مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور أحمد الموصللي أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت.. صدر له من قبل موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران فضلا عن مؤلفات أخرى عديدة. ويقدم المؤلف في هذا الكتاب دراسة تركز على محور شديد الأهمية يسعى من خلاله إلى تجديده والغوص فيه وهو محور المبادئ الأساسية للحكم والسياسة التي تطورت في التاريخ الإسلامي الأول والوسيط ويهدف من خلال ذلك كما يشير إلى تفصيل وتطوير هذه المبادئ والأسس الأولية التي لا تتعارض مع الفكر

الليبرالي الحديث للديمقراطية الغربية والتعددية وحقوق الإنسان بالرغم من أنها نمت في العالم الإسلامي تاريخيا بشكل مختلف عن الغرب. ويحاول المؤلف في هذا الإطار أن يثبت البراهين التي تؤكد أن هذه المبادئ تشتمل على مفاهيم العقد السياسي وتقبل الاختلاف والتعددية والمعارضة وحقوق الاقليات والإنسان. ويشير المؤلف في معرض التوضيح إلى أن الدراسة ليست تاريخية للعصور الإسلامية مشيرا إلى أن غايتها دراسة الأفكار ورصد خصائصها وتطوراتها ما يجعل منها إسهام له قيمته في تحليل الخطاب الإسلامي وتتبع التنوعات في مساره.

وإزاء محورية فترة التكوين الأولى في تشكيل الفكر الإسلامي وبسبب أثرها في وعي المسلمين يحاول المؤلف توظيف أمثلة عديدة من مراحل تاريخية متعددة كالأمويين والعباسيين والفاطميين من أجل تحديد وإظهار التغيرات والتفسيرات في العديد من المبادئ الإسلامية حول الحكم والسياسة. وعبر ربط الفكر الإسلامي الكلاسيكي والوسطوي بالنقاشات السياسية والدينية الحالية يؤكد الكتاب أن الفكر الإسلامي عموما والفكر الإسلامي الأصولي الحالي استوعب وأسلم مبادئ الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان.

وعلى المستوى الديني والأيديولوجي تشكل مبادئ الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان المؤسلمة قطيعة معرفية مع الماضي. فعلى المستوى السياسي توسع هذه المبادئ المساحة الشخصية والاجتماعية والسياسية والفلسفية في العالم العربي. أما على المستوى الدولي فهى تزود العالم العربي بأرضية مشتركة مع الغرب وعلى المستوى الثقافي تشكل هذه المبادئ سياقا عاما ولغة سياسية للحوار بين الثقافات والأديان والنظم السياسية.

وعلى ذلك فالمقولة الأساسية التي يذهب اليها المؤلف من خلال مادة كتابه هى الإشارة إلى أنه اذا كان تاريخ المؤسسة السياسية العظمى - الخلافة - هو عموما تاريخ الحكومات الإستبدادية، إلا أن التاريخ الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي يعج بالمؤسسات والمبادئ الليبرالية، ففي الفكر السياسي الإسلامي الكلاسيكي والوسطوي هناك مبادئ قديمة وموازية وأكثر عالمية من مبادئ المساواة والحرية والعدالة كما يصورها الفكر التقليدي اليوم.

على هذا الأساس يتناول الدكتور أحمد الموصللي في الفصل الأول للكتاب بالشرح مبادئ الحكم والسياسة في الفكرين الإسلاميين القديم والوسيط تحت عنوان جدليات الشورى والديمقراطية ويظهر هذا الفصل كيف أن الشورى المؤسسة على إختيار الجماعة والعقد بين الحاكم والمحكوم المنعقد حول قسم البيعة وإجماع الأمة شكلت المناهج النظرية التي يجب أن تحكم الحياة السياسية.

ويشير المؤلف إلى أنه من الواضح أن الاجماع والشورى هما ركنا تأسيس دولة اسلامية حرة تمثيلية، غير أن ذلك لم يمنع من وجهة نظره لاحقا من تطور الخلافات الأساسية حول طبيعة الخلافة وتمثيلها المركز الأعلى في الدولة الإسلامية ، مشيرا إلى أن هناك ثلاثة آراء مهمة ما زالت إلى اليوم تستقطب المسلمين.

يتمثل الرأى الأول في أن الخليفة يمثل الله على الأرض والرأى الثاني أنه يمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرأى الثالث أنه يمثل الجماعة وهذا هو الرأي الراجح، اذ أن الجماعة لا الحاكم هي المستخلفة في الأرض وبالتالي هي صاحبة الرأي في اختيار من يمثلها ويحكمها. ويوضح المؤلف في سياق استعراض هذا الجانب أن الخلاف حول طبيعة الخلافة وصل إلى حدود التشكيك في ضرورتها الشرعية، معتبرا أن هناك القليل من العلماء الذين اعتبروا أن عدم تعيين خليفة مخالفة لواجب شرعي.

ثم يتطرق في الفصل الثاني إلى الإختلاف والتعددية فيظهر أن الفكر الإسلامي نظريا وتاريخيا يقوم على فكرة الإختلاف الذي تبلور في تعدد علوم التفسير والفلسفة وعلم الكلام والفقه والسياسة والرأي العام. كما يوضح أن مبدأي المعارضة والثورة كان لهما تبريرات دينية نظرية ترتكز على العديد من المبادئ السياسية والدينية.

ثم يعالج في الفصل الثالث الحقوق الشرعية وحقوق الإنسان، وفلسفة حقوق الإنسان في الإسلام وتقسيماتها التي تشتمل على الحقوق العامة وكذلك حقوق المرأة والعائلة والاقليات. ويعالج القسم الثاني من كل فصل كيف طور الإسلاميون الموضوعات التي تم بحثها من خلال الفكر الإسلامي القديم والوسيط إلى تبني أو رفض الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وكذلك يظهر الإختلافات والتعددية في الخطابات الإسلامية للحركات الإسلامية في العصر الحديث ويحلل الرؤى المختلفة للتيارات الإسلامية المعتدلة والمتشددة.

وفي سياق سعيه لإظهار كيفية تطور العديد من المبادئ الإسلامية أو تعليقها وكيفية قراءتها في السياقات المتعددة يشير المؤلف إلى مثال حرية المعتقد مشيرا إلى أنه لا يمكن التعامل معه مع نظيره الغربي في حرية الإعتقاد. فالنصوص الإسلامية الأساسية، القرآن والسنة، تؤكد حق الناس في حرية الاعتقاد، إلا أن الردة تختلف عن حرية المعتقد.

إذ أنها لا تؤشر فقط إلى الاختلاف في الاعتقاد بل الخيانة ضد الدولة الإسلامية، فالنبي نفسه عامل المنافقين على أنهم مسلمون عند عدم وقوفهم ضد الدولة بينما عامل الخليفة الأول مجموعة من المسلمين الذين امتنعوا عن دفع الزكاة على أنهم مرتدون.

وهكذا كانت حرية الإعتقاد والردة تعاملان بشكل مختلف حسب السياق العام للدولة الإسلامية لكن في عصور لاحقة ربط الإعتقاد والردة أحدهما بالآخر ما أدى إلى الإشكالية التي نعانيها اليوم. وعلى خلفية هذا الفهم يحاول المؤلف التمييز بين الإسلام كدين وكنظام إيماني وإلهي والدولة الإسلامية كنظام سياسيي وضعت أسسه وبنيته الجماعة والعلماء، معتبرا أن القدرة على التمييز بين الإلهي والإنساني يفتح الأفق أمام المسلمين للتفسير الجديد واعادة التفسير وكذلك التفكيك والبناء.

ومعتمدا على هذه الرؤية يستخدم المؤلف هذا النهج في التفكير في التأكيد على أن التنوع الديني والعرقي للأنظمة السياسية التاريخية الإسلامية مهد الطريق اليوم لتبني قيام المجتمع التعددي، وأنه على عكس أولئك الذين يريدون دولة إسلامية قائمة على مفاهيم (طهورية) فإن القانون الأساسي للدولة الإسلامية الأولى فرق بين السلطة الدينية والسلطة السياسية.

وأنه بالرغم من أن السلطة الدينية لم يكن لها الخيار سوى الدعوة إلى الإسلام كان للسلطة السياسية - حسب المؤلف - أن تتعامل مع المؤسسات الدينية والإثنية والاجتماعية والتطورات السياسية والاقتصادية والحاجات والتطلعات الإنسانية لهذا عندما قامت الدولة الإسلامية الأولى كانت تتشكل من فئات دينية متعددة معترفة بالتعدد الاجتماعي والإثني والاقتصادي والسياسي ما يظهر الرؤية الإسلامية التعددية والمنفتحة للحياة الاجتماعية.

وحسب المؤلف أيضا فإنه يمكن توظيف الشورى كشكل من أشكال السلطة الجماعية من أجل تطوير مفاهيم الشرعية ومناهج عملها فمرونتها، حسبه، قابلة للتحول إلى منهج ديمقراطي في الحياة السياسية بين الدول وفي الدول ومع العالم وهكذا فإن مفهوما قديما وعبر تفكيكه واعادة تركيبه في سياق حديث تحول إلى مفهوم يستوعب التفسيرات الديمقراطية وبداية لعملية تأصيلية لديمقراطية شرعية في العالم الإسلامي المعاصر.

ويمثل الشورى والاجماع مفتاحين يمكن للمسلمين توظيفهما من اجل التطوير الإسلامي للديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان فهما يقفان في مواجهة مفهومي حاكمية الله وجاهلية العالم. وعلى نفس النحو يقرر المؤلف أن اعادة إحياء مفهوم الإختلاف يفتح احتمالات قبول التفسيرات المتنوعة والمختلفة حول طبيعة الحكم والحكومة .

وكذلك حول المؤسسات الدينية والاجتماعية بما فيها تعدد الأديان والفلسفات علاوة على ذلك فإن مشروعية المعارضة وضرورة الحقوق الشرعية يمكن توظيفها اليوم في نطاق الحياة السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية الحديثة، فهذه المفاهيم تعطي حججا شرعية ليس فقط للأقليات بل أيضا للأكثريات ضد طغيان الدولة الحديثة في العالم الإسلامي وفتح الباب أمام انتخابات حرة للحكام وللتقليل من تقليدية المؤسسات الإسلامية.

ويصل الدكتور الموصللي إلى القول إن توظيف الإسلاميين المتشددين العنف ليس له أساس نظري، بل إن نظرية العنف تطورت تاريخيا، فالنظريات التي تبرر العنف هى رد نظري على العنف الذي مورس عليهم.

فيما أن الخطابات التفسيرية الإسلامية المعتدلة للنهضة الإسلامية تركز على إنهاء الدور التأسيسي المقدس للماضي ومع أن أصحاب هذه الخطابات يستثنون القرآن والسنة من رؤيتهم للماضي باعتبار أنهما الأصلان التأسيسيان إلا أنهما يخضعان للعديد من التفسيرات.. وبهذه الطريقة تهمش الأصولية المعتدلة الفقه التقليدي وتستبدله بأيديولوجية حديثة.

مصطفى عبد الرازق

*الكتاب:جدليات الشوري والديمقراطية

*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 2007

*الصفحات:199 صفحة من القطع الكبير