مؤلف هذا الكتاب الدكتور غسان حداد من مواليد اللاذقية ـ سورية 1926 والحاصل على عدة شهادات عليا ( دكتوراه دولة في التخطيط والإحصاء، دكتوراه علمية في الاقتصاد العربي والدولي، بكالوريوس الكلية الحربية وماجستير كلية أركان حرب ) وله : العرب والعولمة، خصائص القطاع العام والاشتراكي، التطور السياسي والاقتصادي في سورية.
في كتابه الجديد (أوراق شامية من تاريخ سورية المعاصر) يضع المؤلف خلاصة تجربة عاشها في حقبة مهمة من تاريخ الأمة العربية وبياناً لحجم القوى السياسية التي كانت قائمة في سوريا مطلع الحكم الوطني وبداية الاستقلال والتي تتمثل في خمسة تيارات عقائدية
وفكرية هي: التيار التقليدي الوطني: ويتمثل بـ (الكتلة الوطنية) التجمع الذي قاد النضال الوطني ضد الاستعمار وحقق الجلاء والاستقلال السياسي بقيادة الرئيس شكري القوتلي أول رئيس للجمهورية في العهد الوطني، التيار القومي : أي البعث العربي الذي ظهر في مطلع الأربعينات تحت اسم حركة الإحياء العربي ثم استبدل اسمه عام 1943 إلى حركة البعث العربي ثم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي.
التيار الإسلامي : ويتمثل في جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وهي جزء من حركة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام حسن البنا في مصر عام 1928م وقد ظهرت النواة الأولى للإخوان المسلمين في سوريا ولبنان عام 1936م ثم انتشرت مراكزها في المحافظات السورية، التيار الماركسي : ويتمثل بالدرجة الأولى بالحزب الشيوعي إضافة إلى بعض التنظيمات الماركسية الصغيرة. انعقد المؤتمر الأول للحزب الشيوعي في سوريا ولبنان عام 1925 أما المؤتمر الثاني الذي سمي بالمؤتمر الوطني فقد انعقد في أواخر عام 1943 ومطلع عام 1944 وأصبح خالد بكداش رئيساً للحزب الشيوعي السوري.
التيار الإقليمي : ويتمثل بالحزب السوري القومي وتتلخص مبادئ الحزب بما يلي : سوريا للسوريين، السوريون أمة تامة. القضية السورية هي قضية قومية قائمة بنفسها ومستقلة عن أي قضية أخرى. القضية السورية هي قضية الأمة السورية والوطن السوري.الأمة السورية مجتمع واحد.
ثم ينتقل المؤلف للحديث عن انقلاب حسني الزعيم وهو الأول في التاريخ العربي المعاصر ـ بعد انقلاب بكر صدقي في العراق وهو الأول بعد الحرب العالمية الثانية حيث وضع الزعيم حداً للحكم الديمقراطي النيابي الذي استمر منذ بداية الاستقلال ودخلت سوريا مرحلة جديدة في الحكم العسكري المباشر.
و في الخامس والعشرين من يونيو 1949 انتخب الزعيم رئيساً للجمهورية ورفع إلى رتبة المشير ومن يومها دخلت الحياة السياسية إلى الجيش من أوسع أبوابها. و لم يمض على حكم الزعيم في السلطة سوى 137 يوماً وبسقوطه سقطت الحكومة التي شكلها الدكتور البرازي.
وتحدث الكاتب عن انقلاب العقيد سامي الحناوي الذي اعتبر الانقلاب العسكري الثاني في تاريخ سوريا المعاصر فقد أدت أساليب المشير حسني الزعيم الفردية في إدارة سياسة الدولة وعدم امتلاكه تجربة سياسية إلى فشله مما مهد لانقلاب الحناوي.
وفي التاسع عشر من نوفمبر عام 1949م تحرك قائد اللواء الأول المتمركز في معسكرات قطنا، العقيد أديب الشيشكلي على رأس لوائه وعدد من الوحدات المساندة والمقارنة ليقود انقلابه العسكري الأول الذي يعد الثالث في تاريخ سوريا المعاصر والثالث خلال عام 1949 وقد تميز عن الانقلابين السابقين بأنه انقلاب على السلطة العسكرية هذه المرة فقط دون التعرض للسلطة السياسية.
ويرى الكاتب أن الفترة بين فبراير 1954 وفبراير 1958 كانت من أكثر الفترات ديمقراطية في تاريخ سوريا حيث عادت الحياة الدستورية للبلاد ومارس البرلمان والأحزاب دورهم في رسم السياسات العامة للبلاد وتقلص دور الجيش في الحياة السياسة.
وفي هذا الفصل الثاني من كتابه تطرق الكاتب أيضاَ إلى اغتيال العقيد الركن عدنان المالكي حيث كان يشغل موقع نائب رئيس الأركان العامة في الجيش السوري ورئيس الشعبة الثالثة ويتزعم التيار القومي العربي الوحدوي في الجيش عندما تعرض لعملية اغتيال في 22 ابريل 1955 وهو يرعى مباراة لكرة القدم بين فريق الجيش السوري وفريق الجيش المصري عندما أطلق عليه النار رقيب في الشرطة العسكرية وهو يونس عبد الرحيم الذي انتحر فور تنفيذ جريمته وكان التوجه القومي الوحدوي للعقيد المالكي قد ولد له خصومات كثيرة أبرزها قيادة الحزب السوري القومي.
ثم تحدث الكاتب عن الطريق إلى الوحدة وتأميم القناة ففي 26 يوليو 1956 وفي خطاب ألقاه الرئيس عبد الناصر في الإسكندرية بمناسبة خلع الملك فاروق عن العرش ومغادرته مصر حيث أعلن تأميم قناة السويس ( وهو أول تأميم عربي في التاريخ المعاصر) وأنه سيمضي قدماً في بناء السد العالي من إيرادات قناة السويس وتعهد رسمياً بالتعويض على المساهمين وأكد أن القناة جزء لا يتجزأ من مصر وأن التأميم عمل من أعمال السيادة الوطنية.
وفي 4 سبتمبر 1957 وقعت حكومتا سوريا ومصر لاتفاقية للوحدة الاقتصادية، وفي 22 فبراير 1958 حققت الأمة العربية انتصاراً كبيراً بقيام أول وحدة عربية حقيقية في تاريخها المعاصر عندما وافق الشعب العربي في كل من سوريا ومصر بما يشبه الإجماع على قيام الجمهورية العربية المتحدة وانتخاب الرئيس جمال عبد الناصر رئيساً لها وتخويله وضع دستور مؤقت وتعيين حكومة مركزية وحكومة للإقليم الشمالي (سوريا) وحكومة للإقليم الجنوبي (مصر).
وقد حققت الوحدة العديد من الانجازات على جميع الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية ورفعت رأس العرب عالياً.
وبعثت الأمل في نفوس الجماهير العربية بإمكان تحقيق وحدتها المنشودة ولو أمكن لهذه الوحدة الاستمرار أو لو نفذ ميثاق الوحدة الثلاثي الصادر في 17 ابريل 1963 الذي جاء بعد سنة ونصف من الانفصال رداً على النكسة وعودة إلى طريق الوحدة الراسخة في قلوب وضمائر أبناء أمتنا المجيدة لأمكن لوطننا أن يتجنب العديد من النكسات خاصة نكسة 5 يونيو 1967 والعديد من حالات التردي التي مرت بها أمتنا.
ثم تم عهد الانفصال في صبيحة يوم الخميس 28 سبتمبر 1961 أذيع بلاغ عسكري من إذاعة دمشق باسم القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة وأعلن فيه قيام الجيش بحركة انقلابية ومبرراً ذلك بالعبارة الآتية «إننا قد طرقنا كل باب للإصلاح قبل أن تنفجر الأمور فلم نجد إلا القوة سبيلاً للتحرر من المستغلين واتباع طريق الحرية، ولم نجد إلا القوة سبيلاً لكي تعاد للشعب حريته وللجيش كرامته».
كما عرض المؤلف أبرز الأحداث التي مرت بها سوريا خلال عقدين مهمين أعقبا انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحقيق الجلاء ( 1946 - 1966) تضمنت فترة الحكم الوطني الذي أعقب الجلاء ثم فترة الانقلابات العسكرية وبلغ عددها عشرة انقلابات خلال 21 عاماً، ثم ربيع الديمقراطية والتعددية السياسية (1954 - 1958 ) ثم عهد الوحدة فعهد الانفصال وصولاً إلى 8 مارس 1963.
والمعروف أن النظام الذي حكم سوريا منذ ذلك التاريخ ليس واحدا بل هو حقب متعددة جاءت كل حقبة من رحم الحقبة التي سبقتها وقد اجتهدت أن أتوقف عند تاريخ 23 فبراير 1966 مع إمكانية المتابعة مستقبلاً ولكن هذا لا يحول دون طرح بعض الأفكار كوجهة نظر قابلة للحوار مع تقديري لأي وجهة نظر مخالفة.
لقد دخل العالم ـ وأمتنا العربية جزء منه ـ الألفية الثالثة وتحديداً القرن الحادي والعشرين وهي نوة العديد من التحديات فهل نواجهها منقسمين أم متحدين؟ وهل ترتفع إلى مستوى المسؤولية ؟
عرض : سليمان فاروق درويش
*الكتاب: تاريخ سورية المعاصر 1946- 1966
*الناشر:مكتبة مدبولي - القاهرة 2007
*الصفحات:188 صفحة من القطع المتوسط