب ذلك، ونتوقع تصاعد الطبعات مع الإنتاج المصري ـ الأجنبي المنتظر لفيلم مقتبس عن الرواية.

لكن ذلك لا يعني انتهاء أوجه الشبه بين الروايتين، بل هناك العديد من الملامح التي تميز العملين معاً. أول هذه الملامح هو ارتفاع سقف طموح العملين معاً، ومن المؤكد أن مقاصدهما الأخلاقية تردد أصداء استحضار تشارلز ديكنز لتعقيدات المجتمع الانجليزي حيث تعلو صرخة من أجل العدالة والتغيير.

وعلى الرغم من الموضوع السوداوي للروايتين، وما يعكسه من مشاعر الصدمة والحركة اللاهثة والمترعة بالجنس والصراع والثرثرة والفضيحة. فإننا نتلمس التفاؤل الذي يشدد عليه المؤلف رغم ما نتلمسه من محدودية تفاعل المجتمع المصري الآن وكيف يؤثر التشظي في كل شيء.

الروايتان يجمعهما أيضاً أنهما عملان روائيان كبيران، فرواية «شيكاجو» في طبعتها السابعة الماثلة بين أيدينا تقع في 453 صفحة وهي شأن «عمارة يعقوبيان» تموج بحشد هائل من الشخصيات حتى لتتحدى قدرة القارئ على التذكر ومطاردة التفاصيل.

وفي العملين معاً، نجد أيضا أن علاء الأسواني في أفضل لحظاته يرغب بوضوح في أن ينقل لنا جديته الأخلاقية العميقة التي تنتقل عبر تألقات متواصلة من سماحة الروح، وتجتذبنا قدرته على التفهم وإظهار التعاطف مع شخصياته كافة،

مهما كان تطرفها أو نأيها عنا وإدراك جوهر عواطفها ومتاعبها. ويشكل هذا الجانب مفارقة حادة مع أحكامه الصارمة غالباً على سلوكها وتصرفاتها، وهو الأمر الذي يؤدي بالنسبة لنا كقراء إلى احتدام شعورنا بأننا نحيا مع أناس نعرفهم معرفة جيدة وتتم دعوتنا إلى الإطلال على حياتهم السرية التي تثير الشعور بالصدمة.

أخيراً، فإن من أهم الملامح المشتركة بين الروايتين أنهما تبقيان مع القارئ طويلاً بعد أن يفرغ منهما، حيث أن شخصياتهما تثير التأمل بمواقفهما من الحياة ومن تطورات المجتمع الذي تعيش فيه ومن آفاق المستقبل الذي يمتد أمامها أو يحتجب عنها.

ولا يتردد بروفسور جلال أمين في كلمته على الغلاف الخلفي لرواية «شيكاجو» في الإعراب عن اعتقاده بأن هذه الرواية تستحق نجاحاً مماثلاً وبالجدارة نفسها كالذي نالته «عمارة يعقوبيان».

ومن المحقق أن الكثير من القراء يشاركون جلال أمين في اعتقاده هذا بجدارة «شيكاجو» بهذا النجاح، لكن هناك بالتأكيد أيضاً قراءة آخرين شعروا بالصدمة، عندما اكتشفوا أن «شيكاجو» تدور أحداثها في المدينة الأميركية الشهيرة وفي أجواء الطلاب المبتعثين والدارسين هناك، حتى وإن كان الوشائج التي تربطهم بوطنهم تظل قوية ولا فكاك منها، حتى بالنسبة لمن هاجروا إلى أميركا غير عازمين على الرجوع.

هذا الشعور بالصدمة يراه بروفسور جلال أمين في غير موقعه، فمن منظوره أن «شيكاجو» تضم كل مزايا الرواية السابقة، فهناك التشويق الذي يبدأ من أول صفحة ويستمر إلى آخر صفحة، وأسلوب الكتابة السلس والسريع الذي يصيب الهدف باستمرار بلا تثاقل أو تسكع، الرسم الواضح والمنسق للشخصيات، اللغة العربية الراقية دون تكلف أو تعمد الأغراب، وقبل كل شيء وفوق كل شيء نبل المعنى.

وربما كان ما يقوله بروفسور جلال أمين صحيحاً، وفي موضعه تماماً، لكن شريحة ليست بالقليلة من القراء ترى في «عمارة يعقوبيان» كونها دراسة لعبقرية المكان، لقلب القاهرة بأهله وناسه وتفاعلاته، للعمارة العتيدة بكل ما تعكسه من نشأة وسقوط، وهذه الشريحة لا تجد شيئاً من ذلك في «شيكاجو» وقد كانت تتوقع جرعة إضافية منه.

يلفت نظرنا في الصفحة السادسة من الرواية أن المؤلف يشير إلى أن الصفحات والفقرات المطبوعة بالحرف الأسود المائل هي مذكرات ناجي عبدالصمد التي كتبها أثناء الرحلة. ومن المؤكد أنها إشارة مهمة، لكنها إشارة خادعة أيضاً، فالرواية ليست مذكرات طالب بعثة، وإنما هي عالم بأسره من الشخوص التي تعج بها الرواية.

ربما لهذا على وجه الدقة فإننا لن نجد أنفسنا في مستهل الرواية مع ناجي عبدالصمد ومتاعبه، وإنما سنجد تمهيداً، ليس بالقصير يقربنا من شيكاجو، المكان، وخلفية الأحداث، وصولا إلى الصفحة الثالثة عشرة قبل أن نلتقي بالطالبة شيماء محمدي التي كما يقول الروائي عنها: «جاءت من طنطا إلى شيكاجو هكذا.. مرة واحدة، دون استعداد أو تمهيد، كمن قفز في البحر بملابسه الكاملة وهو لا يعرف السباحة».

يلفت نظرنا أن شيماء محمد هذه التي ستلفت نظرنا في أروقة كلية الطب في جامعة إلينوي بثوبها الشرعي الفضفاض والخمار الذي يغطي صدرها وحذائها الواطئ وخطوتها الواسعة المستقيمة ووجهها الريفي الخالي من المساحيق ولغتها الانجليزية الثقيلة المتعثرة،

مما يمهد للتساؤل: ما الذي أتى بهذه الفتاة الريفية إلى أميركا شيماء هذه هي التي سنلتقيها في نهاية الرواية وقد انطلقت إلى غرفة الجراحة للتخلص من جنينها وللتخلص معه من عار العلاقة غير المشروعة.

بين هذه البداية وتلك النهاية سيمضي القراء مع أبعاد التمزق والصراع والاغتراب التي لا نهاية لها التي تخوضها الشخصيات التي تموج بها الرواية، لكن حشداً مؤرقاً من الأسئلة لابد له من أن يندلع في ذهن القراء في غضون ذلك.

ربما كانت علامة الاستفهام الأكثر أهمية من بين هذه الأسئلة المؤرقة هي تلك التي تلخصها الكلمات التالية: إذا كانت هذه هي النخبة التي أفرزها مجتمع لتساهم في تطوره وتقدمه وانتقاله من جهوده وتشظيه، فهل هناك أمل لهذا المجتمع في العبور إلى مستقبل أفضل على أيدي هؤلاء؟

لأول وهلة قد تبدو علامة الاستفهام هذه موحية بالإدانة لهذه الشخصيات وتمزقها وللنسيج الذي أفرزها. ولكن هل هذا صحيح؟ إن الحوار مع علاء الأسواني والقراءة المعمقة للرواية يوحيان بأنه في قلب الظلام هناك بقعة ضوء في نهاية النفق.

تساؤلات

«كأن عضلة ما في وجه الدكتور رأفت ثابت قد انقبضت إلى الأبد، فأضفت على ملامحه طابعاً من المرارة لا يزول.. كأنه بات ينوء بحمل ثقيل جعل خطوته بطيئة وظهره مقوساً بدلاً من مشيته الرياضية المنطلقة المرحة.. كأنه فقد قدرته على التركيز فبدا معظم الوقت وكأنه يحدق في الفراغ!

لم يعد يشغله إلا سؤال واحد: أين اختفت سارة؟.. بحث عنها في كل مكان بلا جدوى .. هل هربت مع جيف إلى بلد آخر؟ هل هاجمتها عصابة في أوكلاند؟ ثمة جرائم في أحياء شيكاجو السوداء لا يكشف عنها إلا بالصدفة، وقد لا يكشف عنها أبداً.. (ماذا أصابك يا سارة؟

لن أسامح نفسي أبداً لو حدث لك مكروه!.. كم كنت قاسياً معك! كيف جرؤت على اهانتك بهذا الشكل؟!). بعد أيام من البحث المضني قرر أن يبلغ الشرطة.. لقيه ضابط أسود مهذب، استمع إلى حكايته باهتمام ثم تنهد وقال:

ـ آسف يا سيدي.. أنا أب مثلك وأقدر مشاعرك.. لكن ابنتك جاوزت سن الرشد، وصارت في نظر القانون الأميركي مواطنة حرة لها حق التنقل كيفما تشاء، وبالتالي لا يوجد إجراء قانوني للبحث عنها إذا تغيبت».

*الكتاب:شيكاجو

*الناشر:دار الشروق ـ القاهرة 2007

*الصفحات:453 صفحة من القطع المتوسط