يستعرض الكاتب اللبناني الدكتور علي عبد فتوني في كتابه «البلاد العربية والتحديات التعليمية ـ الثقافية المعاصرة» دور التعليم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية في دفع عجلة التنمية الشاملة وتنشيطها، وكذا تسليح الأجيال بالوعي والثقافة والإرادة وحب الوطن والانتماء القومي.
د.علي عبد فتوني أستاذ في جامعة ملاك اللبنانية، حائز على شهادة دكتوراه دولة في التاريخ، وهو عضو في اتحاد المؤرخين العرب. من مؤلفاته كتاب المؤسسات التربوية في الوطن العربي ودورها في تنمية المجتمع، وكتاب «المراحل التاريخية للصراع العربي ـ الإسرائيلي» كما له عدة أبحاث في مجال التاريخ العربي الحديث. يرى الباحث بأن التعليم مسألة مرتبطة بالأمن القومي، كونه يكفل حماية الوطن من أية أخطار تهدد استقراره وسلامة أراضيه واستقلالية قراره، لهذا فمن واجب الدول العربية المحافظة على النسيج الاجتماعي الذي يحدثه التعليم، وعدم إحداث انفصام في الفكر يعكس نتائج التعليم على المجتمع. تطرق المؤلف في دراسته إلى الجذور التاريخية لنظام التعليم في لبنان حيث كانت بداية التعليم الطائفي في ظل الحكم العثماني الذي اعتبر التعليم من جملة الأمور المرتبطة بالأديان والمذاهب فخولت جميع الطوائف المسيحية والإسلامية حق تأسيس المدارس وإدارتها أما المسلمون فلم يتمتعوا بالتنظيمات والامتيازات نفسها في أمور المدارس والتعليم، وهكذا نما التعليم الخاص في مناخ طائفي تجسد في المدارس المتنوعة في المقاطعات اللبنانية.
ويعتبر الكاتب أن نشأة التعليم أخذت منحى طائفيا، فتفرعت المدارس القائمة إلى مدارس للمسيحيين وأخرى للمسلمين، الأمر الذي وسع المجال أمام المداخلات الأجنبية ورسخها.
وفي الإطار نفسه أبرز فتوني الدور الذي لعبته فرنسا في الشرق عامة وفي لبنان بنوع خاص وفي التأثير على الكاثوليك في المنطقة عن طريق منح مؤسساتهم التعليمية منحا دراسية وخاصة أبناء العائلات الرئيسية ذات الفعالية في الشأن العام.
ويرى الباحث بأن هذا التفوق الذي امتاز به المسيحيون عموما، والموارنة خصوصا سببه دخول العلم باكرا إلى مناطقهم من خارج الحدود ـ روما والغرب ـ والذي أسهم بشكل فعال في تفوق المسيحيين على غيرهم من الطوائف وتشكيلهم المدخل الرئيسي للدول الأوروبية إلى بلاد الشام ومنها المناطق اللبنانية.
كما تطرق الكاتب إلى التعليم لدى أبناء الطائفة الإسلامية، والذي كان خاضعا للسلطة الدينية قيمه الشيخ ومركزه المسجد وصفته دينية حيث كان المسجد محور الحياة الإسلامية العامية، سياسية، أدبية، أو قضائية وبدأ تأسيس المدارس عام 1862 وبعدها الجمعيات التربوية لتهدف إلى وضع أساس للتربية الوطنية.
ويرى المؤلف بأن صيغة التعليم الطائفي كانت بديلا للتعليم الرسمي في لبنان في عهد الانتداب، الأمر الذي خلق في لبنان بنية ثنائية عمادها التعليم الخاص الطائفي المدعوم من المدارس الأجنبية، والشريك الضعيف فيها التعليم الرسمي.
وأكد فتوني على أنه تم اتباع سياسة جديدة إزاء قضايا التربية والتعليم بعد الاستقلال وذلك بإضفاء الصفة الوطنية على المنهج الرسمي إلا أنه لم يعمل بشكل حازم على إزالة المميزات الخاصة التي كانت للثقافة الفرنسية في عهد الانتداب، حيث بقي لكل طائفة لبنانية مؤسساتها التعليمية الخاصة حيث احتلت مركز الصدارة طيلة عهد الاستقلال ومازلت بانتشارها في كافة المناطق اللبنانية بعدد طلابها الذين يفوقون بكثير طلاب المدارس الرسمية.
ومن جهة أخرى يعتبر الباحث بأن النظام التربوي في لبنان قد ساهم في قيام لبنانيين ضمن لبنان الواحد، لبنان المتصرفية وجذور الدعوة الطائفية، وهي الجذور التي غرست في لبنان منذ نظام القائمقاميتين ولبنان الكبير عام 1920 بتوازن طائفي من نوع جديد قضى على الوجه الطائفي الوحيد الجانب للبنان الصغير.
وفي سياق آخر استعرض الكاتب أهمية التاريخ ومكانته بين العلوم كونه يرصد حركة الإنسان في الأرض، ويدرس الفعل الإنساني وما يتركه هذا الفعل من نشوء وتطور للمجتمع البشري بكل تشكلاته البنيوية ومظاهره.
وتاريخ أي مجتمع بالأساس تاريخ خلق العمل الإنساني للإنسان أي عملية تطوير الطبيعة الاجتماعية للإنسان، فهو علمي شمولي تتلاقى معه وتتداخل علوم الاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والفلسفة، والآثار، والجغرافيا وسائر العلوم الإنسانية.
وأشار فتوني إلى ضرورة كتاب التاريخ الموحد على الصعيد الوطني في لبنان وذلك لما يهدف إليه من فهم لأحداث الماضي، فهو يسهم في بناء الهوية الثقافية للمواطن فتصبح هذه الهوية جزءا من ذات المواطن، تحتم عليه مواجهة الخطر الذي يتهدد الهوية وهذا ما يتخذ مظهر الروح الوطنية والدفاع عن الوطن، ومن هنا يؤكد الباحث على أن تاريخ لبنان وتعليمه في المدارس شكل موضوع نقاش.
ولم يشمل كتاب التاريخ المدرسي الموحد المناهج التربوية الجديدة وخطتها التي نفذت في وثيقة الوفاق الوطني اللبناني.
وسلط المؤلف الضوء على ضرورة الاعتماد على الشمولية في دراسة التاريخ والتواصل الزمني ـ مختلف مراحله ـ والتركيز على عوامل الوحدة انطلاقا من القواعد الدستورية وارتباط تاريخ لبنان بتاريخ محيطه الإقليمي العربي بشكل خاص، وبتاريخ العالم بشكل عام.
وفي سياق آخر يرى الكاتب بأن الطائفة السياسية أبرز ما ورثه عهد الاستقلال من تفسخ وطني وتمثلت بمجموعة تشريعات وقوانين وأعراف وتقاليد كان لها طابع الثبات والديمومة.
وهذا الوضع جعل عملية التوجيه القومي في تبلبل بعد أن تخرجت أجيال من المواطنين متباينة الأفكار والمذاهب، متباينة المثل والأهداف تختلف في نظرتها إلى بلادها، كما تختلف في نظرتها إلى حاضرها ومستقبلها فتكون في ذلك مجتمع متنافر الأجزاء يعيش أفراده ضمن تقوقعات طائفية أو أنانية لا تبالي بمصلحة عامة ولا بمصير مشترك.
وينقلنا فتوني إلى التعليم المدرسي والجامعي في البلاد العربية ومدى مساهمتها في التنمية الوطنية والقومية، والتي تميزت بها المجتمعات الخليجية كأقرب صور للتحديث زمنيا، وذلك من خلال استراتيجيات التطوير التربوي ومحاولاته لتطوير التعليم المدرسي.
وحول التوسع في التعليم الجامعي العالي في الوطن العربي، يرى المؤلف ضرورة التعامل معه من زاوية الاهتمام، كون الجامعة مؤسسة ذات وظائف متداخلة تقدم العلم والمعرفة والخبرة كحلقات مترابطة في مشروع الثقافة الشمولية وتلعب دورا مهما في تنمية الفكر العربي.
ويستعرض الباحث الخطوات الضرورية التي يجب تتبعها في تطوير الإدارة التعليمية في البلاد العربية لمواكبة التنمية والتحديث في العالم والمتمثلة في الأخذ بعين الاعتبار أهمية العلم والتعليم، التخطيط التربوي ـ التعليمي، دور المدرسة في التربية والتعليم وعلاقتها مع الأهل، تطوير برامج إعداد المعلمين وتدريبهم، تطوير المناهج وطرق التدريس ومهاراته.
وتطرق فتوني إلى الثقافة العربية وتحديات العولمة التي تدخلت إلى التداول السياسي والاقتصادي والفكري بقوة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي خصوصا والسعي لتشكيل عالم القطب الواحد، فالعولمة تقوم على اجتياح الثقافات الأخرى ومحوها محوا كاملا وهي إلى جانب السيطرة الاقتصادية والسياسية تمارس السيطرة الثقافية.
ويؤكد الكاتب على أن العولمة بالصيغة الأميركية تمثل غزوا خطيرا، يتسلح بواقع الهيمنة على السياسة والاقتصاد من جهة وبالقدرة غير المسبوقة في توجيه الإعلام من جهة أخرى، كما أنها تتسلح بالقدرة على التشريع على المستوى العالمي.
وفي السياق نفسه يطالب المؤلف بإنماء اجتماعي ثقافي شامل متكامل، سليم، قابل للاستمرار دون الأضرار، تتساوى فيه الثقافة والحضارة ارتقاء وتقدما حقيقيا بالإنسان.
وعلى هذا يعتبر فتوني بأن العلم قوة رئيسية تدعم التغيير التاريخي، ويحدث التغيير على المستويات الشخصية والاجتماعية والمنظماتية والوطنية والدولية، لهذا فإن مهمة التربية تبدو اليوم أكثر أهمية وخطورة في مواجهة تحديات العصر وتسليح الأجيال بالعلم والمعرفة والوعي والثقافة والإرادة وحب الوطن، والانتماء القومي والاعتزاز بما هو حضاري وأصيل.
*الكتاب: البلاد العربية والتحديات التعليمية ـ الثقافية المعاصرة
*الناشر: دار الفارابي ـ بيروت 2007
*الصفحات:311 صفحة من القطع المتوسط
ناهد رضوان