مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عبد الحميد حمودة، أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، له العديد من المؤلفات في الحقل التاريخي عموماً والإسلامي بوجه خاص، مثل: تاريخ الدولة الأموية، وتاريخ الدولة العربية الإسلامية، وتجارة القمح في مصر الفاطمية.
يستعرض الكاتب بدايات الفتح الإسلامي للمغرب العربي، ونظم الحكم فيه، وانعكاسات تغير الخلافة على طبيعة الحكم فيه، مع استعراض للدول التي حكمت بالمغرب وحتى قيام الدولة الفاطمية. يتناول المؤلف طلائع الفتح الإسلامي بداية من حملة عمرو بن العاص، الذي ما إن فرغ من فتح مصر حتى هب لمساعدة أهالي برقة وفزان ، وطرابلس التي فتحها عقبة بن نافع في نفس العام. ثم تبعها فتح صبراته وودان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. ومع تولي الخليفة عثمان بن عفان استمرت مسيرة الفتوحات الإسلامية وأمر عبدالله بن أبي سرح بتجهيز حملة لذلك الغرض. وتم فتح بنزرت وجربة وجلولاء التي فتحها عبد الملك بن مروان. ثم بدأت مرحلة تثبيت الفتح الإسلامي بولاية عقبة بن نافع ومعها بدأ تأمين المناطق الصحراوية والساحلية ضد الأخطار المحتملة، كما شرع عقبة في بناء مدينة القيروان لتكون أول قاعدة إسلامية في أفريقيا. كما تم الزحف على المغرب الأوسط إلى مدينة تلمسان لمهاجمة قبائل البربر للقضاء على بقايا المقاومة، ثم تبعه فتح قرطاجنة وتسليم جزيرة شريك بعد قتال عنيف مع قوات الروم.
ومع التوغل الإسلامي في إقليم الزاب بدأ البربر يشعرون بمدى خطورة الوضع على قواعدهم الصحراوية، وحاولوا التنسيق مع قوات الروم، إلا أن ذلك لم يمنع من هزيمتهم وسقوط المغرب الأقصى في أيدي المسلمين بفتح مدينتي سبتة وطنجة.
وبعد أن دان المغرب للفتح الإسلامي تم تأسيس الدولة بشكلها الحضاري فبدأ تعمير المدن مثل مدينة تونس ، وإنشاء الدواوين، والاهتمام بالصناعة. كما كان النشاط البحري مقدمة لفتح الأندلس على يد موسى بن نصير وطارق بن زياد والي طنجة في موقعة وادي لكة.
كما يشرح الكتاب بالتفصيل أوضاع بلاد المغرب في عصر الولاة، والمقصود به توقف دار الخلافة في (بغداد ـ دمشق) عن إرسال ولاتها إلى القطر، حيث تتغلب شخصية طموحة قوية على زمام الأمور في تلك البلاد البعيدة ويبدأ بتأسيس كيان مستقل إلى حد كبير، معتمداً على قدراته الذاتية في حمايته وتنميته.
وقد يكون هذا الكيان مستقلاً تمام الاستقلال كما هو الحال بالنسبة للدولة الأموية في الأندلس ، ودولة الأدارسة بالمغرب الأقصى ، وقد يكون مرتبطاً بسياسة الدولة المركزية مع تمتعه باستقلال ذاتي واسع، وقدرة كاملة في إدارة كيانه، كدولة الأغالبة ،والذي يعتبر قيامها نهاية لعصر الولاة بالمغرب والذي انتهى بالنسبة للمغرب الأوسط بقيام دولة بني رستم في تاهرت، وبالنسبة للمغرب الأقصى بقيام دولة الأدارسة، وبالنسبة إلى أفريقيا بقيام دولة بني الأغلب.
ويرى الكاتب أن هناك عدة عوامل قد تضافرت لانتشار الإسلام بالمغرب العربي ، مثل: إعمال الحكام للخيارات الثلات (الإسلام ـ الجزية ـ الحرب) ، وفتح الأندلس، ودخول البربر في الإسلام، ودور الفقهاء والوعاظ والمساجد والكتاتيب. كما كان للتعريب دور كبير في انتشار الإسلام، حيث حدث التعريب اللغوي أولاً ثم التعريب الجنسي والذي ساهم في اختلاط الجنس العربي بالجنس المغربي بما يحتويه من بربر ويهود.
كما كان السبي والرق شكلاً من أشكال الهجرة من بلاد المغرب إلى البلاد العربية الأخرى، بما يعني مزيداً من الاختلاط والانتشار. وعلى المستوى التنظيمي يتحدث المؤلف عن الهيكل التنظيمي للحكم الذي تكون من هرم سلطوي على رأسه الوالي (الأمير)، يساعده في الحكم مجموعة من الدواوين المتخصصة.
وتم تقسيم ولايات أفريقية إلى : برقة وطرابلس ـ المغرب الأدنى (أفريقية) ـ المغرب الأوسط ـ المغرب الأقصى (السوس الأدنى والسوس الأقصى). علاوة على نظامي القضاء والشرطة. وفي استعراضه للدول الأكثر تأثيراً في كتابة تاريخ المغرب العربي، يشير المؤلف إلى دولة الأغالبة ، حيث أرادت الدولة العباسية أن تضع حداً لنصف قرن من الزمن في إخماد الفتن إبان عصر الولاة، مما أوشك معه المغرب على فقدان هويته العباسية.
وكان قيام تلك الدولة بالمغرب تجربة جديدة في لا مركزية الحكم في أقاليم الدولة. وقد اختار الخليفة هارون الرشيد على المغرب إبراهيم بن الأغلب ليحكمها حكماً شبه مستقل في نظير مبلغ من المال بمثابة جزية تدفع لخزينة الخلافة، مع التعهد بالبقاء على الولاء والطاعة للدولة العباسية.
ويستطرد الكاتب في وصف مناحي الحياة بتلك الدولة من استعراض للنشاطات الزراعية والصناعية والتجارية، وشرح للنظم المالية، والرقابة على الأسواق في مدينة القيروان، مع تفصيل وافي لنظام العدل والقضاء، مع تناول الحياة الثقافية والاجتماعية، وبيان أهم المنشآت في عهد الأغالبة مثل: المسجد الكبير بالقيروان، ومسجد سوسة الجامع، ومدينة القصر القديمة.
كما يتحدث الكاتب عن دولة الأدارسة نسبة إلى إدريس بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب. وقد أقام الأدارسة بالمغرب الأقصى حضارة امتدت لقرنين من الزمن، رسخت فيهما مفهوم الدولة بالمعنى الحديث، حيث اشتمل نظام الحكم على الإمامة التي فضلها الأدارسة على الإمارة أو الخلافة باعتبارهم من آل البيت. كما استعانوا بالمستشارين والوزراء والكتبة والقضاة الذين كانت أحكامهم وفقاً للمذهب المالكي.
كما تنوعت الحياة الاقتصادية مابين الزراعة والتي انقسمت فيها ملكية الأرض إلى الملكية العامة والملكية الخاصة وأراضي الاحتباس. وبالنسبة إلى الصناعة فقد حرص الأدارسة على تطويرها معتمدين على الحرفيين العرب الوافدين من الأندلس والمشرق وكذلك على اليهود والفرس، علاوة على ثراء ووفرة المناجم خاصة مناجم درعة.
وعلى المستوى التجاري برزت مدينة فاس كمحطة تجارية عالمية تفد إليها القوافل من كافة البلدان.
وعن التشييد والعمارة فإن بناء مدينة فاس ، ومستوى العمارة بها، بل ودقة اختيار موقعها على الطريق الساحلي الموازي للمحيط الأطلسي والمغرب الأوسط وعلى الطريق المؤدي جنوباً إلى بلاد السودان الغربي، يعبر عن اهتمام شديد بالعاصمة الحضارية للدولة.
وأخيراً يتحدث المؤلف عن قيام الدولة الفاطمية بالمغرب، مركزاً على العوامل التي دفعتهم لاتخاذ شمال أفريقيا مقراً لهم، وهي: بعد بلاد المغرب عن السلطة المركزية لدولة الخلافة سواء ببغداد أو دمشق، وعدم ارتباط مسلمي أفريقيا بالأمويين أو بالعباسيين، بل أن الرشيد نفسه قد تركها لبني الأغلب ليحكموها بشكل شبه مستقل، وتذمر أهل أفريقيا من الولاة بسبب المغالاة في فرض الضرائب.
وضعف الدولة العباسية وعجزها عن إصلاح شؤونها في الولايات القريبة، فما هو الحال بالنسبة للولايات البعيدة في أقصى أطراف الدولة الإسلامية.وقد دانت بلاد المغرب لمؤسس الدولة الفاطمية عبيد الله المهدي بزوال ملك بني الأغلب عن أفريقيا، وملك بني مدرار عن سجلماسة، وملك بني رستم عن تاهرت.
ودخل عبيد الله إلى رقادة ولقب بالمهدي أمير المؤمنين. وشرع في تنظيم أمور الدولة فأقام الدواوين وحصل الأموال، وعين الولاة على أقاليم أفريقيا، ونظم الخراج، وضرب العملة، وأنشأ بيت المال، ونظم العطاء، وأنشأ مدينة المهدية ، لتكون عاصمة الدولة.
وقد توفي المهدي عام 322ه، وخلفه ولده القائم بأمر الله، ثم المنصور بالله، ثم المعز لدين الله الذي تولى الخلافة عام 341ه- 952م، وقد نقل المعز مقر الخلافة من المغرب إلى مصر بعد أن فتحها جوهر الصقلي.
*الكتاب:تاريخ المغرب في العصر الإسلامي
*الناشر:الدار الثقافية للنشر
القاهرة2007
*الصفحات:432 صفحة من القطع الكبير
محمد جمعة