مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جيريمي سوري أستاذ علم التاريخ في جامعة ويسكنسون بالولايات المتحدة الأميركية. وهو هنا يقدم سيرة حياة واحد من أشهر وزراء خارجية أميركا: إنه الدكتور هنري كيسنجر الذي كان مستشارا للأمن القومي قبل أن يصبح وزيرا لخارجية نيكسون ويلعب كل ذلك الدور الكبير الذي لعبه.ويحاول المؤلف استكشاف الدوافع الفلسفية العميقة التي حركت كيسنجر وكانت وراء توجهاته وقراراته السياسية الكبرى.

ويرى أن أصله اليهودي لعب دورا كبيرا في ذلك. فمن المعلوم أنه ولد في ألمانيا وفيها أمضى طفولته الأولى في ظل نظام فايمار الديمقراطي الليبرالي قبل أن يكبر شأن التيار النازي ويصل هتلر إلى السلطة ويقضي على الحرية والديمقراطية. ولهذا السبب فإن كيسنجر كان يدعو إلى دعم الديمقراطية بالقوة من أجل مواجهة أي حركة توتاليتارية قد تفكر في الاستيلاء على السلطة ووضع حد للنظام الديمقراطي كما فعل هتلر في وقته.ولكنه في ذات الوقت كان يداهن ويراوغ عندما يجد ان موازين القوى ليست لصالحه.

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد ولد هنري كيسنجر في ألمانيا بتاريخ 27 مايو من عام 1923، أي أن عمره الآن يتجاوز الثالثة والثمانين. وقد هربت عائلته اليهودية من الاضطهاد النازي عام 1938 عندما كان عمر الصغير هنري لا يتجاوز الخامسة عشرة. ثم ذهبت للاستقرار في نيويورك حيث حصل كيسنجر على الجنسية الأميركية عام 1943، أي وعمره عشرون عاما بالضبط. وكان يدرس في المدرسة الليلية لكي يستطيع أن يشتغل في المصنع نهارا ويكسب رزقه ويساعد عائلته. وقد ظل يتحدث الانجليزية برطانة ألمانية مزعجة لفترة طويلة.

ثم خدم بعدئذ كمترجم ألماني في الجيش الأميركي وكذلك في المخابرات الأميركية. والبعض يقول بأنه كان آنذاك جاسوسا سوفييتيا لفترة. وكل هذا لم يمنعه من مواصلة دراساته الجامعية العليا حتى نال شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1954. وكانت أطول أطروحة دكتوراه في تاريخ الجامعة...

وبعدئذ أصبح أستاذا في قسم الدراسات الحكومية، ومنذ ذلك الوقت تميز كيسنجر بقوة شخصيته وطموحه السياسي الكبير. وقد تقرب من الكبار لكي يصل إلى دوائر السلطة لاحقا. فقد أصبح مستشارا لنيلسون روكفيلر الزعيم اليهودي والملياردير الشهير. كما وأصبح مستشارا مؤقتا لايزنهاور، وجون فيتزجيراد كندي، وليندن جونسون.

ثم أصبح على أبواب السلطة تماما عندما تقرب من نيكسون وصار مستشاره عام 1968 أي قبل بضعة أشهر من وصوله إلى البيت الأبيض. ومن الناحية النظرية كان كيسنجر آنذاك من أتباع السياسة الواقعية: أي السياسة التي تضرب عرض الحائط بالمبادئ ولا تعترف إلا بموازين القوى. وهذا ما أوضحه في كتابه الضخم والأساسي: دبلوماسية. وقد صدر لاحقا عام 1995. وبالتالي فقد تخلى عن نظرية قلب الأنظمة الديكتاتورية بالقوة إذا لم تكن لأميركا مصلحة في ذلك.

وفي هذا الكتاب يبلور فلسفته السياسية المتمثلة بالواقعية والمضادة لمثالية الرئيس ودرو ويلسون.

وقد كان كيسنجر يرى أن مصالح أميركا هي الأهم وإذا ما اقتضت أن نتعامل مع الأنظمة الاستبدادية لخدمة هذه المصالح فلا بأس في ذلك. فالغاية تبرر الوسيلة في كل الحالات. وهذا يعني أنه كان من أتباع السياسة المكيافيلية. ولهذا السبب ثار عليه المحافظون الجدد واتهموه بالانتهازية السياسية والتضحية بالمبادئ الكبرى التي أسست أميركا، أي مبادئ الحرية الديمقراطية وحقوق الإنسان وسوى ذلك من القيم.

وقالوا بأن كيسنجر مستعد للتخلي عن كل ذلك باسم السياسة الواقعية. ولهذا السبب هادن الأنظمة الشيوعية التوتاليتارية كالنظام السوفييتي والنظام الصيني في عهد ماوتسي تونغ. وفعل كل ذلك باسم الواقعية السياسية وخدمة مصالح أميركا قبل كل شيء. فهو لم يعد يريد تغيير الأنظمة الديكتاتورية بالقوة كما يفعل المحافظون الجدد حاليا. ولا يريد تصدير الحرية والديمقراطية على أسنة الحراب كما يفعلون في العراق أو غير العراق. هذه حماقة سياسية في نظره ولا تخدم مصالح أميركا.

ثم يواصل المؤلف كلامه قائلا: وعندما وصل رتشارد نيكسون إلى سدة الرئاسة عين كيسنجر مستشارا للأمن القومي عام 1969 ثم وزيرا للخارجية عام 1973. وعندئذ لعب دورا سياسيا كبيرا على الصعيد العالمي.

فهو الذي دشن سياسة الوفاق مع الاتحاد السوفييتي، وهو الذي فاوض الروس على معاهدة الحد من إنتاج الأسلحة النووية الإستراتيجية (سالت الأولى). وهو الذي دخل في مفاوضات سرية مع الصين الشيوعية لأول مرة عام 1971. ثم رافق نيكسون إلى هناك عام 1972 في زيارة تاريخية. وكانت تلك هي أول زيارة رسمية لرئيس أميركي إلى الصين. ورأيناه في الصورة مع ماوتسي تونغ.

ويبدو أنه لعب دورا قذرا في فيتنام عندما أعطى الأوامر بقصف مواقع المقاومة الفيتنامية بشكل غير شرعي. ولكنه عرف كيف يتراجع بعد أن شعر بأن الوجود الأميركي هناك ميئوس منه. ففاوض بكل دهاء قادة فيتنام على الانسحاب ووقع معاهدة السلام معهم عام 1973. وعلى أثرها نال جائزة نوبل للسلام. وبالتالي فالرجل كان محنكا لا مبدأ له. فإذا أدرك أن القوة تنفع استخدمها بكل عنف وشراسة. وإذا أدرك أنها لم تعد تنفع تراجع عنها بكل دبلوماسية. إنها سياسة الحرباء المتلونة والمتغيرة.

وفي عام 1973 لعب كيسنجر دورا كبيرا عندما فاوض السادات على إنهاء حرب تشرين لصالح إسرائيل. ثم أصبح صديقا للرئيس السادات، وهو الذي دفعه إلى طرد الخبراء السوفييت وشجعه على التقارب مع أميركا والغرب. وكانت النتيجة تلك الزيارة الشهير للسادات إلى الكنيست والتي أخرجت مصر من معادلة الصراع المسلح مع إسرائيل. وبالتالي فكيسنجر قدم خدمات لا تحصى إلى دول إسرائيل.

ولكنه لعب دورا قذرا في أميركا اللاتينية. وقد صدر كتاب للصحافي كريستوفر هيجنز تحت عنوان: جرائم السيد كيسنجر، وفيه يتهمه بأنه كان العقل المدبر لانقلاب بينوشيه عام 1973 والذي أطاح بالزعيم الاشتراكي سلفادور الليندي المنتخب بشكل شرعي. فقد استخدم قوة المخابرات المركزية الأميركية وأساليبها الوسخة في تنظيم ذلك الانقلاب الشهير.

وبالتالي فالرجل لم يكن يتورع عن استخدام كل الوسائل للوصول إلى غايته. مستخدما شعار مكيافيلي: الغاية تبرر الواسطة؟ أما الأخلاق فلا علاقة لها بالسياسة في نظره. والسياسة الأخلاقية أو المبدئية هي سياسة فاشلة سلفا في نظره.

لذلك كان مضادا لمثالية الرئيس ويلسون العظيم صاحب المبدأ الشهير: حق الشعوب في تقرير مصيرها والتخلص من نير الاستعمار. ومن المعلوم إن ويلسون ربط السياسة بالأخلاق لأنه كان من أتباع الفيلسوف الألماني الكبير: ايمانويل كانط. وكان يدعو إلى ارتكاز السياسة الدولية على مبادئ أخلاقية كبرى وواضحة. وهذا ما يزعج كيسنجر أشد الإزعاج.

ثم ترك كيسنجر السلطة نهائيا عام 1977 بعد وصول الديمقراطي جيمي كارتر إلى سدة الرئاسة. ومعلوم أن كيسنجر كان من أتباع الحزب الجمهوري لا الديمقراطي. ولكن حتى بعد عودة الجمهوريين إلى السلطة فإنه لم يستلم أي منصب بسبب علاقاته السيئة جدا مع جورج بوش الأب.

واكتفى بعدئذ بمهمة المستشار غير الرسمي للعديد من الإدارات والشخصيات. وراح يلقي المحاضرات داخل أميركا وخارجها ويؤلف الكتب وينظّر للسياسة الخارجية. وأصبح إحدى الشخصيات التاريخية المرموقة في واشنطن. ولكن التحريات التي أجريت مؤخرا أدت إلى تشويه سمعته الأخلاقية مرة أخرى.

فقد أثبتت أنه كان متواطئا مع الأنظمة الديكتاتورية في أميركا اللاتينية فقط لأنها تخدم مصالح أميركا وتكره اليسار والشيوعية. وقد برهنت التحريات على أنه دفع بالمخابرات المركزية الأميركية إلى دعم هذه الأنظمة الفاسدة بل وساعدتها على تصفية خصومها السياسيين جسديا. ومعلوم أن الشخصيات اليسارية في تلك القارة تعرضت لاضطهاد وتعذيب لا مثيل لهما طيلة تلك الفترة السوداء من عمر أميركا اللاتينية. وبالتالي فالرجل لا علاقة له بالأخلاق والمثاليات، هذا شيء مؤكد...

*الكتاب:هنري كيسنجر والقرن الأميركي

*الناشر:بيلكناب بريس - نيويورك 2007

*الصفحات :368 صفحة من القطع الكبير

Henry Kessinger and the american century

Jeremi Suri

Belknap Press- New York 2007

p. 368