مؤلف كتاب «المسائل لإيضاح المسائل» هو الفيلسوف «محيي الدين بن عربي - أبوبكر بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الطائي الخاتمي المولود سنة 560هـ في «مرسية» حاضرة شرقي الأندلس، وكانت ولادته في عهد الخليفة العباسي «المستنجد بالله» في كنف أسرة عريقة وغنية، عرفت بميولها الدينية والروحية.
أمضى ابن عربي سنواته الأولى في «مرسية» ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره، انتقل إلى «إشبيلية» حيث تلقى علومه الدينية والأدبية المبكرة على يد أشهر علماء الأندلس، وقد هيأت له مواهبه الروحية والأدبية المبكرة أن ينال وظيفة كاتب في هذه السن المبكرة، ويتزوج من امرأة ذات ميول روحيّة، والتي أسهمت في دفعه نحو المذهب الصوفي، ليجمعه والده بعد ذالك في «قرطبة» مع أعظم شارحي «أرسطو» الفيلسوف» «ابن رشد» إذ مثل اللقاء ذروة اللقاء بين المناهج المتصارعة.
وكان لقاء تاريخيا بين العقل والقلب، إذ مثل هذا اللقاء ببعده المنهجي آخر لقاء بين طريقين سينتهجان العالمين الشرقي والغربي، حيث أصبح «ابن رشد» أعظم مفكري الإسلام في الغرب، فيما أصبح «ابن عربي» الشخصية اللامعة في الباطنية الإسلامية قاطبة. سطع نجم «ابن عربي» في الأندلس، وبحلول عام 598 ه، قرر الرحيل إلى المشرق بصورة نهائية بحيث لم يعد بعدها إلى الأندلس وقد اختار «دمشق» بعد زيارته لعدد من عواصم العالم الإسلامي لتكون مستقره، إلى أن توفي فيها سنة 638ه، بعد أنجز قرابة ستمئة كتاب ورسالة، وقد تعاظم الاهتمام بفكرة بعد موته، بفعل النتاج الإشكالي الكبير الذي خلفه وراءه.
يندرج كتاب «المسائل لإيضاح المسائل» ضمن المرحلة المتأخرة من كتابات «ابن عربي» أي مرحلة ما بعد «فصوص الحكم»، وهي المرحلة الأكثر أهمية وخصباً من مراحل تجربة «ابن عربي» إذ تستند إنجازات هذه المرحلة إلى المراجعة والتقويم «متوزعة على اتجاهين: الأول باتجاه الاشتغال على تعديل بعض المواقف والأفكار السابقة ومن ثم الخروج بموقف معارض للتصورات الأولى والاتجاه الثاني: الإصرار على المواقف الرئيسية في مذهبه وممارسة نوع من الصياغة النهائية لهذه الأفكار.
ومن هنا يمكن القول إن هذا النص ـ كتاب المسائل «نهض على مجموعة نصوص سابقة عليه ليكون بؤرة اجتماع لمعظم طروحاته. يتكون هذا الكتاب من مئتين وثلاثين مسألة وفي كل مسألة يناقش ابن عربي موضوعاً معيناً ففي المسألة 229 يقول سئل الامام «علي» رضي الله وكرم الله وجهه: هل عرفت الله بـ « محمد» صلى الله عليه وسلم أم عرفت «محمد» صلى الله عليه وسلم بالله؟
فقال رضي الله عنه لو عرفت الله بمحمد صلى الله عليه وسلم لما عبدته ولكان «محمد» صلى الله عليه وسلم أوثق في نفسي من الله ولو عرفت محمداً صلى الله عليه وسلم بالله لما احتجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز وجل عرفني نفسه كما شاء بلا كيف، وبعث محمد صلى الله عليه وسلم بتبليغ أحكام القرآن وبيان معضلات الإسلام والإيمان، وإثبات الحجة، وتقويم الناس على منهج الإخلاص فصدقته لما جاء به.
وهكذا يعرض علينا مسائل إشكالية هي تحديداً تلك التي كانت مفاصل خلافية مع المتكلمين والفلاسفة والفقهاء بتأكيد ابن عربي على شرعية هذه المواقف بالاستناد إلى الكشف واليقين العرفانيين بعد المرور بكل مراحلهما، على الرغم من ردة الفعل التي خلفتها في الأوساط الإسلامية.
في المسألة الثانية يقول: قال الله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون» اعلم أن العبادة هي الذلة في اللغة، وهي ذاتية للعبد لا يحتاج فيها إلى تكليف وقال الله تعالى: «وقضى ربك الاّتعبدوا إلاّ إياه» وقضاء الله تعالى لا يرد، ولابدّ أن يكون الخالق تعالى عين كل صورة يعبدها المخلوق، وكما أنه تعالى عين كل صورة معبودة فكذا هو عين كل صورة عابدة.لأنه تعالى عين كل مفتقر إليه. وهكذا يقدم ابن عربي كتابه بإشاراته لأن: الإشارة أفصح من العبارة فإن العبارة تفتقر إلى علم الاصطلاح وليست الإشارة كذلك.