مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والروائي الفرنسي المعروف جيلبير سينوي، وكان قد ولد في مصر وترعرع حتى هاجرت أسرته عن بلاد النيل بعد الثورة بسبب أصولها الأجنبية وامتيازاتها وغناها. ولكنه لم يحقد على الثورة والضباط الأحرار على الرغم من ذلك. وظل وفيا لمصر التي شهدت ولادته وطفولته وحتى مراهقته الأولى حيث غادرها وعمره خمسة عشر عاما.
ومعظم كتاباته الروائية والفكرية تدور حولها. نذكر من بينها: رواية بعنوان: المصرية (1991)، وأخرى بعنوان: بنت النيل (1993)، وآخر الفراعنة، سيرة حياة محمد علي (1997)، وكتاب: حكمة الشرق (2000)، الخ. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث جيلبير سينوي عن تاريخ مصر الحديث من خلال استعراضه لسيرة شخصية الملك فاروق من جهة، وجمال عبد الناصر من جهة أخرى. من هنا عنوان الكتاب. فالملك يشبه الطفل من حيث تصرفاته ونزواته وردود أفعاله. والعقيد أو البكباشي جمال عبد الناصر يشبه القائد العسكري الذي تغلب في نهاية المطاف على الملك وخلعه عن عرشه وطرده من البلاد إلى الخارج حيث مات في روما وعمره لم يتجاوز الخامسة والأربعين. يتحدث الكتاب في البداية عن نشأة فاروق ووصوله إلى الحكم وهو في مطلع الشباب وعدم خبرته بشؤون الدولة وسيطرة المستشارين والنساء والعائلة عليه. وفيه نرى وجها آخر لمصر: أي مصر المستعمرة من قبل الانجليز والخاضعة لهيمنة الأجانب من جهة، ثم طبقة الباشوات والعائلات المصرية الإقطاعية من جهة أخرى.
وفي الوقت ذاته يقدم المؤلف الصورة الموازية لصورة الملك فاروق، أي صورة جمال عبد الناصر الذي ولد في قرية بالصعيد من عائلة فقيرة تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة. فوالده حسين عبد الناصر كان موظف بريد متنقل من مكان إلى آخر بحسب رغبة الإدارة أو المصلحة الحكومية التابع لها.
ويتحدث لنا المؤلف عن طفولته في القاهرة حيث وضعه والده عند بيت عمه لكي يدرس في إحدى مدارس العاصمة الجيدة. ويبدو أن قائد مصر القادم كان طفلا طموحا يفكر بأشياء أكبر منه دائما. ومنذ نعومة أظفاره راح يتحسس للقضايا الوطنية بفضل تأثير عمه عليه. وراح يحلم بتحرير مصر من الاستعمار الأجنبي عن طريق طرد الانجليز.
وقد شارك في المظاهرات الطلابية واعتقل أكثر من مرة. كما ويتحدث لنا المؤلف عن قراءاته العربية والأجنبية لأنه كان يتقن الانجليزية. ومن أحب الكتب إلى قلبه مؤلفات الزعيم والمفكر السوري الكبير عبد الرحمن الكواكبي صاحب الكتاب الشهير: طبائع الاستبداد. يضاف إليه كتاب آخر هو: أم القرى. ويمكن القول بأن هذا الكتاب الثاني أثر عليه كثيرا وصاغ نظرته للمستقبل.
لماذا؟ لأنه يشرح بالتفصيل أوضاع العالم العربي وسبب جموده وانحطاطه. فالكواكبي كان يقول بأن المسلمين يعيشون في حالة الانحطاط الحضاري لأنهم كسالى لا يعملون ولأنهم ناموا على التاريخ في حين أن الآخرين استيقظوا وانخرطوا في الكفاح من أجل التقدم. يضاف إلى ذلك أن العرب محكومون من قبل طغاة جائرين لا يفكرون إلا بمصالحهم الخاصة وحياتهم المرفهة مع عائلاتهم ومقربيهم. وأما الشعب فمتروك لنفسه لكي يعيش حياة البؤس والفقر.
هذا في حين أن بلدان الغرب محكومة من قبل أمراء وملوك يفكرون في مصلحة شعوبهم وتقدمها. ويخلص الكواكبي إلى النتيجة التالية: نحن بحاجة إلى قائد نزيه يفكر بمصلحة الشعب قبل مصلحته الشخصية. نحن بحاجة إلى قائد يقود الشعب نحو التقدم والنهضة والانبعاث.
عندما كان الشاب جمال عبد الناصر يقرأ هذه الكلمات كانت الرعشة تدب في كل أعضائه وجسده. كان يشعر بأنه يكاد يخرج عن طوره من شدة الحماسة والانفعال. فهل كان يعرف أنه سيصبح هذا القائد الأكبر الذي يتحدث عنه الكواكبي؟
مهما يكن من أمر فإن جمال عبد الناصر اقتنع بعد محاولات عديدة بأن أفضل طريقة لتغيير أوضاع مصر هي الدخول إلى الكلية الحربية في القاهرة. وهذا ما فعله وعمره تسعة عشر عاما. ولكن بعد أن أرسلوه إلى الجبهة عام 1948 لمحاربة الصهاينة اكتشف أن تسليح الجيش المصري هزيل جدا.
بل إن بعض الأسلحة كانت فاسدة وترتد على أصحابها بدلا من أن تصيب العدو. وعندئذ جن جنونه وعرف أن نظام فاروق فاسد من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه. وبالتالي فلا تنفع فيه الإصلاحات وإنما ينبغي قلبه واستئصاله من جذوره.
وبعد حصار الفالوجة الشهير في فلسطين وخروجه منه سالما بل ومنتصرا قرر جمال عبد الناصر العمل السري في الجيش فور عودته. وبالفعل فقد راح يشكل التنظيم السري الخاص الذي سيدعى لاحقا بحركة الضباط الأحرار. وكان من بينهم عبد الحكيم عامر والسادات وخالد محيي الدين وصلاح نصر وحسين الشافعي وسواهم عديدون.
وراح عبد الناصر يجتمع بهم لكي يتدارس معهم أوضاع مصر وكيفية التحرك في اللحظة المناسبة لإنقاذ مصر من براثن هذا الحكم الفاسد والعميل. وقد استطاع تحقيق ذلك في نهاية المطاف وكان ذلك إيذانا بفجر جديد لمصر والعالم العربي وكان أن حصلت ثورة 23 يوليو 1952، بدءا من تلك اللحظة أصبح جمال عبد الناصر هو الحاكم الفعلي لمصر وإن كان يختبئ وراء شخصية اللواء محمد نجيب.
ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن نجيب كان أكبر في السن والمرتبة العسكرية ولذلك كان مقبولا من المجتمع والطبقة السياسية أكثر من البكباشي عبد الناصر. وقد استمر الوضع كذلك حتى عام 1954 عندما خلع القائد الحقيقي القائد الظاهري وجرده من جميع مناصبه.
وهكذا أصبح عبد الناصر في الواجهة. وقد حاول إقامة علاقات جيدة مع الأميركان لأنه كان يحب حضارتهم وكونهم غير مستعمرين على عكس الانجليز والفرنسيين. وتجاوب معه الأميركان كثيرا في البداية. ولكن اللوبي اليهودي في أميركا تصدى لهذه العلاقة ومنعها من التطور أكثر من اللزوم. وهكذا خابت آمال جمال عبد الناصر بالأميركان بعد أن رفضوا تزويده بالأسلحة أو بالمال لبناء السد العالي.
ولذلك اضطر للتوجه نحو السوفييت، وهكذا دخل الروس إلى المنطقة كخبراء عسكريين وكمهندسين كبار لبناء السد العالي. ومنذ ذلك الوقت بدا واضحا أن المنطقة العربية انقسمت إلى قسمين: قسم يقوده عبد الناصر بدعم من الكتلة الشيوعية، وقسم يقوده الملك السعودي بدعم من الكتلة الغربية.
ولكن ينبغي ألا ننسى أن العدو الأساسي بالنسبة للعرب جميعا كان هو: إسرائيل. وبالتالي فمعركة عبد الناصر الأساسية كانت معها. وإذا كان قد انتصر عليها سياسيا بعد أزمة السويس الشهيرة عام 1956 إلا أنها وجهت له الضربة القاضية عام 1967 حيث حصلت الخديعة الكبرى.
ويرى المؤلف أن جمال عبد الناصر نجح في أن يكون القائد الأوحد للعرب أو للقومية العربية. ونجح في تشكيل الوعي القومي العربي كما لم ينجح أي حاكم من قبل. ونجح في الإطاحة بطبقة الباشوات والإقطاعيين وإدخال الشعب في حركة التاريخ بعد أن كانت المناصب حكرا على الأعيان والأثرياء.
لقد نجح في أشياء كثيرة وحقق قفزة نوعية إلى الأمام. ولكنه فشل في بناء مجتمع سياسي ديمقراطي تعددي حر. فنظام الحزب الواحد تشكل في عهده، وكذلك نظام المخابرات الذي يحصي على المواطنين أنفاسهم.
وإذا كان عبد الناصر رجلا نزيها وشهما إلا أن الطبقة الطفيلية التي تشكلت حوله لم تكن كذلك. والواقع أنه تشكلت طبقة شرهة من المنتفعين وحلت محل طبقة الباشوات والباكوات القديمة.
*الكتاب:مذكرات من مصر
العقيد والملك الطفل
*الناشر:جان كلود لاتيس
باريس 2007
*الصفحات:350 صفحة من القطع الكبير
Mémoires d'Egypte, le colonel et l'enfant-roi
Gilbert Sinoué
J. C. Lattès- Paris 2007
P.350