تدفع المطابع العربية سنوياً مئات الكتب الشعرية والقصصية لمحترفين وهواة، لمشهورين ومغمورين، وجلها يدور حول ذات فردية ترى في دمارها العاطفي نهاية للبشرية. كتب تستهلك أطناناً من الورق والأحبار والوقت والمال لتذهب إلى الحفظ أو في أحسن الأحوال للتصفح، ثم الإهمال.

ليس انتقاصاً من دور كتب الإبداع، أو تقليلاً من شأنها فلولاها لجفت الحياة ولأصبح العيش صعباً، لأن الشعر يرطب جفاف الروح ويهدئ قلق العواطف، وإليه يلجأ العشاق لتوجيه رسائلهم الوجدانية إلى حبيباتهم، وتبدو ضرورته أكثر كلما أوغلت التكنولوجيا في مكننة الإنسان وتحويله إلى آلة تتلقى ما أنتجه العقل الجامد.

ولأن العقول الجامدة تؤخر الحياة وتطيل الطريق إلى المستقبل كان لا بد من وجود كتاب تنويري يحرك هذا الجمود ويكسر حاجز الصمت الذي يلف حاضرنا بأسلاك من جهل وخوف. جاهلون لأننا توقفنا لدى مرحلة زمنية من التاريخ ورحنا ننظر من خلالها إلى العالم متنمطقين بقول الشاعر «لنا الصدر دون العالمين أو القبر» لا نرى الدنيا إلا من خلال تاريخ أجدادنا ونحارب الحاضر بسيوفنا التي صدأت وأكل الزمان عليها وولى.

وخائفون لأن الإنسان عدو ما يجهل فيخاف من الآخر ويتوجس منه ويشعر بالرعب فيغلق دونه الأبواب ويتقوقع على ذاته مرضاً وجهلاً وخوفاً وقلة حيلة ومعرفة. لذلك تبدو الأعداد الهائلة لكتب الشعر والقصة مدعاة للدهشة في ظل غياب الكتب الفكرية المستقبلية التي تطرح الأسئلة وتثير القضايا، وفي ظل تراجع النقد الاجتماعي والديني وتراجع البحث في أسباب التأخر وعدم الإيمان بالنهضة طريقاً إلى استعادة العيش الكريم والآمن.

تغيب الكتب الفكرية وتحضر دواوين الشعر بكثرة، لأن الشعر دفقة عواطف وفورة وجدانية سريعة التسجيل والتأثير، بينما الكتب الفكرية والنقدية والمستقبلية تحتاج إلى جهد أكبر وأوسع وتحليل ومحاكمة مما يعني المزيد من إشغال الذهن وطرح الأسئلة وقراءة التنويرين السابقين واستخلاص النتائج التي توصلوا إليها وإعادة تقديمها للمجتمع، لعل ذلك يفيد في تحريك الماء الراكد في بحيرة الصمت والسكون، ولعلنا نضع كتباً أكثر فائدة مستقبلاً للأجيال وللأوطان.

hussain@albayan.ae