مؤلف هذا الكتاب هو المحامي عمر مسقاوي، نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان. سبق وأن شغل منصب وزير النقل والمواصلات في الحكومة اللبنانية، وكذلك كان نائباً في البرلمان اللبناني. وهو كاتب اهتمّ كثيراً بنشر وترجمة كتابات ومؤلفات مالك بن نبي، وأصدر العديد من المؤلفات، منها: «وحدة الحضارة»، و«بنية المجتمع ومسار الدولة في لبنان»، و«نظرات في الفكر الإسلامي ومالك بن نبي»، و«حول فكر مالك بن نبي»، و«تأملات»، و«العالمية ورسالة الحضارة والثقافة».

وينطلق عمر مسقاوي في كتابه الجديد، «التراث والحوار بين لمذاهب الإسلامية والآخر»، من القلق حول الوحدة الإسلامية، وما يتناوشها في أيامنا هذه من نزاعات ومشادات بين أنصار المذاهب الإسلامية، ويرى أن عناوين التفاهم أو التقارب، تخوض بطبيعتها في جدل تفصيلي فيه شيء من إيديولوجيا الانتماء يزيد من حدود الاختلاف، بينما الانصراف إلى وحدة التراث والثقافة الإسلامية في حيوية إنتاجها الثقافي، يمكنه أن يعيد للثقافة الحيوية الجماعية التي تسللت من أرضية المذاهب الإسلامية إلى فضاء الثقافة.

ويعتبر مسقاوي أن دعوات التفاهم والتقارب بين المذاهب الإسلامية بقيت نوعاً من تأنيب ضمير جماعي في كل مرحلة من مراحل غياب المسؤولية، فكانت المحاولة الأولى في التقارب بين المذاهب الإسلامية بين علماء الأزهر والنجف عام 1948، بمثابة تعويض عن قصور في مدى رؤية قيادات العالم الإسلامي وانصراف عن تأكيد وترسيخ وحدة التراث الذي أنتجته الحضارة الإسلامية. بينما تتطلب الوحدة الإسلامية.

حيال ما يواجه العالم الإسلامي من أخطار، روح التراث التي تجمع تفاريق ما ذهبت إليه المذاهب، خاصة وأن الحضارة الإسلامية هي فعل أجيال الحضارة الإسلامية، التي تمحورت حول الأساس الجامع، وهو القرآن والسنة، ولذا فالاختلاف بين المذاهب هو اختلاف اجتهاد وفهم لمرجعية واحدة، وقد انتهى الخلاف التاريخي من جانبه السياسي، وبقي الإسلام تراثاً جامعاً في المفهوم الحضاري. كما أن الاختلاف بين المذاهب الإسلامية هو اختلاف مقاربة في طبيعته، وليس اختلاف سداد للحقيقة المطلقة.

ويعتبر مسقاوي أن الخلافات المذهبية والحزبية والسلطوية، تجد تفسيرها الاكتفائي في حيوية بدائية غير مكتفية، حيث يصبح الصراع تصادمياً يفتقد الحكمة والموعظة الحسنة، فيما الحكمة في الدعوة للإسلام هي الملائمة الفاعلة، أي ذروة الاستماع والترقب والموعظة الحسنة، وإدراكاً لحرية التغيير التي تبدو نداء مستشرفاً لسكينة القيم الروحية.

وفي صدد مقاربته لموضوع الإسلام والآخر، يجيب مسقاوي عن سؤال: هل الإسلام يدعو إلى الآخر؟ بأن الإسلام منفتح، وهو ليس ضد الآخر، إنما هو ضد الظلم والعدوان على الإسلام. لكنه سرعان ما يرفض مفهوم الآخر وكذلك قبول الآخر، بوصفه مفهوماً طارئاً على ثقافتنا، معنى ومفهوماً ومصطلحاً، ويطرح مساراً يلغي شمولية الرؤية الإسلامية ووحدتها التاريخية ومرتكزات التراث الروحي، ذلك أن الإسلام هو أساس اندماج الإنسانية بالنظام الكوني، والقرآن الكريم يحيط بالحياة الإنسانية، باعتبارها جزءاً من النظام الكوني في دقته وتتابعه وانتظامه.

ومن جهة المعنى اللغوي، تعني عبارة الآخر خياراً إيجابياً لغوياً، أي خياراً في إطار الوحدة، في حين أن جهة النظر إليه كمفهوم مترجم لكلمة Tierce ذات المرجع الأوروبي القروسطي، ترى المفهوم، في أيامنا هذه، على أنه الذي نعاديه، وبالتالي لا يستقيم الآخر في الثقافة الإسلامية التي تفتح باب المودة للإنسان الكوني. ذلك أن الفارق، في الأصل، هو في مكونات المصطلح، بصفته يحمل تاريخاً وخبرة مستمدة من طبيعة الثقافة الوثنية والعنصرية الغربية، ولا وجود لهذا المصطلح في أي من صيغ اختلافنا مع الأديان والمعتقدات.

يمكن القول أن صورة الآخر في ثقافة ما، هي نتاج لمعايير معرفة وقيمة لهذه الثقافة، وحصيلة للفارق الدال بين واقعتين ثقافيتين، تخضع علاقتهما لشروط تاريخية ملموسة، من الصدام، والتنافس، والاقتباس، فهي تجسد عبر تمثلاتها المعقدة الواقع، والموقف من ثقافة الغير، وتمكن النهاية الفرد و الجماعة من كشف وترجمة الفضاء الثقافي، وهي تحمل مزيجا من الأفكار والمشاعر، والمواقف والدلالات الرمزية، وأحكام القيمة التي تتبلور على صعيد الممارسة في شكل تدخلات، واحتكاكات، وتنافس، واقتباس، في حالة التدافع والسلم. لذا فالمتخيل العربي الإسلامي عن الآخر لا يمكن اختزاله في المعنى اللغوي لعبارة ما، أو في مدلول نصي بحدّ ذاته.

وقد برهنت الثقافة العربية على قدرة لافتة على الإنصات للآخرين والانتهال من منجزاتهم الحضارية، منذ أن دشن القرآن فعل الاعتراف بالآخرين، ضمن مقاييس محددة، كما برهنت الثقافة العربية على قدرة على التفاعل مع الآخر من خلال استنبات آليات اشتغال الفكر اليوناني في التربة الفكرية العربية الإسلامية.

غير أن مسقاوي يقرر بأن الخطاب القرآني، يضع حداً فاصلاً بين الإسلام والحداثة الغربية التي انتهت إلى تبديد كامل لوحدة الإنسان، معتبراً أن الإسلام لا معنى لديه لمفهوم الآخر المجهول، لأن لكل إنسان معنى، وفي كل سعي منه غنى، ورافضاً أي عنصر يخل بالتكامل الاجتماعي والبيئي في نطاق الزمان والمكان. ويضيف مسقاوي بأن أعداءنا ليسوا هم الآخر بمعنى أنهم Tierce مجهولون منا، قيمة ومعنى، وخارج تصورنا، بل هم في بؤرة وأساس تهديد الوحدة الكونية ونظام الحياة.

أما المسيحية واليهودية فقد كانت كل منهما في إطار الثقافة الإسلامية جزء من هذه الوحدة، ليس فحسب بسبب وحدة الأصل الإبراهيمي، بل بسبب وحدة الأصل الكوني، وبالتالي فإن انضمامهما إلى وحدة المجتمع لا يندرج تحت عنوان التسامح، بل تحت عنوان التكامل، وفي إطار هذا التكامل يصبح التسامح إحدى مظاهر السلوك الأخلاقي في قاموس التداول الاجتماعي.

وقد لعب الإسلام ، كدين، دوراً حاسماً في تغذية الذاكرة والمخيلة العربية الإسلامية بصورةً معينة للآخر، وبطريقة معينة للتعامل معه - دون إغفال المؤثرات الأخرى الدينوية والزمنية، والفضول المعرفي - فكان القرآن بمثابة النص التدشيني الذي قامت عليه الجماعة الإسلامية، وتألفت في كنفه، وحدّد للمسلم مواقفه من الأخر، المختلف عنه دينياً، وثقافياً، وعين له سلوكه تجاه المختلفين معه.

غير أن الثقافة العربية - الإسلامية قدمت عدة معايير وقياسات حكمت من خلالها على ثقافة الآخر، ولوّنت بها صورته، فهناك أولاً المعيار الديني من خلال الإيمان الإسلامي، ثم المعيار الحضاري، وهو يقاس بمدى العمران عند الآخر، ومعيار بيئي جغرافي، يتعلق بموقع هذه الحضارات في أقاليم الكرة الأرضية، ومدى اقترابها من خط الاستواء الحار، ومن القطب الشمالي البارد، وتأثرها بمدارات النجوم والأفلاك، فضلاً عن العامل المعرفي المرتبط بمدى تقدم معرفتهم بالعالم وحال الشعوب بذلك الحين. كل هذه العوامل مجتمعة لونت نظرة الثقافة العربية - الإسلامية إلى الآخر.

الملاحظ أن عمر مسقاوي يعتمد في كتابه على أطروحات تفتقد التماسك، نظراً للتقريرية المباشرة في الطرح، وعدم الجدة، ذلك أن مفاهيم التراث والحوار والآخر، تحتاج إلى نظر وتناول لا يطلق الأحكام بخفة واستسهال، ولا يستند إلى رؤى قديمة، عفى عليها الزمان وتغايرت.

ذلك أن البحث، عن مفهوم الآخر في الإسلام يقتضي الوقوف عند ما أنتجه الخطاب العربي الإسلامي من طرق لإدراك وتمثل الآخر، والتساؤل عما عبر عنه من إرادة للمعرفة بالآخر، باعتباره اختلافاً دينياً أو خصماً حضارياً أو عدواً عسكرياً أو شريكاً تجارياً، والعمل على صياغة ما لوّنه الخطاب من صور نمطية عن الذات والآخر، عن الإسلام والغرب.

ذلك أن صورة الآخر تصاغ بناء على تمركزيات تستند إلى نوع من التمثيل الذي تقدمه وتغذيه المرويات، الثقافية والدينية والتاريخية والجغرافية والفلسفية والأدبية، للذات المتوهمة بوهم النقاء والصفاء، والآخر الموسوم بالدنس والدونية، وعليه يغدو التمركز نوعاً من التعلق بتصور مضاعف عن الذات والآخر. وهو تصور ميتافيزيقي ينهض على الثنائيات الميتافيزيقية التي تقوم على التمايز والتراتب والتعالي، وتأتي المرويات عبر الزمن لتراكم الصور المتخيلة الناتجة عنه.

*الكتاب:التراث والحوار بين المذاهب الإسلامية والآخر

*الناشر:مكتبة دار الإيمان ـ طرابلس

لبنان 2007

*الصفحات:95 صفحة من القطع المتوسط

عمر كوش