مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور مصطفى عبدالغني الكاتب الصحفي بمؤسسة الأهرام للصحافة وقد أصدر من قبل عدة كتب منها كتاب حول الاستشراق وآخر حول طه حسين. ويأتي كتابه الجديد ليكون أول دراسة تولي قضية رقابة الشبكة المركزية الأميركية اهتماما خاصا.
فعلى الرغم من انعقاد أكثر من قمة لمجتمع المعلومات في جنيف 2003 وتونس 2005 فإن أحدا لم يستطع الإجابة على السؤال كيف تفرض رقابة أكثر ديمقراطية على الإنترنت، وكيف تستمر رقابة إمبريالية شرسة وعاتية على أقطارنا العربية والإسلامية؟ وبقية دول العالم ما يجعلنا نعيش ما يصفه المؤلف بنوع من الاستعمار الجديد يتم من خلاله استبداله السيطرة الاوروبية على الطرق البحرية الأوروبية في القرن التاسع عشر بالسيطرة بالتفوق الإستراتيجي عبر الشبكة.
يشير المؤلف بداية إلى أن الرقابة على الإنترنت لم تعد تنسحب فقط على عدد من الحكومات العربية وحسب وإنما تجاوزتها الى القوى العالمية وهذا هو المهم والأخطر في ضوء أن الرقابة الخارجية تملك من الوسائل التقنية الكثير وتسعى بما تملك من جنون القوى إلى محاولة إخضاع مستقبل الأمة.
وفي تعريفه لمفهوم الرقابة على الإنترنت يشير إلى أنها دخول قوة أو وسيلة من وسائل قوة معادية إلى مكان افتراضي موجود على الشبكة العالمية للمعلومات لا يملكه وليس مسموحا له بذلك ويقوم بالاستيلاء على كافة المعلومات والبيانات التي يستحوذ عليها بما يحول دون إفادة الطرف الأول بها أو محاولة الاستفادة منها على اعتبار أنها معلومات ومصدر قوة والهدف هنا يكون بالاستيلاء على مقدرات وعقل المالك الأصلي.
ويضيف المؤلف أن هذه الرقابة تستخدم العنف المعلوماتي خلال ما يمكن أن نطلق عليه القوى الرمزية الناعمة التي تختلف عن القوى التقليدية الصلدة فهي تعمل بالجذب لا بالضغط وبالترغيب لا الترهيب وتستخدم لغة العقول والقلوب من أجل اكتساب الآراء لا كسب الأرض.
وفي سياق تناوله يؤكد المؤلف على أن قضية الرقابة على الإنترنت بشكل عام أصبحت محل الكثير من النقاش في الولايات المتحدة ذاتها نظرا للزيادة الشعبية الهائلة للإنترنت وللكثير من الصور الإباحية والعقاقير غير القانونية والتهديد العام للمجتمع. غير أنه إزاء اتساع استخدام الإنترنت على مستوى العالم أصبح السؤال هو هل يجب أن يكون ذلك مسؤولية دول العالم مجتمعة أم الولايات المتحدة التي تصر على أن تكون هى الحارس الوحيد على الشبكة.
ويضيف أن أكثر ما يلاحظ في مسألة الرقابة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر أنها قد أصبحت مركزية أميركية خالصة ويتوجه جزء أساسي من نشاطها إلى منطقتها العربية وتستخدم بوسائل كثيرة متنوعة من الاختراق إلى الهاكرز لكنها في النهاية تلعب دوراً كبيرا في الوصول إلى أبعد مدى في الهيمنة المعرفية في شتى أنحاء العالم سواء داخل الولايات المتحدة أم خارجها.
وقد أدى تطور اختراق الشبكة الدولية والعمل على تطويرها إلى إضعاف أو تقليص دور الجواسيس الأشخاص إلى حد كبير كما كان يعرفهم الاستعمار التقليدي منذ أبعد العصور وحتى تحول الى إمبريالية عمدت أن تتحول إلى طرق حديثة الآن من التجسس التقليدي بوسائله التقليدية الكثيرة إلى عمليات الكترونية متباينة.
ويشير الدكتور مصطفى عبد الغني إلى أن الأمر يزداد خطورة حين نعلم أن مشروع التجسس هذا عبر وسائل الاختراق الكثيرة فيه قد أصبح يستهدف في حركته الأرض كلها بما يتناسب مع الأهداف الأميركية.
وعلى حد ما يذكر فقد أصبح معروفا أن الولايات المتحدة تحديدا تراقب كل شيء عبر الشبكة الدولية ومعروف أيضا أن شركة ما يكروسوفت سلمت السلطات الأميركية الكود الخاص بكل جهاز أو برنامج كمبيوتر تبيعه مما يسهل لهذه السلطات مراقبة كل شيء ناهيك عن مراقبة واعتراض الاتصالات الهاتفية العادية والمحمول عبر برامج وتقنيات تجسس عالية.
وقد اتعكس إصرار الولايات المتحدة على موقفها خلال قمة جنيف المشار إليها فرغم أن المجتمعين من شتى أقطار العالم هناك طالبوا بسيطرة اللجنة الأممية على الشبكة فقد شهد العالم في الوقت نفسه إعلان واشنطن أنها تعتزم الإبقاء على دورها الإشرافي الشامل على الشبكة من خلال مؤسسة إيكان التابعة لها بدعوى مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة وأهمية الشبكة حاليا في مجالات حيوية مختلفة.
ينتقل بنا المؤلف بعد ذلك إلى نطاقنا العربي متسائلا حول موقف الدول العربية من الرقابة على الإنترنت؟ يشير إلى أن الإجابة هنا بدهية حيث أننا لم نستخدم القوى الكامنة في شبكة الإنترنت بالقدر الكافي ومن ثم كان هذا الهبوط في الوعى التقني مع الصعود في الإستراتيجية الأميركية. الأكثر من ذلك أن الحكومات لدينا، على ما يذكر، دخلت بدورها حلبة الصراع.
وبدأت تبذل الجهد لتحكم حصارها على هذه الوسيلة الجديدة التي قد تسبب لهم بعض المشاكل نتيجة لتلك المساحة من الحرية البعيدة عن سيطرتها فلجأت إلى الأساليب العادية التي تسم أغلب الحكومات العربية عند تعاملها مع مسألة حرية الرأي والتعبير وهو المصادرة والرقابة فضلا عن استخدامها للوسائل الجديدة والمتعلقة بهذا الوافد الجديد مثل تحكمها في المنبع من خلال برامج الفلترة الإلكترونية.
كما تلجأ بعض الدول إلى احتكار تقديم الخدمة، فضلا عن استخدام الحل الشائع والتقليدي وهو تلفيق القضايا والزج بمن يتجاوز الخطوط الحمراء ـ غير المعروفة أصلا ـ داخل السجون بدعاوى واهية مثل الإساءة لسمعة الدولة، السب والقذف، أو لحماية الآداب والقيم العامة.. إلخ.
بل لقد وصل الأمر إلى حد أن بعض الحكومات العربية كانت قد اختصرت الطريق تماما بحرمان شعوبها أصلا من الإتصال بشبكة الإنترنت مثل حكومة الرئيس العراقي صدام حسين الذي كان يبرر منعه لاستعمال شبكة الإنترنت وحتى عام 2000 بزعمه أنها وسيلة دعاية أميركية.
هذا في الوقت الذي اتسمت فيه دول عربية أخرى بوضع متقدم في استخدام الشبكة مشيرا في هذا الصدد إلى مثال الإمارات التي يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت بها حسب الكتاب والذي تعود بياناته إلى أكثر من عامين نحو مليون وربع مليون مستخدم بنسبة تصل إلى 31% لتحتل الإمارات بذلك مرتبة متقدمة ليس فقط عربيا ولكن أيضا عالميا في هذا المجال حيث أكدت الأمم المتحدة في تقرير لها حول برامج الحكومة الإلكترونية في العالم نجاح الإمارات في احتلال مرتبة متميزة بين دول العالم لتحتل المرتبة الأولى عربيا والمرتبة 21 على مستوى العالم.
ورغم إشارته إلى جدل بشأن الرقابة على الشبكة في الإمارات إلا أنه يعرض لوجهة نظر وزير المواصلات السابق معالي أحمد حميد الطاير خلال توليه منصبه من أن هذه الرقابة والتي تتركز على الجوانب الأخلاقية والقيم هي التي كانت سببا في انتشار الخدمة حيث أن كثيرا من الناس أدخلها إلى بيته بعد التأكد من وجود رقابة تمنع عنه وعن أسرته ما يسيء إلى قيم وأخلاقيات المجتمع.
وعلى هذا المنوال يستعرض الدكتور مصطفى عبد الغني أوضاع الرقابة على الشبكة واستخداماتها في عدد من الدول العربية وهو استعراض يكشف مدى التشدد الذي تمارسه عدد من الحكومات في استخدام الشبكة العالمية بما يعزز من وطأة الرقابة الخارجية ويجعل المستخدم العربي أمام قيود عديدة في استخدامه للشبكة وإن كانت في أي الأحوال باعتراف المؤلف أقل وطأة مما هو عليه الحال في دول أخرى غير عربية مثل الصين وفيتنام.
ويشير إلى بعض أساليب الرقابة والتي تنعكس في إجراءات تكنولوجية لمنع وصول المشتركين إلى العديد من المواقع التي ترى الأنظمة أنها لا تناسبهم وفي الطريق تحجب العديد من مواقع حقوق الإنسان والمعارضة وغيرها.
وتعتمد هذه الإجراءات على ما يسمى بحائط النار أو جهاز التحكم البروكسي ومراقبة الموجات الكهربائية والهيمنة الحكومية على البنية الأساسية المعلوماتية والتذرع بحماية القيم الثقافية والأخلاقية.
ويشير المؤلف إلى أن من يراجع سجل الرقابة العربية على الوضع المعلوماتي الآن يلحظ تفاوت درجة الرقابة لكنها تتفق في وجود شكل ما من السيطرة على منافذ المعلومات أو محاولة التعبير هنا أو هناك على كثير من القضايا وهو ما دفع البعض ليلاحظ أن من أبرز الشواهد على ذلك رفض معظم الحكومات توفير وسائل إعلام على مستوى الجماعات المحلية خشية أن ينفلت عيارها بما يهدد السيطرة المركزية على المعلومات.
والخلاصة التي ينتهي إليها المؤلف أن المواطن العربي يعاني من رقابة مزدوجة على الشبكة العالمية من جهة الولايات المتحدة التي تعتبر المزود الوحيد لها لبقية دول العالم وحكوماته التي تمارس ذلك بطرق وأساليب تختلف درجتها من حكومة لأخرى.
فتحت دعاوى مختلفة ترفض الولايات المتحدة مشاركة خبراء دوليين في إدارة الشبكة، وتحت دعاوى أخرى دأبت حكومات الدول النامية على فرض سيطرتها على منافذ المعلومات الخاصة في مجال الإعلام والتكنولوجيا بشكل عام.
*الكتاب:الرقابة المركزية الأمريكية على الإنترنت في الوطن العربي
*الناشر:دار العين للنشر
القاهرة 2006
*الصفحات:171 صفحة من القطع الكبير
ألفت عبدالله