تهدينا إيزابيل الليندي «حصاد الأيام» من موقعها كامرأة وكاتبة في هذا المؤلف الجديد. فلقد دأبت على أن تروي لنا ما يستجد من فصول سيرة حياتها وحياة عائلتها الفريدة في كاليفورنيا، حيث يعيشون في منزل يغص بالناس والشخصيات الأدبية، منزل فيه بنات فقدن وأحفاد وكتب يولدون، نجاحات وآلام، رحلة إلى عالم الإدمان وأمكنة أخرى قصية عن العالم بحثاً عن الإلهام.

العائلة التي يكتشفها قراؤها في «باولا» والتي تنتسب إلى شخصيات «بيت الأرواح» هي نفسها بطلة «حصاد الأيام». بمناسبة هذا الإصدار، أجرت صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية حوارا مع الكاتبة التشيلية فيما يلي نصه:

* العائلة محور «حصاد الأيام ». ما هو باعتقادك دور العائلة في العالم الحالي؟

ـ العائلة التقليدية آخذة بالتلاشي في البلدان المتطورة صناعيا، لكنها لا تزال محور المجتمع في بقية أنحاء العالم وذلك مع وجود جميع المزايا والمضايقات التي يستلزمها ذلك النوع من العائلات.

أما في الثقافة الغربية الحديثة فإن العائلة قد تغيرت بالكامل، إذ لم تعد تتوافق مع النماذج القديمة واعتقد أن كتابي يشكل مثالاً جيداً على ذلك. وبالنسبة لي، فلدي عائلة مركبة فيها إضافات وترقيعات وحالات تبني أناس لا تربطهم أي صلة قربى أحيان وينتمون إلى أعراق ومعتقدات وأمزجة متباينة.

ونحن نعيش سوياً لأننا نحب بعضنا بعضاً رغم المشاجرات والمشكلات التي لا تغيب أبدا. فالعائلة تعطينا الأمن والحماية والرفقة كما تثير أعصابنا، لكن ما كان بوسعي العيش من دونها.

* ما الذي يعنيه أن تكون المرأة أماً؟

ـ أشعر وأنا بهذا العمر أني أم لأناس كثيرين وليس لباولا ونايكو فحسب. فأنا أم روحية وامرأة ناضجة تضطلع بمهمة رعاية الشبان وتسهيل أمور الحياة عليهم كي لا يتعثروا كثيراً مثلما تعثرت في رحلة حياتي.

أشعر بأني الأم الروحية لولدي نايكو ولوري وبأني المرأة الظريفة والمقدرة في حياتهما وفي حياة أحفادي وحياة جولييت وأبنائها (جولييت مساعدتي) وحياة أبناء زوجي والآن والداي، اللذان أصبحا عجوزين وضعيفين، وحتى في حياة زوجة نايكو الأولى على الرغم من أنهما مطلقان منذ أكثر من عشر سنوات. وأنا أقوم بدور الأم المدللة لأولادها بفخر ورغبة جامحة، ولا أشعر قط أن ذلك يشكل حملاً أو مسؤولية ثقيلة.

* من بين كل الأدوار التي عشتها في كنف العائلة، أي الأدوار أقرب إلى قلبك؟

ـ عندما أنهيت هذا الكتاب، فهمت أن أقوى طباعي هو الأمومة، التي أمارسها بنشاط لا ينضب ورضا مطلق، لكن أكثر ما أستمتع به هو علاقتي الغرامية مع ويلي. وإذا كان علي الاختيار بين النوم إلى جانب أحفادي أو إلى جانب زوجي فأنا أفضل الخيار الثاني.

* هل الحياة ممكنة من دون حب الرجل؟

ـ أفترض أن الحياة ممكنة من دون حب الرجل، لأن هناك الكثير من أشكال الحب الأخرى التي يمكن أن تملأ الروح وتشغل الأيام، بدءاً بالعائلة وحتى خدمة المجتمع، لكن لحسن الحظ أني عشت دائماً معشوقة. وأنا أكمل في هذه الأيام 65 عاماً من عمري وأشعر بأني معشوقة تماماً مثلما كنت في سن الخامسة عشرة. وأحفادي يرون أن ذلك مدعاة للحرج ويفضلون التستر على هذا الجانب من حياتي حتى لا يطلع عليه أصدقاؤهم.

* ما رأيك بالخيانة الزوجية ؟

ـ توجد كافة أنواع الاتفاقات والعهود بين الأزواج، بما في ذلك الحب الحر. وأنا كنت قد جربت الخيانة وهي لا تناسبني، لأني أنتهي إلى الوقوف في المنتصف حيث يصبح حبي مناصفة. ولقد اتفقنا أنا وويلي منذ البداية على بناء علاقة تقوم على عدم تعدد الأزواج وأنا كنت وفية لذلك الاتفاق بشكل مطلق.

وليس بمقدوري اللعب في النار بسببه، لأنه لم يثر في أسباب الغيرة. في السابق كنت اقول له إنه إذا فاجأني بالخيانة، فإني كنت سأقتله هو وأبنائي والكلب. لكنه ادخل قليل من السكينة إلى قلبي الآن، ويبدو لي أن تلك كانت ردة فعل مبالغ فيها بعض الشيء، لأنه كان سيتعين علينا فيما بعد تنظيف برك الدم.

* ثمة عنصر مهم في «حصاد الأيام» يتمثل في وجود عدة ديانات وحتى معتقدات شخصية. ما هو دور الدين في الحياة؟

ـ لا أنتمي إلى أي ديانة منظمة، لكن لدي ممارسة روحية يومية وأكن احتراما لجميع الأديان، على الرغم من أنها تفزعني تلك الأصولية التي تكتسح حاليا جميع الديانات التوحيدية تقريبا.

* حالات الإدمان تظهر بدورها على مدار الكتاب. كيف يجب برأيك مواجهة هذه المشكلة؟

ـ بعد أن عايشت طوال 20 عاما حالات إدمان أبناء ويلي وتبعاتها الرهيبة، أعتقد أنه لا بد من تقنين المخدرات والسيطرة عليها، تماما مثلما يتم التعامل مع العقاقير والأدوية. والجانب الأسوأ في الإدمان هو الجريمة والفساد والمال الوسخ الذي يمول الرذيلة، فضلا عن واقع أن المدمنين ينتهون متحولين إلى أسمال إنسانية مهمشة عن المجتمع مع اقل قدر من المساعدة والتعاطف، مع أنهم بحاجة إلى مساعدة وليس إلى عقاب.

* أين هي جذورك بعد 30 عاما قضيتيها بعيدا عن موطنك الأصلي تشيلي؟

ـ جذوري ضاربة بشكل راسخ في ويلي وأسرتي وكتبي.

* ما الذي تعنيه الكتابة بالنسبة لإيزابيل الليندي؟ كم من الخيال وكم من الواقع يوجد في أعمالك؟

ـ الكتابة تسمح لي، إلى حد ما، بتوضيح بلبلة الحياة. فعن طريق تسمية الأشياء أتمكن من فهمها وتذكرها ولذلك كانت هذه المذكرات مهمة للغاية بالنسبة لي. وبالكتابة عن عائلتي تمكنت من رؤية العلاقات التي تربط بين أفرادها من منظور صحيح وإدراك حالات التوتر والتيارات العميقة التي تقودنا إلى وجهات متباينة، كما أني توصلت إلى معرفة أفضل لكل فرد من العائلة، الذين لديهم جميعا رواية خاصة للأحداث ولقد حاولت خلطها بطريقة متوازنة، الأمر الذي لم يكن ممكنا دائما.

بصورة عامة، أنا اكتب الرواية بحيث أن هناك مكونا رفيع المستوى من الخيال في جميع كتبي، لكن في «حصاد الأيام» كما في «باولا» انشغلت بالاقتراب أكبر قدر ممكن من الحقيقة والواقع. وفي كلا العملين يتعلق الأمر بكتب شخصية للغاية وذاتية جدا. وهما كتابان مكتوبان انطلاقا من العاطفة والذكرى.

* هل تعتقدين أن «حصاد الأيام» قد يكون صالحا في مساعدة أشخاص آخرين لديهم مشكلات عائلية مثلما حدث مع الكثير من القراء الذين يجدون أنفسهم في قصة «باولا»؟

- لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال، لأنه ليس لدي فكرة عن كيفية استقباله من قبل جمهور القراء، مثلما لم أكن أعرف ذلك في حالة «باولا». لكني كتبت هذا الكتاب على سبيل الطهارة من دون تخيل كيف سيكون وقعه لسنوات على كثير من الناس في جميع أنحاء العالم.

لكني لا أزال أتلقى رسائل من قراء متأثرين بقصة ابنتي. أي أوتار يمكن أن يهزها «حصاد الأيام» ؟ ذلك ما ستكشف عنه الأيام.

* بعد كل المعاش والمروي في «حصاد الأيام»، ما هو الحلم المتبقي والمأمول تحقيقه؟

ـ لا يخطر ببالي أي حلم واقعي. أحلم بأن أحظى برجلين طويلتين، على سبيل المثال، لكن ذلك كالحلم بأنطونيو بانديراس. وأحيانا أصبح جزعة لأن الكتاب الذي أكتبه ربما ضل طريقه أو لأن ثمة فعاليات كثيرة في أجندتي ولم يتبق لي وقت حتى لأتنفس، وبالتالي فإني اقول بصوت مرتفع إني «احلم بإحالة نفسي على التقاعد».

لكن ويلي وبقية أفراد أسرتي يصابون بالهلع عندما يسمعونني أقول هذا، لأن الفكرة هي أنهم لا يريدون أن يتخيلوني كيف أتصرف وأنا عاطلة عن العمل وأتدخل في حياتهم وأعطيهم أوامر وأغير ديكور المنزل وابتكر مشروعات تشملهم جميعا، تلك الفكرة ترعبهم. لكن ذلك ليس صحيحا فأنا لا أحلم بالتقاعد، أنا احلم بمواصلة الكتابة والحب والقرب من عائلتي حتى نهاية أيامي.

محطات في مسيرة الليندي

ولدت إيزابيل الليندي في 2أغسطس 1942 في ليما، حيث كان والدها يؤدي مهمة دبلوماسية ولمع نجمها على الصعيد العالمي بفضل روايتها الأولى «بيت الأرواح» الصادرة عام 1982، التي تضم بين دفتيها أكثر من نصف قرن من تاريخ بلدها تشيلي، ولقد ترجمت إلى أكثر من 27 لغة ويكتمل هذا العام ربع قرن على صدورها.

والد إيزابيل كان الدبلوماسي التشيلي توماس الليندي، الشقيق الأول للرئيس سلفادور الليندي، الذي أطيح به عام 1973 على يد الديكتاتور اوغوستو بينوشيه عن طريق انقلاب عسكري قتل خلاله الرئيس ورحلت عائلة إيزابيل عن البلاد لتعيش في المنفى بين فنزويلا واسبانيا إلى أن عادت بعد مرور 15 عاما إلى أرضها في عام 1990 لاستلام جائزة غابرييلا ميسترال.

وراحت تمضي في دروب «أشباحها» في روايتها الشهيرة، ومن ثم هلت عناوين أعمالها الأخرى، فأهدت المكتبة العالمية العديد من العمال الأدبية على غرار «ابنة الحظ» و«بيت الأرواح» و«صور عتيقة» من بين أعمال كثيرة أخرى.

باسل أبو حمدة