مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الانجليزية لورا جيمس خريجة جامعة أوكسفورد والحائزة على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية فيها. وهي هنا تقدم صورة عامة عن ذلك المنعطف التاريخي الكبير الذي شهده الشرق الأوسط بظهور جمال عبد الناصر. فمن انتصاره الرائع في معركة السويس ضد العدوان الثلاثي إلى هزيمته المنكرة في خمسة يونيو 1967 استطاع هذا الصعيدي الفلاح أن يسيطر على الشرق الأوسط ويصبح الزعيم الأوحد للقومية العربية.
كيف حصل ذلك؟ ومن هو هذا الرجل؟ ولماذا تغيرت صورة الولايات المتحدة لديه فأصبحت عدوة بعد أن كانت صديقة؟ هذا ما تحاول المؤلفة الإجابة عنه من خلال هذا الكتاب الشيق الذي تتلاحق فصوله ويستعرض تاريخ جمال عبد الناصر الشخصي والسياسي.
ومنذ البداية تقول الباحثة الانجليزية بما معناه: لقد ولد جمال عبد الناصر في مدينة الاسكندرية عام 1918 في عائلة متواضعة لأن والده كان موظفا في البريد. ولكنه أمضى جزءاً من طفولته عند بيت عمه في القاهرة. ويبدو أن عمه كان ذا أفكار ثورية، ولذلك أثر على أفكاره فانخرط في السياسة منذ نعومة أظفاره.
وقد سجنوه وعمره لا يتجاوز السادسة عشرة بعد أن شارك في مظاهرة صاخبة ضد النظام المصري والاحتلال الانجليزي في آن معا. وكان منخرطا آنذاك في حركة مصر الفتاة التي اصطدمت بالبوليس الملكي بسبب مطالبتها باستقلال مصر.
وبعد أن تخرج من الكلية العسكرية كضابط لم يكن راضيا عن أحوال مصر الواقعة تحت الاحتلال الانجليزي من جهة وتحت سطوة نظام ملكي فاسد من جهة أخرى. ومعلوم أن الملك فاروق كان ألعوبة في يد الانجليز والقوى الخارجية عموما.
ثم شارك جمال عبد الناصر في حرب فلسطين عام 1948 وخرج من حصار الفالوجة بشكل مشرف. وعاد إلى القاهرة جريحا في الكتف وغاضبا على النظام الذي سلمهم أسلحة مغشوشة. ولهذا السبب قرر تشكيل تنظيم سري داخل الجيش للإطاحة بفاروق وتأسيس نظام جديد قادر على حماية مصر وتحريرها من التبعية الأجنبية. وكانوا مجموعة من الضباط الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم الخمسة وثلاثين عاما.
وقد نجح عبد الناصر في قلب نظام فاروق عن طريق انقلاب عسكري عام 1952. وأعلن سقوط النظام الملكي وحلول النظام الجمهوري محله.
ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن جمال عبد الناصر كان يختبئ في البداية خلف شخصية اللواء محمد نجيب الأكبر منه سنا ومرتبة في الجيش. ثم سرعان ما كشف القناع عن وجهه بصفته الحاكم الحقيقي لمصر عندما أحال نجيب إلى التقاعد عام 1954 متهما إياه بالتبعية للإخوان المسلمين. وبعدئذ أصبح رئيسا للوزراء فرئيسا للجمهورية فقائدا أوحد لمصر حتى موته عام 1970.
ولم يكن عبد الناصر شيوعيا ولا ماركسيا على عكس ما توهم الكثيرون في الغرب والشرق، وإنما كان قوميا عربيا معجبا بالتقدم الغربي وبخاصة بالولايات المتحدة الأميركية. وكان يريد أن يقيم علاقة وطيدة معها من أجل تأمين استقلال مصر عن الانجليز واستيراد التكنولوجيا المدنية والعسكرية لتحقيق نهضة مصِر. وبالتالي فعبد الناصر كان معجبا بالحضارة الغربية والمخترعات الأميركية الحديثة التي تبهر أنظار العالم.
ولم تتحول الولايات المتحدة إلى عدو إلا لاحقا، أي بعد أن خيبت آماله في تحقيق النهضة الصناعية لبلاده. فقد طلب منها أن تساعده على بناء السد العالي لإنقاذ شعب مصر ولتوسيع الأراضي الزراعية على حساب الصحراء. ولكنها بعد تسويف طويل رفضت في نهاية المطاف.
فاضطر مكرها للتوجه إلى السوفييت والشيوعيين. وعلى هذا النحو تغيرت صورة أميركا في مصر والعالم العربي. فبعد أن كانت إيجابية وجذابة أصبحت سلبية ومنفرة. ولكن ذلك لم يحصل دفعة واحدة وإنما بشكل تدريجي.
يضاف إلى ذلك أن العدو الأساسي بالنسبة لعبد الناصر كان الاستعمار الأوروبي والانجليزي تحديدا وليس الولايات المتحدة. ومعلوم أن أميركا كانت تحظى بسمعة جيدة في العالم العربي بفضل مبادئ الرئيس ويلسون التي تدعو إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها ونيل حريتها واستقلالها.
وهي مبادئ كانت موجهة ضد الاستعمار الانجليزي والفرنسي على وجه الخصوص. وبالتالي فالعدو بالنسبة لعبد الناصر كان انجليزيا بالدرجة الأولى. وقد استطاع التخلص منه عام 1956 بعد حرب السويس عندما أمم القناة في خطاب شهير. ومعلوم أن الولايات المتحدة وجهت إنذارا إلى القوات الانجليزية والفرنسية والإسرائيلية لكي توقف هجومها وعدوانها على السويس.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وهكذا خرج عبد الناصر مظفرا من أزمة السويس والعدوان الثلاثي الرهيب. ولأول مرة أخذت صورته أو شعبيته تتجاوز حدود مصر لكي تكتسح العالم العربي. وهكذا تحول من زعيم مصري فقط إلى زعيم عربي تشمل هيبته كل الأقطار من المحيط إلى الخليج. ولكن هذا التحول لم يحصل فجأة وإنما على مراحل بين عامي 1956-1960.
في الواقع أن سبب الطلاق بين عبد الناصر وأميركا يعود أساسا إلى مشكلة إسرائيل وتأثير اللوبي اليهودي على سياسة واشنطن. فقد حاول بعض قادة أميركا أكثر من مرة تلبية طلبات الزعيم المصري والعربي الصاعد والتعامل معه بكل إيجابية. ولكن اللوبي اليهودي كان يحبط هذه المحاولات في كل مرة. وبدءا من تلك اللحظة فهم عبد الناصر أنه لا أمل يرتجى من جهة الغرب وأميركا فاستدار نحو السوفييت الذين قبلوا ببناء السد العالي في أسوان.
وعندئذ تغيرت صورة العدو. فالشيوعية التي كانت تمثل بالنسبة له صورة منفرة وغير مقبولة إيديولوجيا وفكريا واجتماعيا أصبحت صديقة وذات صورة مقبولة. وأميركا التي كانت جذابة وحضارية أصبحت عبارة عن قوة إمبريالية غاشمة. وساءت صورة الحضارة الغربية عندئذ في كل أنحاء العالم العربي وانعكس ذلك على الوضع الداخلي. فالفكر الليبرالي فقد مصداقيته وكذلك النظام البرلماني وتعدد الأحزاب والانتخابات. وحل محله الفكر الاشتراكي ونظام الحزب الواحد والصحافة الواحدة، الخ.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعدئذ حصل استقطاب كبير في العالم العربي وانقسم إلى قسمين: قسم محافظ يتبع الغرب والسياسة الانجليزية أولا فالأميركية ثانيا، وقسم تقدمي يتبع عبد الناصر ويقيم علاقة جيدة مع الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية. وظل هذا الانقسام سائدا حتى حصلت نكسة الخامس من يونيو النكراء التي قصمت ظهر جمال عبد الناصر وكل القوى العربية المضادة للغرب وربيبته إسرائيل.
ولكن شعبية عبد الناصر لم تمت إطلاقا بعد الهزيمة. ولهذا السبب عاد إلى السلطة بعد استقالته مباشرة تقريبا. ثم حصلت المصالحة بين الرئيس المصري والملك السعودي فيصل بن عبد العزيز من أجل مواجهة آثار الهزيمة.
ولكن عبد الناصر لم يعش طويلا بعد النكسة الأليمة، فهمومه زادت كثيرا ومرض السكر راح يتفاقم حتى قضى على آخر ما تبقى له من قوى عام 1970. وكانت وفاته بمثابة الحدث الصاعق الذي أدى إلى نزول الجماهير العربية إلى الشوارع بالملايين ليس فقط في مصر وإنما أيضا في كل أنحاء العالم العربي.
ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة، وبعد موته ابتدأت مرحلة جديدة في حياة مصر والعرب، هي مرحلة التقارب مع الغرب والابتعاد من الاتحاد السوفييتي. وقد قاد هذه المرحلة أنور السادات. ولكن البعض يقول بأن عبد الناصر كان سيقوم بها لو عاش ومد الله في عمره أكثر.
فأوضاع العالم العربي ما عادت تحتمل هذه التوجهات الاشتراكية ذات الحزب الواحد والفكر الأوحد والصحافة المدجنة. كان العالم العربي قد أصبح متعطشا للنظام الليبرالي الحر التعددي.كما تنهي المؤلفة كتابها.
*الكتاب:جمال عبد الناصر في حالة حرب
التصورات العربية عن العدو
*الناشر: بالغريف ماكميلان
لندن 2007
*الصفحات: 256 صفحة من القطع الكبير
Nasser at war : arab images of the enemy
Laura James
Palgrave MacMillan London 2007
P.256