مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الفرنسية لايتيسيا فان ايخوت التي تشتغل كصحفية في جريدة «لوموند» الباريسية الشهيرة. وكانت قد اهتمت سابقا بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية قبل أن تنتقل إلى الاهتمام بشؤون الهجرة والمهاجرين. وفي هذا الكتاب الجديد تقدم المؤلفة بانوراما واسعة عن موجات الهجرة التي قدمت إلى فرنسا خصوصا وأوروبا عموما على مدار نصف القرن الماضي.
ومنذ البداية تقول المؤلفة ما معناه: من المؤسف أن وسائل الإعلام لا تتحدث عن الهجرة والمهاجرين إلا في أوقات الانتخابات عندما تحمى النفوس كثيرا. وعندئذ يستغل اليمين المتطرف هذه الظاهرة لتعبئة الرأي العام ضد العمال المغتربين أو العرب والمسلمين والأفارقة السود أيضا. نقول ذلك في حين أن دراسة موضوع حساس وخطير كموضوع الهجرة يحتاج إلى برودة أعصاب لمعالجته. ثم تطرح المؤلفة هذا السؤال: كم هو عدد المهاجرين في فرنسا؟ وتجيب عليه قائلة: في آخر إحصاء أجرته السلطات الفرنسية عام 2004 تبين أنه يوجد في فرنسا حوالي الخمسة مليون أجنبي مغترب. وهذا يعني أنهم يشكلون نسبة 8 بالمائة من عدد سكان فرنسا. ولكن أربعين بالمائة من هؤلاء يحملون الجنسية الفرنسية: أي حوالي المليوني نسمة. أما أولئك الذين لا يحملون الجنسية الفرنسية فيصل عددهم إلى 96. 2 مليون نسمة: أي نسبة 60 بالمئة من كل المهاجرين.
ثم تردف المؤلفة قائلة: إن الهجرات الوافدة إلى فرنسا للعيش فيها قديمة العهد. ففي القرون الوسطى كما في العصور الحديثة استقبلت فرنسا أناسا من مختلف الأنواع والأصناف. ولكن موجات الهجرة لم تكبر وتأخذ كل أبعادها إلا في نهاية القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية. فقد احتاجت فرنسا عندئذ إلى أيدي عاملة كثيرة لإدارة عجلات المصانع كما يقال. وبما أن فرنسا عانت آنذاك من نقص في الولادات وبالتالي من تدهور في عدد السكان فإنها اضطرت لاستقبال الموجة الكبرى الأولى من موجات الهجرة. وقد استمرت من عام 1870 حتى عام 1910.
وبعد الحرب العالمية الأولى وسقوط مليون ونصف قتيل في ساح الوغى اضطرت فرنسا من جديد لاستقبال موجة ثانية من الهجرة الأجنبية، وأصبحت فرنسا عندئذ البلد الثاني للهجرة في العالم بعد الولايات المتحدة. ولكن هذه الهجرات الأولى كانت أوروبية في معظمها: أي إيطالية، وإسبانية، وبرتغالية، وبولونية، الخ. لم يكن هناك عرب أو مسلمون إلا قليل القليل.
ثم بعد الحرب العالمية الثانية اضطرت فرنسا إلى استقبال الموجة الثالثة للهجرة. وكانت هذه المرة في معظمها من دول شمال إفريقيا وبعض دول إفريقيا السوداء. بمعنى آخر فإنها كانت عربية إسلامية في معظمها. وهي التي تشكل الآن التحدي الأكبر للمجتمع الفرنسي بعد أن وصلت هذه الهجرة إلى مستوى الجيل الثاني والثالث بل وحتى الرابع.
والواقع أن فرنسا هي التي استدعت العمال المهاجرين آنذاك من المغرب وتونس والجزائر لكي يعيدوا بناءها المهدم على إثر الحرب العالمية الثانية. ثم قبلت فيما بعد أن يجلبوا عائلاتهم لكي تعيش معهم. وعلى هذا النحو تزايد عدد العرب والمسلمين إلى حد كبير في فرنسا حتى أصبح يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للسلطات الرسمية وللمجتمع الفرنسي ككل.
ثم تردف المؤلفة قائلة: إن اليمين المتطرف يستخدم مشكلة المغتربين كسلاح فعال للحصول على أصوات الناخبين الفرنسيين. فهو يحذر السكان من خطورة الأجانب عليهم وأنهم يأكلون خبزهم اليومي. ويرفع اليمين المتطرف الشعار التالي: فرنسا للفرنسيين. وهناك حجة أخرى يستخدمها ألا وهي: إن الهجرات السابقة أي الإيطالية والبولونية والبرتغالية، كانت مسيحية أوروبية وبالتالي يسهل امتصاصها ودمجها في المجتمع لأنها تنتمي إلى نفس الحضارة والدين.
هذا في حين أن الهجرات الأخيرة كانت مغاربية أو عربية إسلامية وبالتالي فيستعصي دمجها داخل الحضارة الفرنسية. ولكن هذا اليمين المتطرف ينسى أن الشعب الفرنسي كان يستخدم ضد موجات المهاجرين الأولى نفس المحاجات السلبية التي يستخدمها الآن ضد العرب والمسلمين. فقد كان يكره الإيطاليين ويتهمهم بأنهم جاؤوا لسرقة خبزه اليومي، وأنهم متخلفون، وسخون، لا يحبون فرنسا. ويكفي أن نفتح جرائد تلك الحقبة التي تعود إلى أوائل القرن العشرين لكي نتأكد من ذلك. عندئذ سنجد نفس الشتائم والهجمات التي تستخدم ضد المغاربة حاليا.
وبالتالي فما أشبه الليلة بالبارحة! ثم من قال بأن المسلمين أو العرب لا يندمجون في المجتمع الفرنسي؟ الكثيرون اندمجوا بمئات الآلاف حاليا. فهناك العمال المحترفون، والأطباء، والصيادلة، والأساتذة، والمهندسون، بل وحتى رؤساء الشركات والوزراء، الخ. وبالتالي فالعربي أو المسلم قادر على الاندماج في المجتمع الحديث إذا ما أتيحت له فرصة العمل والتقدم وإثبات كفاءاته وجدارته.
والكثيرون هنا يقولون بأن المهاجرين العرب حظ لفرنسا بقدر ما أن فرنسا حظ لهم. فهم يزيدون من عدد سكان فرنسا عن طريق خصوبة عالية في الولادة. وهم يقدمون لفرنسا شبابهم وطاقة عملهم وحماستهم للعطاء والإنتاج والإبداع.
وبالتالي فتخويف الناس منهم أمر سياسي هدفه استغلال الوضع لغايات انتخابية ليس إلا. لا ريب في أن هناك أزمة ضواحي في فرنسا، ولكن من المسؤول عنها؟ أليست الدولة بالدرجة الأولى؟ فلو كانت الدولة تعطي فرص العمل لأبناء المهاجرين لما تزايدت أعمال الشغب والعصيان والسرقة والمتاجرة بالمخدرات وأعمال العدوان على الناس في الشوارع أو في الميترو، الخ.
نقول ذلك ونحن نعلم أن نسبة البطالة عالية جدا في أوساط الجاليات المهاجرة. إنها أعلى بكثير مما هي عليه في أوساط الفرنسيين الأصليين، وأحيانا تصل إلى سبعين بالمئة أو أكثر. وبالتالي فالمشاكل الاجتماعية ناتجة عن البطالة والفقر المدقع بالدرجة الأولى، ولولا ذلك لخفّت نسبة الجنح والجرائم التي يرتكبها أبناء المهاجرين يوميا. فالفقر كافر وهو أصل كل الرذائل والانحرافات والنواقص.
ثم تتحدث المؤلفة بعدئذ عن الهجرة على مستوى أوروبا كلها وليس فقط فرنسا وتقول بما معناه: إن أوروبا هي الآن أكبر قارة لاستقبال الهجرة في العالم. فبما أنها مزدهرة جدا من الناحية الاقتصادية فإن معظم أبناء العالم الثالث يرغبون في الهجرة إليها من أجل تحسين أوضاعهم المعاشية.
ويمكن القول إن نسبة الهجرة أو قل نسبة الأجانب في أوروبا تصل إلى خمسة بالمائة من عدد سكانها. وهذا يعني أنه يوجد في أوروبا ما لا يقل عن خمسة عشر مليون أجنبي. وأكبر جالية مهاجرة في ألمانيا هي الأتراك (ثلاثة ملايين)، يتلوهم مواطنو دول يوغسلافيا السابقة (مليونان ونصف تقريبا). ولكن لا ينبغي أن ننسى المغاربة الذين أصبحوا الآن منتشرين في كل أنحاء أوروبا تقريبا.
وعموما فإن الجزائريين والمغاربة والتوانسة يشكلون جاليات ضخمة وبخاصة في فرنسا. ولكن هناك أيضا مغاربة كثيرون في بلجيكا وهولندا وإيطاليا واسبانيا وسواها من البلدان. ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: وبعد التفجيرات الأخيرة أصبح سكان أوروبا يخشون المهاجرين من أصل عربي أو إسلامي. والواقع أن تفجيرات 11 سبتمبر انعكست سلبا على الجاليات العربية في أوروبا. وراحت تدفع ثمن كل ما لا علاقة لها به. وهكذا راح الصالح بجريرة الطالح كما يقال. ولكن لا ينبغي أن نبالغ في ذلك، فشعوب أوروبا ناضجة حضاريا ولا تستسلم لردات الفعل والانفعالات البدائية. ولولا ذلك لحصلت جرائم كثيرة ضد المهاجرين وعائلاتهم.
*الكتاب:الهجرة والمهاجرون
*الناشر:اوديل جاكوب - باريس 2007
*الصفحات:181 صفحة من القطع الصغير
L'immigration
Laetitia Van Eeckhout
Odile Jacob- Paris
p.181