يجد راوية هذه الرواية التي أنجزها الروائي الإثيوبي ديناو منغستو نفسه محاصراً في الأرض التي يمكن أن نصفها باللامكان، الواقعة بين عالمين. فقد غادر سيف ستيفانوس إثيوبيا في سن المراهقة، هارباً مما يعرف في إثيوبيا بـ «الرعب الأحمر» وهي الأحداث التي أعقبت الإطاحة بالإمبراطور هيلا سلاسي، والتي قضى فيها أبوه. وعلى امتداد سبعة عشر عاماً أقام في واشنطن العاصمة.

وفي يوم جيد، عندما يقبل 40 شخصاً على متجره المتداعي ويشترون زجاجات الماء وفراشي الأسنان ومعاجينها، تبدو له أميركا مكاناً جميلاً وجديراً بأن يقيم المرء فيه ومليئة بالحياة وبالسحر. ولكن تلك الأيام متباعدة، وبحلول المساء فإنه يكون قد كرهها من قلبه. بالنسبة لسيفا، فإن الماضي هو بلد آخر بصورة حرفية، بلد تعلم استحضاره حسبما يريد. وكل ما يقتضيه الأمر هو حيلة من حيل العمارة أو الضوء لكي ينحل ذلك البلد فيغدو أديس أبابا، ويطل شبح أبيه من المجهول.

وسيفا، الذي انبت عن جذوره ولا تفارقه ملابس الحداد، تساعده على التماسك الصداقة التي تربطه بمهاجرين إفريقيين آخرين، هما كينيث الكيني وجو الكونغولي. وفي البداية كانوا تحت سحر الحلم الأميركي «مذنبين بالتفاؤل المبالغ فيه والأمل غير العقلاني». ولكن مع مرور الأعوام فإن الأحلام تبخرت. ولا يجد واحد من هؤلاء الثلاثة نفسه في العالم الجديد.

والمؤلف دينار منغستو، وهو نفسه مهاجر إثيوبي، مشغول بهشاشة الأوطان، سواء أكانت أمما تعاورتها الانقلابات والمجاعات، أم دارات جميلة في يوم من الأيام غدت متداعية ومهملة اليوم. واهتمامه المحدد ينصب على المجال الذي يمتد بين الاندماج في ثقافة جديدة والانحلال إلى رحاب ذكريات الثقافة القديمة.

وبالنسبة لهؤلاء المهاجرين فإن التعليم، الذي يعد تقليدياً جواز السفر إلى الاندماج، لا يعدو أن يكون ذهب الحمقي، خذ عندك في هذا الصدد كينيث اللطيف والكريم الذي ابتاع من خلال حصوله على درجة علمية في الهندسة كل مؤشرات النجاح الغربي، فلديه سيارة، وإن كان الصدأ يحفها، وخزانة ملابس مليئة بالبدل جيدة التفصيل. ولكن أياً كانت درجة دقة تقليده للأميركيين الأثرياء الذين تعد هذه الأرض أرضهم، فإنه يظل غير مرئي تقريباً بالنسبة لهم.

والظهور أمام العيان يجتذب ويثير رعب هذه الشخصيات وفي إحدى أكثر لحظات الرواية إثارة للوجع يحدق سيف وجو أحدهما في الآخر من خلال زجاج النوافذ في «كولونيال جريل» وهو «مؤسسة تناول الطعام الأولى بالنسبة لنخبة الحي». وجو، الذي يعمل نادلاً هناك، لا يعود الشاعر المحتمل، عاشق دانتي، الناقد المتحمس لقادة إفريقيا، ونظرة سيفا المحدقة تجعله ينكمش إلى ما يبدو عليه، أي مجرد خادم يرتدي بدلة سهرة، يخدم أعضاء مجلس الشيوخ الذين لا يلحظونه إلا عندما لا يسجل ما يطلبونه من طعام وشراب. ومشكلات الصورة الذاتية تؤثر كذلك على علاقة سيفا بجوديث، المرأة البيضاء الميسورة التي لا يصدق أنه جدير بحبها له.

عندما يبدأ الحي المتداعي الذي يقيم فيه في شهود عملية دخول الأثرياء إليه، فإن العاهرات ومدمني الشراب والسكان المقيمين طويلا بل وبعض المباني تبدأ في الاختفاء، حيث تختفي عن العيان بناء على طلب أبناء الطبقة المتوسطة ـ جوديث وابنتها نعومي من أول الواصلين ـ الذين يحتلون حي لوجان سيركل. هذه التغييرات تفجر احتجاجات عنيفة، ولكن سيفا نفسه يظل سلبياً. وهو إذ يدرك تمام الإدراك أن الرجل: «المحاصر بين عالميين يحيا ويموت وحيداً»، فإنه لا يظل ذهنيا فحسب في حالة انتقال بين إفريقيا وأميركا، وإنما يظل أيضاً معلقاً بين الماضي والحاضر.

وهو يقول في هذا الصدد: «لم أستطع قط العثور على المبدأ المرشد الذي يعيد الماضي إلى موضعه المناسب». وقوة جذب ذكرياته وإثيوبيا وأبيه هي في المقام الأول التي تسبب قصوره هذا. وفي ضوء مدى قوة هذه العناصر فليس من العجيب أن سيفا لا يستطيع إلا بالكاد قطع الخطوات الـ 883 من داره إلى متجره.

مثل هذه الحزن الطاغي يشوش بالتأكيد القاري ويمكن أن يستنفد طاقته. وما يرفع رواية أبناء الثورة» إلى ما يتجاوز حدود مذكرات البؤس العائدة إلى مهاجر هو القوة الآسرة للنثر الذي كتبه منغستو، فهو يضفي على «أبناء الثورة» هؤلاء الذين كانت توقعاتهم بلا حدود والذين كانت تجربتهم غير مرضية تماماً كبرياء هائلة، ولا يتدنى أبداً بمحنتهم إلى التهافت العاطفي.

لقد ظل سيفا، على الرغم من الاستنزاف الذي تعرض له في سنوات المنفي، وربما بسببه، إنساناً رقيقا على نحو مدهش. وعلى الرغم من أن اليأس يهيمن عليه بين الحين والآخر، إلا أنه لم يفقد قدرته على الحب. وفي النهاية فإن هذا الدفء الإنساني هو الذي ينتصر. ربما لهذا، على وجه الدقة، فإن هذه الرواية تقتضي قراءة فاحصة، وتدعونا إلى تأملها طويلاً فحسب، وإنما إلى متابعة الجديد الذي يعكف ديناو منغستو على انجازه الآن وقد يطل في المستقبل القريب بين وقتي كتاب جديد.

حكاية جوزيف

«عندما يجيء جوزيف إلى المتجر يكون قد سكر بالفعل، ويمضي على مهل عبر الباب المفتوح بذراعين مفتوحتين. يساورك الشعور عندما ترقبه بأنه حتى أعظم الإيماءات التي يأتي بها ليست عظيمة بما فيه الكفاية له، وهو يحاول على الدوام أن يتجاوز ذاته، وأن يصل إلى مستويات جديدة من الجوزيفية تضمن أن أي شخص قدر له أن يلقاه سيحمل بعض الأثر الباقي من جوزيف كاهانجي بعد وقت طويل من مغادرته. وهو الآن نادل في مطعم باهظ الكلفة في وسط المدينة، وبعد أن ينظف كل مائدة فإنه يحتسي أي شراب يظل باقياً في الأكواب قبل إحضارها إلى المطبخ، وأستطيع أن أحدد من ترنحه الخفيف أن زحام العشاء المبكر كان اليوم أفضل من المعتاد.

جوزيف قصير القامة، ممتلئ القوام مثل جذع شجرة، وله وجه كبير، مستدير، يبدو مثل كعكة قمر. وقد اعتاد كينيث أن يقول له إنه يبدو غاني المظهر. (ياجو، لك وجه غانى تماماً. عينان مستديرتان. وجه مستدير. أفق مستدير. وأنت غانى تماماً. عليك بالإقرار بذلك، ودعنا ننتقل إلى موضوع آخر!). (مقتطف من رواية «أبناء الثورة»).

*الكتاب: أبناء الثورة

*الناشر:جوناثان كيب، لندن، 2007

*الصفحات:240 صفحة من القطع المتوسط

Children of The Revolution

Jonathan Cape, London, 2007

P.240