مؤلفة هذا الكتاب هي البروفيسورة إيزابيل كوهل أستاذة تاريخ الفن في الجامعات الألمانية. وهي تقدم هنا صورة شخصية حية عن فان غوخ الإنسان. ومعلوم أنه غيّر كل مناهج الفن وأساليبه في القرن التاسع عشر من خلال اللوحات الخالدة التي رسمها طيلة بضع سنوات فقط. فمن هو هذا الفنان العبقري يا ترى؟
عن هذا السؤال تجيب المؤلفة قائلة: البعض يعتبره أهم فنان في تاريخ أوروبا وليس في القرن التاسع عشر فقط، والبعض يقول بأنه من أهم الفنانين على مر العصور بالإضافة إلى مونيه، ورينوار، وبيكاسو، وسلفادور دالي، وبعض الآخرين.
وعلى الرغم من أنه لم يعش أكثر من سبعة وثلاثين عاما إلا أنه استطاع أن يحدث ثورة في فن الرسم أو في الفن التشكيلي كما يقال حاليا. ورسم لوحات رائعة تباع الآن بملايين الدولارات في حين أنه كان يتضور جوعا! ومات وهو غير معروف ودون أن يستمتع بشهرته وأمجاده.
لقد ولد فانسان فان غوخ في قرية صغيرة بهولندا عام 1853 ومات في قرية بفرنسا عام 1890. ولم يتح له أن يستمتع بشهرته وعبقريته كما قلنا لأنه مات قبل أن يعرف الناس من هو بالضبط وما هي عظمته وعبقريته. وهو الذي أرهص بالمذهب الانطباعي في الفن بل ودشنه حتى قبل أن يولد على يد الكبار من أمثال رينوار، ومونيه، ومانيه، وسواهم. أو قل أنه رافقه واحتضنه ثم تجاوزه.
وقد ولد في عائلة بورجوازية عريقة تعود إلى القرن السادس عشر والسابع عشر. وهو أكبر إخوته الستة ولكن أخاه ثيو فان غوخ الذي يصغره بأربع سنوات كان أقوى منه في الحياة وأكثر نجاحا. ولذلك فقد ساعده لاحقا كثيرا سواء من الناحية المادية أو المعنوية والنفسية. ولكنه تخلى عنه أيضا لأسباب شخصية كما سيرد لاحقا.
وفي عام 1876، أي عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره أحس بأنه مدعو لأداء مهمة أو رسالة روحية وأخلاقية في الحياة. فالتحق بالعمال البائسين في منطقة مناجم الفحم ببلجيكا. وراح يرشدهم إلى الطريق المستقيم ويعلمهم مبادئ الدين والإيمان. وقد استطاع أن ينقذ أحد العمال عندما سقط عليه الركام وهو في أعماق المنجم.
وراح يهاجم أرباب العمل الذين يستغلون بؤس عمال المناجم ويقول لهم: هذا مضاد للإنجيل. هذا استغلال غير مقبول على الإطلاق. انظروا إلى عائلاتهم وأطفالهم كيف يعيشون في الفقر المدقع. وعندئذ اعتبره البورجوازيون بمثابة رجل مشاغب بل وثوري خطر. ولذلك سرحوه من عمله وطردوه من المنطقة لكيلا يؤلّب العمال عليهم.
وقد ظلت صور عمال المناجم بكل فقرهم وبؤسهم محفورة في مخيلته. وسوف ينعكس كل ذلك لاحقا على لوحاته عندما ابتدأ يرسمها. سوف يعبر في بعضها عن حياة الناس البسطاء الذين كان يشعر دائما بأنهم الأقرب إلى قلبه. وهنا تكمن عظمته في الواقع. فالتراجيديا الإنسانية تقع في الصميم من أعماله.
وإحساسه بآلام الفقراء والمسحوقين والمستضعفين كان كبيرا بقدر ما كان قلبه كبيرا وحسّه الإنساني عظيما. وبالتالي فإن فانسان فان غوخ لم يكن رساما عبقريا فقط وإنما كان أولا وقبل كل شيء إنسانا. وبالتالي فهو أكثر عظمة بكثير من بيكاسو لأنه أكثر إنسانية.
والدليل على ذلك أنه اختلف مع والده وعائلته البورجوازية ذات التقاليد الطبقية الراسخة. فطرده والده من البيت لأنه يحتقر الأغنياء ولا يحب إلا الفقراء ثم لأسباب أخرى أيضا. وبعدئذ فشل في الحب أكثر من مرة وشعر بأنه غريب في هذا العالم وغير قادر على الانسجام مع طبقته أو عائلته أو مجتمعه.
لقد أحس فان غوخ أنه في جهة والعالم كله في جهة أخرى. وبين عامي 1882-1883 درس فن الرسم بشكل جيد في مدينة لاهاي. وفي ذات الوقت اطلع على كتابات كبار الأدباء من أمثال بلزاك، فيكتور هيغو، اميل زولا، تشارلز ديكنز.
وقد عمقت هذه القراءات أفكاره وزادته ثقة بتوجهه في الفكر والحياة. ثم فجأة جاءه الإلهام واكتشف تلك الموهبة العبقرية للرسم في أعماقه. وراح يرسم لوحة بعنوان: أكلة البطاطا. وكانت أولى روائعه الفنية. وكان ذلك عام 1885، وهي تصور أناسا بسطاء يأكلون البطاطا.
وبعدئذ شعر بأن التعرف على باريس ومدارسها الفنية أصبح ضروريا لكي تتفتح عبقريته تماما. ومعلوم أن باريس كانت آنذاك عاصمة الفن والجمال، فجاء إليها لكي يستقر فيها من عام 1886 إلى عام 1888. ولحسن الحظ فإن أخاه ثيو فان غوخ كان مقيما هناك أيضا ويشرف على بعض القاعات الفنية (الغاليري).
وهناك تعرف على معظم الفنانين الكبار واستفاد منهم ومن تجاربهم وتقنياتهم الجديدة في الرسم. وكان من بينهم الفنان الشهير غوغان.
ولكنه في عام 1888 قرر مغادرة باريس والذهاب إلى جنوب فرنسا حيث توجد الأضواء والظلال والمناظر الخلابة للمنطقة القريبة من البحر المتوسط. ومعلوم أن الرسامين بحاجة إلى أضواء جديدة ومناظر ساطعة لكي يستطيعوا أن يرسموا لوحاتهم الرائعة. ولذلك فإن بعضهم لا يكتفي بالذهاب إلى جنوب فرنسا وإنما يقطعون البحر ويذهبون إلى دول المغرب العربي كتونس والجزائر والمغرب حيث يبدو النور أكثر قوة وسطوعا وجاذبية.
ولكن يبدو أن سبب مغادرته لباريس لا يعود إلى ذلك فقط وإنما إلى زواج أخيه الذي اقترب. وقد أحس بأن أخاه هجره وسوف يتخلى عنه بالضرورة لكي يتفرغ لتربية عائلته. وبما أنه كان حساسا جدا، بل وبشكل مرضي، فإنه قرر الابتعاد والذهاب إلى جنوب فرنسا الساحر كما قلنا. وقد استقر في مدينة تدعى «آرل» وسحر منذ البداية بها وبمناخها وأجوائها وبالأخص أنوارها المتوسطية. وراح يجوب المنطقة طولا وعرضا سيرا على الأقدام لكي يتعرف عليها ويرسم مناظرها الطبيعية وبخاصة في موسم الحصاد أو فصل الصيف. ولذلك فإن لوحاته مليئة بصور الحقول والفلاحين والأزهار.
ولكنه شعر بالوحدة والعزلة بعد فترة من الزمن، فاستدعى صديقه غوغان من باريس وأغراه بالإقامة معه في مدينة آرل. وهذا ما حصل. وراحا يرسمان معا لوحاتهما الخالدة. ولكن لسوء الحظ فإن كل واحد منهما كان عصابيا جدا وعلى حافة الجنون.
وفي إحدى المرات اندلعت بينهما مشادة عنيفة دفعت بفان غوخ إلى حد الهجوم على غوغان لقتله! ولكن لحسن الحظ فإنه لم يتمكن من ذلك، وبعد أن هدأت العاصفة راح يعتذر منه عن طريق قطع أذنه وإهدائها إلى إحدى الغانيات. وهكذا أصبح فإن غوخ بأذن واحدة لا أذنين.
وعندئذ شعر الناس بأنه ابتدأ يفقد أعصابه بالفعل وخافوا منه على أنفسهم أو على أولادهم. ولذلك قدموا عريضة إلى السلطات العامة لسجنه في مشفى الأمراض العقلية. وعندما وصلت الأمور إلى مثل هذا الحد من التدهور فكر في الانتحار ووضع حدا لحياته التي أصبحت جحيما لا يطاق بسبب المرض النفسي الذي ينخر فيه من الداخل.
ولكن لحسن الحظ فإنه لم ينتحر فورا، ففي تلك الفترة بالذات اشتعلت عبقريته بشكل كبير جدا ورسم بعضا من روائع الفن العالمي وهو على حافة الجنون. وهي أجمل لوحاته.
ثم تضيف المؤلفة قائلة: وفي تلك الفترة اشترى منه أحدهم إحدى لوحاته لأول مرة. ودفع له مبلغ ثمانين فرنك. ولكنها الآن لا تباع بملايين الدولارات. وقد شعر بالفرح لأن أحدا اهتم به أو تنازل واشترى إحدى لوحاته.
فهل كان يعلم أنه عبقري العصر وأن لوحاته بعد موته سوف تباع بثلاثمائة مليون دولار للوحة الواحدة؟
مهما يكن من أمر فعندما سمع أخوه بتفاقم مرضه النفسي أتى به إلى باريس واستأجر له غرفة كبيرة في الضواحي الجميلة وطلب من أحد الأطباء النفسانيين الإشراف عليه مباشرة ومعالجته بقدر الإمكان.
ولكن أخاه ارتكب الخطيئة القاتلة بعدئذ. فقد عبّر له عن رغبته في مغادرة فرنسا والعودة إلى الوطن الأم: هولندا. وعندئذ شعر فان غوخ بأنه سيصبح مهجورا للمرة الثانية. وبما أنه كان ضعيفا من الناحية النفسية وبحاجة إلى كتف يتكئ عليه فإن ذلك عجّل في انهياره.
وفي أحد الأيام وكان يرسم في حضن الطبيعة أطلق رصاصة من مسدس في صدره. ومات بعد ذلك بيومين وهو في حضن أخيه الذي بكاه بكاء مرا، ولكن بعد فوات الأوان. وهكذا انتهت حياة أكبر فنان في العصور الحديثة: الفنان الذي رسم لوحات خالدة: كحقل من القمح، أو الطاحونة القديمة، أو أزهار السوسن، أو الليلة المرصّعة بالنجوم...
*الكتاب:أنا، فان غوخ
*الناشر:بريستيل بوبليشنغ
لندن، نيويورك 2006
*الصفحات:143 صفحة من القطع الكبير
I Van Gogh
Isabel Kuhl
Prestel Publishing- London- 7002 kroY weN
P.143