مؤلف هذا الكتاب هو الباحث البريطاني ستيفين جونز أستاذ النظرية الثقافية والعلوم السياسية في جامعة نونتنغهام ترينت بانجلترا. وهو يقدم هنا دراسة جديدة عن أفكار وحياة المفكر الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي. ويربط الماضي بالحاضر عن طريق الكشف عن راهنية فلسفة غرامشي وحضورها المستمر او المتواصل حتى الآن. فهو كما يقول المؤلف يساعدنا على فهم قضايا الواقع الراهن في العالم.

فسياسة مرغريت تاتشير اليمينية الرأسمالية يمكن فهمها على ضوء فلسفة غرامشي المعادية للاستغلال الرأسمالي، بل ان حدثا خطيرا مثل موت الأميرة ديانا يمكن فهمه عن طريق نظرية الهيمنة الغربية التي بلورها غرامشي. فهي هيمنة كاسحة ولا تقبل بأي معارضة حتى ولو جاءت من طرف الأميرة ديانا. فمن هو هذا المفكر يا ترى؟ وما هي أهميته في تاريخ الفكر الحديث؟ عن هذين السؤالين يجيب المؤلف قائلا: لا يمكن فهم غرامشي إلا إذا موضعناه ضمن سياقه التاريخي والظروف الاستثنائية التي عاشها. وكان هو شخصيا يدعونا إلى موضعة أي مفكر وأي فكر داخل الظروف المادية - التاريخية لعصره وإلا فلن نفهمه بشكل جيد. فلماذا لا نطبق عليه نظريته إذن؟

لقد ولد غرامشي في منطقة سردينيا في عائلة تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة لأن والده كان موظفا متواضعا وله راتب. ولكنه فقد راتبه ووظيفته لأسباب معينة وأصبحت العائلة فقيرة جدا. وبالتالي فقد عاش الطفل انطونيو حياة البؤس والحرمان حتى خرج أبوه من السجن حيث أمضى خمس سنوات. وقد اضطر انطونيو إلى العمل وهو في الثانية عشرة فقط من أجل مساعدة عائلته الكثيرة العدد.

ثم أتيح له بعدئذ أن ينال منحة دراسية ويدخل إلى جامعة تورين عام 1911، أي وهو في العشرين من عمره. وبما أنه كان ذكيا جدا فقد ابتدأ الكتابة في الجرائد الإيطالية وهو في الرابعة والعشرين. وقد راح يدافع عن طبقة عمال السيارات الذي كانوا كثيرين في المنطقة لأن الدولة فتحت معامل عديدة هناك وكذلك الشركات الخاصة.

وبالطبع فكان استغلال العامل سائدا على قدم وساق. ولم تكن الطبقة الرأسمالية ترحم أحدا. وعندما رأى غرامشي كل هذا الفقر والبؤس جن جنونه، وقرر الانتساب فورا إلى الحزب الاشتراكي الإيطالي الذي أصبح فيما بعد الحزب الشيوعي. ثم يقول المؤلف بما معناه: لقد كان غرامشي ذا نزعة إنسانية عميقة وكبيرة. ولذلك انخرط في النقابات العمالية والتنظيمات السياسية التي تدافع عن المستضعفين في الأرض. بل ساهم في التمرد العمالي الذي اندلع عام 1917 في مدينة تورين. ولكنه فشل نظرا لعدم التخطيط الجيد له.

ثم راح ينخرط بعدئذ في كتابة مقالات عديدة يدعو فيها إلى تثقيف العمال سياسيا وفكريا وإلى إعادة تنظيم المجتمع الإيطالي بشكل مختلف وتشكيل ثقافة اشتراكية جديدة. وقال غرامشي بأنه لا يمكن تطبيق هذا البرنامج بشكل ناجح إلا إذا أجرينا تغييرا جذريا على الحزب الاشتراكي الإيطالي. فهذا الحزب ينبغي أن يصبح حزبا ثوريا بالفعل. وبعدئذ ينبغي عليه أن يفجر الثورة الشاملة. فإما أن يصل إلى السلطة ويغير تركيبة المجتمع ويحل العدالة محل الظلم، وإما أن تنتصر السلطة الرأسمالية عليه. وعندئذ سوف تفعل كل شيء للقضاء على الطبقة العاملة أو إخضاعها كليا لإرادتها.

ثم يردف المؤلف قائلا: وبالفعل فإن غرامشي لم يتأخر في تنفيذ برنامجه. فقد غير الحزب الاشتراكي وأسس الحزب الشيوعي الإيطالي في 21 يناير من عام 1921 وأصبح السكرتير العام له. كما أصبح المرجعية الثقافية لكل الحركة اليسارية الإيطالية. ثم انتخب نائبا عن مدينة تورين بين عامي 1924-1926، وأسس عندئذ جريدة الوحدة الناطقة باسم الحزب الشيوعي. ولكن الفاشيين قبضوا عليه عام 1926 بحجة أنه كان يتآمر على أمن الدولة. وظل مسجونا حتى عام 1937، ثم مات بعد خروجه من السجن بأيام قليلة نظرا لتدهور أحواله الصحية بسبب سنوات الاعتقال الطويلة والمرهقة. وبالتالي فقد ذهب غرامشي في عز الشباب ضحية هذا المجرم: موسوليني.

والشيء الغريب العجيب هو أن معظم مؤلفات غرامشي كتبت في السجن. ولذلك تدعى بدفاتر السجن الأولى، أو دفاتر السجن الثانية، الخ. والواقع أنه كتب ثلاثين دفترا أثناء الأحد عشر عاما التي قضاها في السجن. وهي تضم تأملاته العميقة حول المجتمع الإيطالي، وحول النظرية الماركسية، وحول النظرية النقدية، ونظرية التربية، الخ. ومن أهم المصطلحات التي بلورها ثم شاعت بعدئذ ولا تزال تستخدم حتى الآن: مصطلح الهيمنة الثقافية، ثم مصطلح المثقف العضوي، ثم التمييز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني.

ومن أهم النظريات الفكرية التي بلورها نظرية نقد الحتمية الاقتصادية، ثم نقد المادية الفلسفية أو الفلسفة المادية، لا فرق. وكان يقصد بالهيمنة الثقافية ما يلي: إن البورجوازية تهيمن على المجتمع ثقافيا إلى درجة أنه حتى الطبقة العاملة تتبنى أفكارها وتصوراتها. وبالتالي فالهيمنة ليست فقط مادية وإنما فكرية أيضا. ينتج عن ذلك أن أفكار الطبقة المهيمنة تصبح بقوة الأشياء أفكار المجتمع كله.

ولا يعود يتجرأ أحد على معارضتها. ويمكن القول بأن الكنيسة الكاثوليكية هي أكبر مثال على هذه الهيمنة. فهي مرتبطة بالبورجوازية الإيطالية بشكل وثيق بل إنها توجهها دينيا وفكريا وروحيا. إنها متواطئة مع البورجوازية في استغلال العمال والفقراء. فهي الوحيدة القادرة على إقناعهم بقبول الأمر الواقع الجائر لأن الشعب يقدس الكنيسة ورجال الدين ويعتقد أن البابا معصوم في حين أنه بشر يصيب ويخطئ.

ثم طرح غرامشي مشكلة المثقفين في المجتمع واعتبرها أساسية وقال بما معناه: كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني. ولكنهم لا يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين. وحدهم المتعلمون جدا أو أصحاب الكفاءات الفكرية العالية يمتلكون هذه الوظيفة ويستطيعون بالتالي التأثير على الشعب. ثم يميز غرامشي بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي. ويقول بأن الأول يعيش في برجه العاجي ويعتقد أنه أعلى من كل الناس، في حين أن الثاني يحمل همّ الطبقات الكادحة وجماهير الفقراء.

وبالتالي فالمثقف الحقيقي في نظره هو المثقف العضوي المنخرط في هموم عصره والمرتبط عضويا بقضايا أمته. وكل مثقف لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق اسم المثقف حتى ولو نال أكبر الشهادات الجامعية. ثم يردف المؤلف قائلا: إن نظرية الهيمنة لدى غرامشي لا تنفصل عن مفهومه للدولة الرأسمالية التي يقول عنها بأنها تقود المجتمع عن طريق القوة وعن طريق التراضي في ذات الوقت.

ولكن الدولة في نظره لا تنحصر فقط في الحكومة وإنما هي أوسع من ذلك بكثير. فالدولة تضم أولا المجتمع السياسي: أي الحكومة، والبوليس، والجيش، والنظام الشرعي القانوني. كما تضم المجتمع المدني الذي يشمل الحياة الخاصة للأفراد والاقتصاد. والأول يمشي عن طريق القوة في حين أن الثاني، أي المجتمع المدني يتم تسييره عن طريق التراضي. ويرى غرامشي أن الرأسمالية الحديثة عرفت كيف تقوم ببعض الإصلاحات وتتجاوب مع مطالب النقابات والعمال لكي تمنع اندلاع الثورة الشاملة ضدها.

وهكذا حافظت على موقعها كقائدة للمجتمع دون أن تخسر شيئا يذكر. وهنا يكمن ذكاء الرأسمالية ودهاؤها. لقد استطاعت أن تكذب أطروحة ماركس التي تنبأت بانهيارها يوما ما عن طريق الثورة الشيوعية الشاملة عندما تصبح البروليتاريا فقيرة إلى حد الجوع. وهذا ما لم يحصل.

وأخيرا يرى غرامشي أن الحزب الثوري هو وحده القادر على تشكيل طبقة جديدة من المثقفين العضويين المرتبطين بقضية الشعب والعمال والفلاحين. وهؤلاء المثقفون العضويون يمكن أن يشكلوا هيمنة بديلة عن الهيمنة الرأسمالية. من هنا الدور الكبير الذي كان يوليه غرامشي لطبقة المثقفين فهم قادرون على صنع المعجزات إذا ما التزموا بالقضية الأساسية للشعب التزاما حيويا وعضويا. والبورجوازية تخشاهم وتعرف أن نفوذهم كبير ولذلك تحاول أن تشتريهم بأي شكل.

*الكتاب:انطونيو غرامشي

*الناشر:راوتليدج ـ لندن 2006

*الصفحات :176 صفحة من القطع الكبير

Antonio Gramsci

Steven Jones

Routledge- London

p.176