تنبع أهمية كتاب ملف التسلح العربي للكاتب والباحث اللبناني الدكتور نبيل خليل من تعرضه لموضوع تسلح الدول العربية المعاصرة وقيامها بصفقات الأسلحة، مستعرضا تفاصيلها من خلال ملفات ووثائق، وتطرق من خلالها إلى الدول المستفيدة منها، وما مدى جودة هذه الأسلحة العسكرية المستوردة والشروط الخاضعة لها.
وقف المؤلف أمام التاريخ المعاصر للمنطقة العربية من الحروب المدمرة لمواردها الطبيعية والبشرية التي وصلت إلى معدل حرب كبيرة واحدة خلال كل عشر سنوات بدءا من حروب الاستقلال إلى العدوان الثلاثي على مصر، ونكسة عام 1967 وحرب أكتوبر 1973، واجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 مرورا بحرب الخليج الأولى، فاجتياح الكويت وصولا إلى غزو العراق، بالإضافة إلى النزاعات الحدودية والداخلية المستمرة، والاستنزاف الفلسطيني الدائم في الانتفاضتين الأولى والثانية. وفي الإطار نفسه يؤكد الباحث على سعي الدول العربية لتخصيص ميزانيات هائلة من صادرات النفط وثرواتها الطبيعية لامتلاك أحدث الأجهزة والعتاد والتدريبات والخبرات العسكرية لدى أعظم الدول، لتنتهي صلاحيتها بعد مدة قصيرة دون أن تستخدم إلا في نزاعات حدودية مع بلدان عربية مجاورة.
وأشار خليل إلى أن تكديس الأسلحة في منطقتنا جاء إثر ما عرف بمرحلة التحرر الوطني والذي ما يستتبع في كثير من دول العالم بالتنمية والتقدم الصناعي والزراعي والاجتماعي، وهذا ما لم تشهده دولنا لوقائع كثيرا ما تلقي تبعاتها على الحرب والتهديدات التي تتعرض لها الأمة، متسائلا عن مدى صحة هذه الحجج أم أن الهدف منها قمع الحركات الشعبية المطالبة بتحقيق إنجازات على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والوحدوية باستخدامها الدرع العسكري الذي تكدس بحجة الدفاع عن قضايا الأمة ومصيرها؟
اعتمد الكاتب في دراسته هذه على أرشيفات ومراكز البحث الغربية التي تحتوي على ملفات ووثائق شبه الرسمية من الأرشيفات البريطانية والروسية والألمانية والأميركية لتفوق محتوياتها الألف صفحة على الأقل، جرى انتخابها على مراجعة دقيقة لعشرات من الملفات والمصادر شبه الرسمية،
كالتقرير الموجه من بعثة المسح والتقييم لأثيوبيا وإيران وشبه الجزيرة العربية إلى لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي، وتقارير مركز الأبحاث الاستراتيجي العالمي ومعهد ستوكهولم لأبحاث السلم الدولي ومركزي أبحاث الخليج والوحدة العربية، إلى جانب مواقع إلكترونية وإصدارات إعلامية متنوعة.
وأرجع المؤلف دراسته للوثائق الرسمية للبلدان الأربعة المذكورة حيث لم يكن العامل الرئيسي في تسليح المنطقة بهدف حمايتها من التهديدات الخارجية التي قد تأتيها من إسرائيل وإنما كان لخدمة تنافس الدول العظمى على نفوذها في المنطقة.
ويعتبر خليل أن تخصيص نسب تزيد على ثلث ميزانيات الدول الغنية في المنطقة كما تثبت الوثائق، لحماية نفوذ قوة عظمى وتواجدها في الوطن العربي على حساب قوة أخرى، وهذا ما صنفه ضمن التسلح والتسليح في سياق الحرب الباردة.
وفي سياق آخر اعتبر الباحث أن ملفات صفقات التسلح التي عرفتها المنطقة كانت بسبب مخاوف الدول العربية من بعضها البعض ومن نزاعاتها الداخلية التي شكلت موضوعا رئيسيا تناولته جميع الوثائق التي تتحدث عن أسباب ومبررات الصفقات العسكرية الموقعة مع هذا البلد العربي أو ذاك في إطار التسلح نتيجة مخاوف الدول الداخلية من بعضها البعض.
وعن الشروط التي أجريت من خلالها صفقات التسلح ذهب الكاتب إلى أنها جاءت في غالبيتها تقول بما معناه إن هذا السلاح يجب أن يحمي مصالح الدولة البائعة في البلد والمنطقة ولا يمكن استخدامه للدفاع عن البلد المشتري بل للدفاع عن نفوذ الدولة البائعة في مواجهة دول الجوار، ولا يمكن إعارته أو بيعه لدولة ثالثة قد تقع تحت نفوذ دولة عظمى مختلفة.
وفي حال الصفقات الغربية كانت غالبيتها تؤكد ضمن شروطها تحديد القدرات العسكرية للأسلحة بأنه لن تصيب أهدافا في الدولة العبرية. ويرى خليل أن تسليم الدول المصدرة أسلحة لطرفي النزاع يعتبر تسهيلا لتوقيع الصفقات والإسراع في شحن الأسلحة عندما يتعلق الأمر في صراعات داخلية أو حدودية مع بلد عربي أو إسلامي مباشر،
وتعتبر هذه الصفقات كثيرة ومتنوعة تعامل بها عدد لا بأس به من الدول العربية المتحاربة فيما بينها.وفي إطار تنافس الدول المصدرة على الصفقات يعتبرها المؤلف بأنها تميزت بالمنافسة على التسابق فيما بينها على بيع الأسلحة وتعاملت معها كصفقات تجارية محضة تورد إلى خزائنها مبالغ وإيرادات ضخمة.
ويسلط الكاتب الضوء على الفضائح والفساد في صفقات التسلح التي تعتبر موردا ماليا لبعض التجار والمنتفعين المتنفذين في السلطة على شكل خدمات وعمولات مالية على حساب جودة الأسلحة والحاجة الفعلية للدولة المستوردة.
وينقلنا خليل إلى دور التسلح الدولي لبعض الدول حيث تبين من خلال دراسته أن هناك دورا معروضا لبعض الدول العربية في التسلح الإقليمي لبعضها البعض كأن تقوم إحدى الدول بتمويل صفقة تسلح لصالح أخرى في السر أو في العلن.
ولكن الجديد هو في أن لبعض الدول العربية في التسلح الإقليمي لبعضها البعض كالأردن والسعودية دور دولي عملية التسلح كدعم السلطة أو المعارضة في هذه الدولة أو تلك من القارة الأفريقية وغيرها.
ويرى المؤلف بأن الدول المصدرة للأسلحة لا تتوانى عن عقد صفقات بيع العتاد وتقديم أي نوع من الخدمات العسكرية أو حتى تأجير وحدات قتالية بكاملها للدول المتحاربة مقابل حصولها على العائدات المالية المرجوة والتي عادة ما تترافق مع تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في كلا البلدين وهذا ما تثبته عدة وثائق بتقديم الدول الغربية والدول الشرقية على حد السواء لإسرائيل والدول العربية في آن واحد.
ومن جهة أخرى يؤكد خليل على أن التعامل العربي مع الشروط المفروضة في صفقات الأسلحة والذي لم يكن على مستوى الضغوط المفروضة على بلدان المنطقة بل كان يتسم بالتفاعل الخجول أو الإيجابي حتى في اللحظات التاريخية العصيبة التي كانت تمر بها المنطقة بما في ذلك تعرضها لحروب مصيرية.
وفي سياق آخر استعرض الباحث آثار النزاعات والحروب على التنمية في دول العالم الإسلامي، معتبرا اندفاع العديد من الدول الإسلامية إلى زيادة مخصصاتها العسكرية لشراء وصيانة الأسلحة التي كلفت بعض هذه الدول عشرات المليارات من الدولارات.
ويؤكد المؤلف على أن استمرار النزاعات بين الدول الإسلامية يعني زيادة استنزاف الموارد الوطنية، وخلق خلفيات نفسية واجتماعية جديدة لدى الشعوب تتسم بالسلبية والعدائية مثل توريث العداء لأجيالها بسبب نزاعها مع دولة إسلامية أخرى، مما يؤكد ضرورة العودة للذات وتعميق النظر الداخلي في أمانة الشعوب والأجيال.
ناهد رضوان
*الكتاب:ملف التسلح العربي
*الناشر: دار الفارابي ـ بيروت 2007
*الصفحات:349 صفحة من القطع المتوسط