مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والصحافي السوري الدكتور خلف الجراد، رئيس تحرير صحيفة تشرين السورية، وعضو اتحاد الصحافيين العرب والجمعية العربية للعلوم السياسية. له عشرات الدراسات والأبحاث في المجلات والدوريات العربية، ومئات المقالات في سوريا وخارجها.

وصاحب العديد من المؤلفات العلمية، مثل: الفن والأيديولوجيا، وثقافة السريان في العصور الوسطى، والفلسفة اليابانية المعاصرة، والأبعاد العلمية والفكرية للصراع العربي ـ الصهيوني، والخيار النووي في الشرق الأوسط، وأسئلة اللحظة الراهنة، وأبعاد الاستهداف الأميركي.

يشدد المؤلف على ضرورة معرفة الأبعاد الاستراتيجية للسياسة الأميركية في الوطن العربي، وجذورها وتوجهاتها وأغراضها، وذلك لبناء الوعي القومي الجماعي العربي للتصدي لأخطار تلك الاستراتيجية، والانطلاق نحو استراتيجية عربية مضادة لمقاومتها.

حيث يوضح الكاتب أهمية الوطن العربي في مرتكزات السياسة الأميركية الخارجية بما يمثله من موقع جيوـ سياسي على الكرة الأرضية، بما يعنيه من تميز على المستوى الجغرافي، ومحتوى هائل للثروات الطبيعية، وموقع حضاري وديني، علاوة على وجوده في مركز مربع الحروب والأزمات الإقليمية والأهلية (جنوب أوروبا ـ جنوب غرب آسيا ـ منطقة الخليج العربي ـ منطقة الصراع العربي ـ الإسرائيلي).

وفي السياق نفسه يركز الكاتب على المصالح الاقتصادية التي تشكل القاعدة الأساسية التي تقوم عليها السياسة الأميركية في الوطن العربي، وتشمل صناعة النفط، والعلاقات التجارية الأميركية ـ العربية.

غير أن النفط وصناعته، وعائداته، وتجارته، وطرق استثماره، يبقى المحور الرئيس لهذه المصالح، حيث تتجاوز أهميته الاقتصاد الأميركي، إلى اقتصادات الدول الحليفة لأميركا، وما يمثله من استقرار لنظمها السياسية، بل وأمنها القومي.

وهذا ما يؤكده الكتاب من استعراضه للأهداف الدائمة والمصالح الحيوية الأميركية. حيث تنبع الأهداف الدائمة من الفلسفة السياسية التي يقوم عليها النظام السياسي للدولة، أما الأهداف الحيوية فتتركز حول المنافع والمكاسب التي تستفيد منها الدولة وشعبها، وتشمل النواحي العسكرية والاقتصادية والثقافية.

كما يؤكد المؤلف على الارتباط العضوي بين تلك الأهداف والمصالح، حيث إن تحقيق الأولى يساعد في الحصول على الثانية التي تعزز بدورها قوة الدولة اللازمة لحماية أمنها واستقرارها.

وتشمل الأهداف الدائمة: الأمن ـ الاستقرار ـ التوازن الإقليمي ـ منع قيام قوة إقليمية ـ منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. أما المصالح الحيوية فتدور حول: تأمين النفط ـ ضمان أمن إسرائيل ـ مقاومة الحركات الأصولية ـ محاربة ومطاردة الإرهاب.

ثم يتطرق الكتاب لمظاهر السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط مع اختلاف نوعية الإدارة في البيت الأبيض، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية. ويستعرض الكتاب مواقف الرؤساء الأميركيين المعاصرين، بداية من أيزنهاور وموقفه من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956،

وليندون جونسون وحرب عام 1967، مروراً بريتشارد نيكسون وكارتر وريغان وبوش الأب وكلينتون وحتى جورج بوش الابن. وإجمالاً فإن الخط العام لتوجهات سياسات البيت الأبيض تجاه قضايا الشرق الأوسط كانت تميل لصالح الجانب الإسرائيلي على حساب الجانب العربي،

كما أن أولويات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط تباينت واختلف ثقلها النسبي خلال فترة الحرب الباردة، عنها في العقدين الأخيرين، حيث حظي الجانب الإسرائيلي على دعم شبه كامل من مختلف الإدارات التي تعاقبت على الحكم.

كما زاد عدد اليهود المؤثرين في صناعة القرار الأميركي، ووصل عدد كبير منهم في عهد كلينتون وبوش إلى مراكز حساسة في وزارة الخارجية وجهاز الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية وهيئة موظفي البيت الأبيض. كما يوجد بالكونجرس الحالي 43 عضواً يهودياً يمثلون حوالي 10% من عدد النواب،

فيما يقل عدد اليهود عن 3% من نسبة عدد السكان، ويشكلون حوالي 2. 5% من إجمالي أصوات الناخبين الأميركيين. كما أن 60% من كبار ممولي الحزب الديمقراطي من اليهود، وبلغ عددهم في المجلس الوطني لهذا الحزب 70 من إجمالي 125عضواً.

كما بلغ عدد المنظمات الإنجيلية الأصولية شديدة الولاء لإسرائيل حوالي 250 منظمة تمارس أدواراً هامة لاسيما في الانتخابات الرئاسة الأميركية وانتخابات الكونجرس، وليس من دليل على قوة تلك التنظيمات في دفع مرشحيها إلى سدة الحكم إلا تلك الزيادة الهائلة في حجم المعونة الأميركية لإسرائيل والتي بلغت عام 2005 حوالي 8. 2 مليار دولار ما بين مساعدات عسكرية واقتصادية وفنية، وهي أعلى الأرقام الممنوحة لدولة في العالم.

كذلك يشير المؤلف إلى التغيرات الإقليمية والدولية وأثرها على السياسة الأميركية، حيث شهدت منطقة الشرق الأوسط عدة تغيرات أثرت في اتجاهات السياسة الأميركية، وهي: سقوط نظام حكم الشاه في إيران عام 1979، ووقوع الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988)،

والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وحرب الخليج الثانية بين العراق والتحالف الدولي علي إثر الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، وتزايد نفوذ الحركات الإسلامية في العديد من الدول العربية، وتبدل علاقات الصراع العربي ـ الإسرائيلي على إثر انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، واختفاء دور الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى.

وقد انعكست تلك التغيرات والتطورات على الاتجاهات الجديدة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط في صورة: احتفاظ الولايات المتحدة بقوات عسكرية كبيرة في منطقة الخليج العربي، وتقوية التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية،

وانتهاج الولايات المتحدة لدبلوماسية نشطة منذ العام 1991 من أجل إيجاد حلول للصراع العربي ـ الإسرائيلي والذي كان سبباً في قيام أربع حروب فيما بين أعوم 1948 ـ 1982، واتباع سياسة العصا الغليظة ضد بعض الدول العربية التي لا تتوافق سياسياً معها، وإعلان مبادرة الشرق الأوسط الكبير والتي أتت على جناح الهواجس الأميركية من الإرهاب على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

ثم يقدم الكتاب تصوراً لشكل العلاقات العربية ـ الأميركية المستقبلية، والتي تعد ضرورة حتمية تتطلبها المصالح المشتركة للطرفين. وفي هذا الصدد يرى الكاتب أن عدم استقرار تلك العلاقة قد نجم عن معارضة الدول العربية لسياسة الأحلاف التي دعت إليها الولايات المتحدة في المنطقة فيما مضى، والانحياز التام من قبل الولايات المتحدة إلى الجانب الإسرائيلي، والتنكر للحقوق العربية التي أقرتها منظمات المجتمع الدولي.

وقد كان من تداعيات توتر تلك العلاقة معارضة الولايات المتحدة لمحاولات قيام الوحدة بين بعض الدول العربية، بل ومحاولة إجهاضها، والتدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول بما يتعارض مع مفهوم السيادة، واستغلال مشكلات الأقليات الدينية والقومية في بعض الدول مثل العراق والسودان لخدمة مصالحها بالمنطقة، علاوة على سلبيتها تجاه سياسات القمع الإسرائيلية في الأرض المحتلة،

بل واستخدام حق النقض «الفيتو» ضد أي قرار دولي لإدانة إسرائيل. وأخيراً يقترح الكاتب بعض المبادئ لوضع إطار عام لتلك العلاقات، وأهمها: اعتماد الحوار الحضاري بين العرب كقوة إقليمية وأميركا كقوة عظمى لها مصالحا بالمنطقة.

وإقامة العلاقات العربية ـ الأميركية على قاعدة الاحترام المتبادل والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وتخلي الولايات المتحدة عن «العصا الغليظة» في إدارتها للمشكلات القائمة. واتخاذها مواقف عادلة من الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

والعمل على وضع استراتيجية عربية بديلة للتنسيق المشترك في المحافل الدولية والإقليمية. وتشكيل مؤسسات فكرية وأكاديمية، تستفيد من خبرات الدبلوماسيين السابقين العاملين بالولايات المتحدة والغرب، لوضع الأسس والآليات لمقاربات موضوعية ودراسات واقعية لفهم عناصر وتوجهات السياسة الأميركية ومراكز صنع القرار الاستراتيجي بها، وكيفية التعامل معها.

محمد جمعة

*الكتاب:العرب في الاستراتيجية الأميركية

*الناشر:دار التكوين ـ دمشق 2007

*الصفحات: 195 صفحة من القطع المتوسط