مؤلف هذا الكتاب(بلاغة السرد النسوي) للناقد د. محمد عبد المطلب إنصافا للسرد النسوي قصة ورواية بعد أن جاء كتابه (بلاغة السرد) الصادر عام 2001 ليضم إحدى وعشرين قراءة لنصوص روائية، منها نصان لمبدعتين من الإناث، وتسعة عشر نصاً لمبدعين من الذكور، أي أن السرد المدروس كان سرداً ذكورياً.

وأن السرد النسوي كان هامشاً على هذا المتن الذكوري، ومن هنا أتي هذا الكتاب مكرسا للنسوية بدأ بقراءة تحليلية للسرد النسوي، وكشف أبعاده اللغوية والفنية والثقافية، ثم ثني بتقديم الإجراءات الإنتاجية للسرد النسوي وتقنياته التي استخلصها الناقد من النصوص المقروءة. وقد مثل ذلك القسم الأول من القراءة، أما القسم الثاني فقد قدم ست قراءات موسعة لستة نصوص نسوية، ومجموع نصوص القسمين معاً بلغ اثنين وعشرين نصاً، بين نص قصصي، ونص روائي.

وهو ما يوازى الكم الذي سبق قرأه الناقد في كتابه (بلاغة السرد) حيث ضم واحداً وعشرين نصاً، أي أن هناك تكافؤاً كمياً بين القراءتين، لكن التكافؤ الكمي كان مغايراً للطبيعة الكيفية، لأن الكتاب الأول ارتكز على مفردة (السرد) غير مقيدة بقيود نوعية، بينما كان المرتكز الأول في هذا الكتاب على مفردة (النسوي) .في قسمه الأول تناول الكتاب أعمال ل: هدى النعيمي، صفاء النجار، نوال مصطفى، عفاف السيد، أمينة زيدان، صفاء عبد المنعم، منى رجب، نورة محمد فرج، سعاد سليمان، نجلاء علام، أسماء شهاب الدين، فاطمة يوسف العلى، لميس منصور، نبيلة الزبير، ليلى الرملي، منى وفيق، وفي القسم الثانى تناول أعمال ل: سلوى بكر وهالة البدري وميرال الطحاوي وسهير المصادفة و عزة رشاد ومنصورة عز الدين .

يقول د. عبد المطلب: ربما كانت النسبة الظالمة في كتابي الأول بلاغة السرد صدى للواقع الثقافي الذي عشناه وما زلنا نعيشه، حيث كانت السيطرة الإنتاجية الإبداعية للذكور زماناً ومكاناً، وهذا كله أمر لا أرضاه، ولا أحب أن أكون مشاركاً في تكريسه، ولعل هذا كان دافعي الأول لهذه القراءة، بوصفها مساهمة مبدئية في إزاحة ثنائية (الهامش والمتن) بعيدا عن ثنائية (الأنوثة والذكورة).

ومن ثم صح منى العزم على أن أفرغ لقراءة أكبر كم متاح لي من السرد النسوي، كما فرغت سابقاً لقراءة السرد الذكوري. وأنا أدرك أن كثيراً من المبدعات والمبدعين لهم تحفظات على هذه الثنائية، ففي رأيهم: أن هناك سرداً واحداً، دون نظر إلى من أنتحه، أو نظر إلى محتواه، يؤازرهم في هذا التوجه، واردات النقد الثقافي الذي يسعى جاهداً لتحطيم مجموع الثنائيات التي أتت التفكيكية على معظمها، ولم يبق له إلا أن يسكنها منطقة (الحياد) الذي لا يعتمد مفاضلة أو تمايز .

وفي إطار تحديد ما المقصود بالنسوى ؟ يقودنا الكتاب إلى المرجعية المعجمية وصولاً إلى الإجابة الصحيحة، وهى مرجعية تحتكم إلى قيم المخالفة لتحديد المراد، لأن النسوي يستحضر الأنثى والمؤنث والأنثوي والنساء والنسائي، يقول د.عبد المطلب: يقول المعجم: الأنثى خلاف الذكر من كل شيء، والجمع: إناث وأنث.

ومن ثم فإن (الأنثوي) لا يعبر بدقة عن المستهدف من نوعية السرد، إذ إن الأنثى تضم الأنثى البشرية، وغير البشرية، وهو غير مقصود، وبالمثل لا يصلح القول (بالسرد المؤنث) لأن (المؤنث والمذكر) صفتان لغويتان لا ترتبطان بحقيقة الانتماء الجنسي، فهناك (المؤنث الحقيقي) مثل: فاطمة وهند، و(المؤنث المجازي) مثل:

شمس وأذن، بل إن المؤنث يمكن أن يطلق على المذكر إذا لحقته علامة تأنيث، مثل: طلحة ومعاوية، ويسمى المؤنث اللفظي، في موازاة المؤنث المعنوي، وهو علم المؤنث الخالي من علامة التأنيث مثل: مريم وزينب، ومن ثم فإن (المؤنث والأنثوي) لا يؤديان معنى (النسوية) على النحو الذي نهدف إليه .

في التاريخ العربي القديم احتلت المرأة مكانة لا تقل عن مكانة الرجل، ولم تنحصر مهمتها في استقبال قرار هذا الرجل ـ كما يزعم البعض ـ بل كان لها سلطة إصدار القرار، وسلطة تنفيذه أحياناً، وأخذت مكانة المرأة في الصعود مع امتزاج حضورها الحياتي بالحضور الأسطوري، حتى إنها كانت معبودة في بعض المعتقدات البدائية بوصفها الإلهة المقدسة، ومن أثر ذلك حملت بعض آلهة العرب أسماء مؤنثة مثل: اللات والعزى ومناة .

ويبدو أن هذه القداسة جاءت إلى المرأة من وظيفتها الحياتية بوصفها رمز الخصوبة والإنجاب، فهي المصدر الوحيد لتجدد الحياة البشرية واستمرارها على الأرض، صحيح أن الرجل شريك أساسي في عملية الإنجاب، لكن الميلاد لا يتحقق إلا من خلال الأنثى وقد انعكس شيء من هذه القداسة في الوعي اللغوي، فالعربية عندما تقصد تعظيم شيء، فإنها تميل إلى تأنيثه، فالفاتحة (أم الكتاب) والآيات المحكمات (أم الكتاب) ومكة (أم القرى) و(أم الطريق) معظمه، و(أم النجوم):

المجرة، و(أم الدماغ) الرأس، وصارت الأرض هي (الأم) مطلقاً . وعندما تهدف اللغة إلى المبالغة، تعتمد التأنيث، فتقول: (راوية) لكثير الرواية، ومثلها (نسّابة) و (فهّامة) و(عّلامة) و(رحّالة) و(داهية) و(طاغية) .

ويتأكد انحياز اللغة للأنوثة في تأنيث كل المدن والقرى، وربما لهذا قال ابن عربي: «المكان إذا لم يؤنث لا يعول عليه» .

وتقتضي هذه الإنارة أن نتحسس موقف المرأة من الأدب وعلاقتها به، وفى تصورنا أن هذه العلاقة تستدعي ثلاث مناطق مركزية يمكن أن تستقر فيها المرأة لتشكل علاقتها بالأدب، على أن يكون في الوعي، أن هناك تكاملاً بين هذه المناطق، يصل ـ أحياناً ـ درجة التوحد: المنطقة الأولى في هذه الثلاثية، هي المنطقة التي تحتلها المرأة بوصفها منتجة للنص الأدبي.

وفيها نلاحظ أن النص المنتج قد يكون مشبعاً بروح الثورة والتمرد على السلطة الذكورية بكل عمقها الزمني، وتبعاً لذلك ينحاز النص إلى الظواهر الإيجابية في الأنثى، ومقارنتها بالظواهر السلبية في الذكر، بوصفها إجراء عملياً لإعلاء الأولى على الثاني، وتحويل هذا الإعلاء إلى أدبية سردية (منحازة) فيها كم وافر من الخشونة والقسوة، برغم أنها تعتمد ردود الأفعال أكثر من اعتمادها الأفعال ذاتها .

ولا يمكن القول بسيادة هذا التوجه في هذه المنطقة، إذ إن رد المنتج الأدبي إلى مصدره الأنثوي قد يبتعد عن هذه الروح المتمردة الثائرة، ليقدم الأنثوية في حالتها المحايدة، ويقصد بذلك تكوينها (البيولوجي) الذي يكاد ينحصر في الجسد وتجلياته الإبداعية، حيث يتحول هذا الجسد إلى أبجدية بليغة، كل عضو فيه يمثل حرفاً يتدخل في بناء الجملة، وكل عضو مع ما يجاوره يمثل كلمة في فقرة أو دفقة تعبيرية، وعندها تستحيل المنظومة الجسدية إلى نص أدبي له خصوصيته وتفرده النوعي .

وإذا كان الموقعان السابقان ـ في المنطقة الأولى ـ قد قدما الأنثى المتمردة والمحايدة، فإن المنطقة تتسع لموقف ثالث تقوم فيه المرأة بإنتاج ما نسميه (الأنثى الثقافية) ونعني بذلك: الأنثى التي شكلتها الثقافة بكل مكوناتها المادية والروحية، حيث تتدخل ـ في هذا التشكيل ـ العادات والتقاليد والأعراف والتنشئة البيئية والأسرية، أي أن الأنثى في هذا السياق تصبح منتجاً اجتماعيا قابلاً لأن تتسلط عليه عوامل الإضافة والحذف، وعوامل التهميش، وعندها يصمت الصوت الأنثوي المتمرد، ويغيب الصوت (البيولوجي) المحايد، ويعلو الصوت الثقافي بمخزونه التراكمي .

وإذا كانت المنطقة الأولى قد احتلتها الأنثى بوصفها منتجة للنص الأدبي، فإن المنطقة الثانية تتسع للأنثى والذكر معا، لأنها المنطقة التي تكون فيها الأنثى (موضوعاً أدبيا)، وحضور الأنثى والذكر في هذه المنطقة ربما لا يكون على التساوي، إذ يحتل الذكر فيها مساحة أوسع بحكم اتساع مساحته الثقافية والأدبية في الزمان والمكان، ومن المهم هنا أن نرجع البصر في الأنثى التي أنتجها الإبداع عموماً، ونراجع تحولاتها النصية التي اتخذت لها مسارات ثلاثة، الأول:

يستعيد ما سبق أن ذكرناه عن (الأنثى المتمردة) أو (الأنثى الضد) التي يكون حضورها النصي مستهدفاً تعديل كفتى الثنائية (الذكر ـ الأنثى)، ولا يقتصر التعديل على تكافؤ الطرفين، بل يعمل ـ أحيانا ـ على الميل إلى جانب الأنثى بوصفها الطرف الإيجابي في الثنائية.

فهي المصدر الوحيد لاستمرار الإنتاج البشرى، مما يعطيها أسبقية على الذكر، وكأن النصية أصبحت موظفة لاستعادة هالات القداسة التي أحاطت بالأنثى في الموروث الأسطورى الذي أعلاها إلى مرتبة الآلهة المعبودة . أما المسار الثاني في (الموضوع الأنثوي) فهو مسار إنتاج (الأنثى البيولوجية) وهى الأنثى المحايدة ـ كما سبق أن ذكرنا ـ ذلك أن آلة الأنوثة لا تمثل نقصاً، وآلة الذكورة لا تمثل تفوقاً .

وأهمية هذا المسار في اتكائه على (الجسد الأنثوي) وإعطائه استقلالية كاملة، وأنه في غير حاجة إلى الآخر، لكن ذلك الاتكاء له خطورته، لأنه يختزل الأنثى في الجسد، وهو اختزال نتحفظ عليه كثيراً، سواء أكان الاختزال من الأنثى أم الذكر عند إنتاجهما للموضوع الأنثوي.

ويأتي المسار الثالث ليقدم (الأنثى الثقافية) حيث توغل النصية في تجلية ظواهر التفاضل على نحو مباشر حيناً، وغير مباشر حيناً آخر، لكنها الظواهر التي تنحاز إلى الذكورة، وتستمد من الثقافة عناصر هذا الانحياز، ومن ثم تصبح المرأة بوصفها موضوعياً أدبياً ـ عرضة للإقصاء والتهميش، وكأن النص يسعى لردها إلى (جناح الحريم) مرة أخرى، فكل رجل هو شهريار بمفهوم ألف ليلة، و(سي السيد) بمفهوم نجيب محفوظ، وكل رجل مرفوض فهو (امرأة) بمفهوم العامة .

والإحساس بالذنب في هذا المسار، يدفع النصية إلى استحضار بعض المقولات لتدسها في أحاديث الشخوص، يوهم ظاهرها بالانتصاف للمرأة، لكنها ـ في الحقيقة ـ تكريس للتمايز والمفاضلة، من مثل: (المرأة نصف المجتمع) و (المرأة هي الأم والابنة والأخت) لماذا لا نقول:

(الرجل نصف المجتمع) و (الرجل هو الأب والابن والأخ )، لماذا لا نتحرك بعيداً عن هذه المقولات، ليتحدث النص عن المجتمع كله، لا نصفه ولا ثلثه، لماذا لا تترك النصية الحديث في علاقة القرابة التي تحكم علاقة الفرد بالمجتمع، وتتحدث عن الكائن الإنساني وحقوقه في المواطنة .. إن الذي نخلص إليه في هذا المسار، أن حضور المرأة بوصفها موضوعاً أدبياً مازال محاطاً بكثير من عوامل الانتقاص من حقوق الأنثى، سواء أكان مصدر الإنتاج ذكرا أم أنثى .

لاحظنا أن الأنثوية قد استقلت بنفسها عندما احتلت منطقة الإنتاج، لكنها تداخلت مع الذكورة عند إنتاج (الأنثى النصية) . وهنا ـ في المنطقة الثالثة ـ تعود إلى استقلالها مرة أخرى عندما تحتل (منطقة التلقي) .

*الكتاب: بلاغة السرد النسوي

*الناشر:الهيئة العامة لقصور الثقافة

القاهرة 2007

*الصفحات: 254 صفحة من القطع المتوسط

محمد الحمامصي