في كتابه عن دار الانتشار العربي ببيروت تحت عنوان «المجتمع المدني والدولة المعاصرة» تطرق الباحث أحمد شهاب إلى تتبع الجذور الفكرية والاجتماعية للمجتمع المدني ودوره في تحقيق الديمقراطية، وظروف نشأة المجتمع في البلدان العربية وموقف الفكر الإسلامي منه.
كما استعرض تجربة المجتمع المدني في الدول العربية خلال قرن والتي ترافقت بحالة من الصعود والهبوط كانت في أغلبها هبوطا وارتدادا وتراجعا، وسبب ذلك يعود أولا إلى تضخم مشروع الدولة العربية وسعيها الدائم لتصحير المجتمع من مؤسساته الطبيعية وموارده النابضة. ويرى الباحث في أصل مفهوم المجتمع المدني وإشكالاته وقضاياه أنه وليد مرحلة حاسمة حدثت في الفكر الغربي خلال القرنين 17 و18، تم خلالها التمرد على الفكر القديم الذي يربط بين السلطة والمقدس إلى فكر جديد يحرر السلطة من سيطرة الأكليروس، ويحرر الدين من استغلال السلطة.
وسلط الكاتب الضوء على استخدام جون لوك (1633 ـ 1704) لمفهوم المجتمع المدني استخداما سياسيا مباشرا من خلال دمجه مع المجتمع السياسي واعتبرهما مفهوما واحدا مقابل المجتمع الطبيعي، بالإضافة إلى استخدام هيغل (1770 ـ 1831) للمجتمع المدني كوسيط بين الدولة والمواطن لكنه وسيط لا يمتلك أي قدرة ذاتية على تحقيق الانضباط إذا لم تمنحه الدولة ذلك.
وتطرق شهاب إلى تعريف كارل ماركس (1818 ـ 1883) للمجتمع المدني الذي يعتبره الميدان الذي يتحرك فيه الإنسان مدافعا على مصالحه الشخصية وعالمه الخاص وتبرز فيه التناقضات الطبقية، مقابل الدولة التي تمثل الميدان البيروقراطي حيث يتحول الإنسان فيه إلى عضو في جماعة.
وفي «الإيديولوجية الألمانية» يماثل ماركس بين المجتمع المدني وعلاقات الإنتاج التي تشمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، فالمجتمع المدني هو جماع العلاقات التجارية والصناعية لمرحلة تاريخية محددة، لكن لم يتم وعيه كصياغة نظرية إلا في القرن الثامن عشر، عندما تخلصت الدولة من الامتياز الديني والعائلي.
وانتقل المؤلف إلى نظرة أنطونيو غرامشي (1891 ـ 1937) حول المجتمع المدني والمجتمع السياسي، مؤكدا من خلالها على دور الأحزاب والنقابات والبنى المستقلة عن الدولة، بحيث مثلت أطروحة غرامشي في الهيمنة والهيمنة المضادة نقطة تحول في مفهوم المجتمع المدني. وأشار شهاب إلى أسباب القلق الذي عم العالم الإسلامي من تسلل المجتمع المدني إليه بحيث يرى فريق من المفكرين الإسلاميين أن المدني هو ما يقابل الديني، وهو مشروع انطلق في مواجهة الحالة الدينية في العالم الغربي.
ويرى المعترضون أن جميع ما تشهده المجتمعات الغربية من دمار أخلاقي هو بسبب هذه المواجهة بين الديني والمدني وبالتالي فإن القلق من تسلل المفهوم وآثاره إلى العالم الإسلامي أمر مشروع، لاسيما أن الأساس الإيديولوجي الذي يتحرك فيه المجتمع المدني هو القيم الليبرالية والعلمانية، وهي المعتقدات التي لا تتواءم في رأي الكثيرين مع المعتقدات والقيم الإسلامية.
كما يرى الباحث أن البعض الآخر قد اقترح أسلمه مفهوم المجتمع المدني والخروج من أبعاد المفهوم الفلسفي لارتباطه بالفكر الغربي، معتبرين ذلك الحل الأمثل للاستفادة من ايجابيات المجتمع المدني دون التورط في إيحاءاته السلبية، ووجد آخرون أولوية للحديث عن الثقافة الإسلامية والتجربة العربية، بينما مال فريق آخر إلى أن مفهوم المجتمع المدني يعبر عن حالة متطورة بينما يعبر مفهوم المجتمع الأهلي عن حالة تقليدية صرفة.
ووسط هذا الزخم الهائل من الآراء يؤكد شهاب على ضرورة مراعاة التفاوت الكبير بين المجتمعات الغربية هو أمر لابد منه، والطريق إلى المجتمع المدني لا يمكن أن يكون واحدا في كل المجتمعات، فإن كانت بعض المجتمعات لها قابلية الانتقال من الحالة القبلية إلى الحالة المؤسسية في ظرف سنوات قليلة، فإن ثمة مجتمعات تتطلب ظروف انتقالها فترات أطول.
وينقلنا المؤلف إلى حركة المجتمع الإسلامي من خلال عدد من المؤرخين الذين يرون أن مسيرة الأمة كانت حافلة بالإنجاز مع قلة مساهمة السلطة بهذا الشأن، بحيث كانت سيدة المبادرة والبناء من خلال المؤسسات الدينية مثل مؤسسة المسجد الذي كان مكانا للعبادة ولالتقاء المسلمين وإقامة ندواتهم، فهو من أوائل المراكز العلمية في تاريخ المسلمين.
بالإضافة إلى مؤسسة الوقف التي كان لها مساهمة فعالة في الحضارة الإسلامية بالإنفاق على العلم والعلماء والمراكز العلمية والبريد، وحل المشكلات الأسرية، وتزويج المعوزين ودعم الضعفاء والأيتام والغرباء والعجزة والمعدمين، وهنا يمثل الوقف أحد أهم المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتربوية في المجتمع الإسلامي.
وفي الإطار نفسه يرى الباحث أن المسلمين اهتموا أيضا بالتطوير الطبي وما يتعلق به من طباعة الكتب وفتح المكتبات الخاصة بالعلوم الطبية، ورعاية الباحثين والعلماء والإنفاق على تأليف كتب الطب والصيدلة، وإنشاء المرافق الخاصة بالمستشفيات.
وفي سياق آخر يعتبر المؤلف أن الإسلام لا يعارض الحداثة من حيث هي تجديد ومواكبة لأزمة التطور البشري، والشاهد على ذلك التجربة التاريخية لتألق الإسلام في هذا المجال، ومواكبة المسلمين للعلم والإبداع والمثال في ذلك بعض الدول التي لم يعيقها إسلامها وقيمها ومبادئها والتزامها من مواكبة الحداثة، والتفكير الدائم المرتبط بالعمل والنهضة والتجدد والمواكبة، منها ماليزيا، اليابان وبعض المجتمعات الآسيوية الأخرى.
وفي إطار جهود التأصيل أو البحث عن المواكبة يؤكد الكاتب على مدى مساهمة الجدل بين العلماء والمثقفين في العالم الإسلامي حول المجتمع المدني إلى التأكيد على المفهوم والتوسع في استخدامه بحيث استطاع عدد من المفكرين استنطاق المفهوم بصورة جديدة، وخلصوا إلى عدم وجود تصادم فعلي بين المجتمع المدني والمجتمع الإسلامي، فالأول لا ينفي الثاني والثاني لا يستدعي العداء مع الأول.
ويستعرض شهاب دور المجتمع المدني في بناء الديمقراطية، فالانتقال الديمقراطي هو تحول من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي تعددي، بحيث تتم عملية التحول بوسائل مختلفة، بعضها يأتي من الأعلى بوساطة المجتمع وقواه الفاعلة أو بإرادة السلطة ومبادرة المجتمع، كما أن بعضها يأتي نتيجة ضغوط الخارج والبعض الآخر إفراز لحراك الداخل.
ويرى الباحث أن المجتمع المدني يلعب دورا أساسيا في عملية الانتقال الديمقراطي، مما يتعين على المهتمين بالديمقراطية العناية ببناء المجتمع المدني كنوع من تعزيز الديمقراطية، مشيرا إلى عوامل عديدة مؤثرة في التحول الديمقراطي الذي يساهم فيه المجتمع المدني، وهي الضغط، المراقبة، التنمية، التمثيل، التدريب، والمواطنة.
وتناول المؤلف المجتمع المدني الخليجي مثالا عن مدى ملاءمة فكرة المجتمع المدني مع البيئة الخليجية التي تتصف بالتقليدية والمحافظة وضآلة التجديد إلا أنه مع بدايات النصف الأول من القرن العشرين حدث نزوع إلى التشكل الجماعي من خلال هيئات ومؤسسات مدنية ذات طابع ثقافي وأدبي وتنموي. كما شهدت سنوات التسعينات انفراجا للمجتمع المدني في الدول الخليجية من خلال التعبير عن إرادة تبتغي بناء مستقبل واعد على أسس من الحريات والمشاركة الشعبية.
ويشير المؤلف إلى التطور الملموس الذي شهدته هذه المجتمعات في مجال حقوق الإنسان أو على صعيد إنشاء الجمعيات الأهلية المعنية بحقوق الإنسان أو على صعيد انفتاحها على المنظمات الحقوقية الدولية. ويعتبر شهاب أن دور المجتمع المدني لا ينحصر في منافسة الدولة وإنما يستهدف في جوهره استثمار واستيعاب البرامج والخبرات والطاقات، فالمجتمع المدني ليس بالضرورة نقيض للدولة، وإنما بحسب طبيعة هذه الدولة فإذا كانت هذه الدولة ديمقراطية دستورية، فإن التكامل والتعاضد سيكون سمة العلاقة بينهما.
ويدعو المؤلف إلى بناء مجتمع ديمقراطي يصنع النظام الديمقراطي وذلك بإنشاء مؤسسات ديمقراطية توفر حدا لا ينقص من الإيمان بالحرية والالتزام بالعدالة واحترام التنوعات الاجتماعية، بالإضافة إلى وجود حي وحقيقي لنظريات خاصة بالتنمية الاجتماعية.
ناهد رضوان
*الكتاب:المجتمع المدني والدولة المعاصرة
*الناشر: مؤسسة الانتشار العربي ـ بيروت 2007
*الصفحات:103 صفحات من القطع المتوسط