ولد المؤلف (محمد فريد جحا) في إدلب ـ سوريا عام 1927، تلقى تعليمه في إدلب وحلب وتخرج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة العربية، عمل مدرساً ومديراً وموجهاً لمادة اللغة العربية. وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب، من مؤلفاته: الحنين واللقاء في شعر المهجر، دراسة، حلب 1962 ـ العروبة في شعر المهجر، دراسة، بيروت 1964 ـ كتب أنصفت حضارتنا، دراسة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1978، التاريخ الحقيقي للعرب، ترجمة، دمشق 1980 - سيرة ابن سينا، تحقيق مع الأستاذ محمود فاخوري، دمشق 1982 - الياس قنصل، دراسة، دمشق 1983، وغيرها.
في كتابه هذا «سيف الدولة الحمداني» يبين لنا مكانة سيف الدولة الحمداني في التاريخ العربي، فهو مؤسس الدولة العربية الوحيدة في عصرها وراعي المفكرين والشعراء والفلاسفة والبناء في حقل العمران والشاعر الناقد الأديب والبطل العربي الذي وقف عشرين عاماً يدفع الروم عن حدود الدولة العربية. ورغم ذلك لم يكتب عنه كتاب واحد موضوعي وعلمي وموثق، وهذا ما دفع المؤلف أن يضع هذا الكتاب ليبرز ما لهذا البطل من مكانة كقائد وفنان وشاعر وبناء.
ولد سيف الدولة في ذي الحجة من عام 303 هـ 916 م. وتوفي في يوم الجمعة لخمس بقين من صفر عام 356 هـ ـ 968 م، وبرز اسمه حين استنجد الخليفة بناصر الدولة الذي أرسل أخاه سيف الدولة على رأس جيش كبير عاد بالخليفة ووزيره ابن رائق إلى الموصل، وساعد ناصر الدولة الخليفة على التخلص من ابن رائق، فخلع عليه لقب أمير الأمراء، ولقبه بناصر الدولة، وأطلق على أخيه علي بن أبي الهيجاء لقب سيف الدولة الذي عرف به طوال حياته.
وبدأت أعمال سيف الدولة تظهر منذ ذلك الوقت، وتجلى ذلك في إسهامه في القضاء على البريدي، وفي توليه إمارة واسط والبصرة، وفي تخليص الخليفة من مكيدة تدبر له، ولمّا لم يستمع لنصيحته وعاد إلى بغداد قضى عليه المتحكم التركي (توزون)، فارتقى الخلافة المستكفي بالله في عام 333 هـ وهي السنة التي بدأت فيها إمارة سيف الدولة لحلب من جهة، وتسلط البويهيين على بغداد والخلافة والقسم الشرقي من الدولة العربية من جهة ثانية.
يسجل المستشرق سو فاجيه أنّ حلب غدت في عهد سيف الدولة عاصمة تضم سهول سوريا الشمالية وإقليم أنطاكية، وتخوم طوروس العسكرية، وقسماً من أعالي ما بين النهرين، أما علاقاته بالخليفة فقد كانت بروتوكولية محضة، لا تعوقه البتة عن حرية الحركة. عاود سيف الدولة الهجوم على دمشق، كان ذلك في العام 334 ه، واستولى عليها، ثم سار إلى مصر واستولى على الرملة ولكنه لقي الجيش المصري الذي هزمه في الأردن وعقد صلحاً بينه وبين الأخشيديين، احتفظ الأمير الحمداني بموجبه بحلب وحماة وحمص، بينما احتفظ المصريون بدمشق.
وفي سنة 337 ه، دفع سيف الدولة الحرب إلى أرض الروم، وقاتلهم قتالاً عنيفاً، فلا تنقضي سنة دون أن يغزو أرضاً للروم أو يخوض معركة بينهم، وقد مني بالهزيمة في تلك السنة، واستولى الروم على مرعش وذبحوا أهل طرطوس، وفي السنة 339 توغل كثيراً في أرض الروم واستولى على عدّة حصون كما غنم غنائم كثيرة، إلا أن الروم سدّوا الطرق في وجهه في أثناء عودته واستردوا ما غنم منهم من غنائم وأسرى، على أنه فلح هو وبعض صحبه في الهرب.
وبرز في السنة 342 لقتال بارداس فوكاس عامل الإمبراطور، فهزمه سيف الدولة خارج مرعش وأسر قسطنطين ابنه وحمله إلى حلب، حيث مات في الأسر. ثم هزم سيف الدولة فوكاس مرة أخرى سنة 343 هـ قرب حصن الحدث.
وتقدم نقفور فوكاس في سنة 351 صوب حلب، وجرت بينه وبين سيف الدولة موقعة قرب باب اليهود (باب النصر حالياً)، ومني سيف الدولة بالهزيمة، واستولى نقفور على المدينة، وأخذ معه 1200 أسير، وضربوا الأبنية الضخمة، ومن بينها المسجد الجامع الكبير، ونهبوا قصر سيف الدولة ودمروه وأحرقوه، وانسحبوا من المدينة عائدين بعد ذلك بأسبوع.
وأصيب سيف الدولة في السنة التالية بشلل في يده وقدمه، ورأس في سنة 355 هـ اجتماعاً لتبادل الأسرى، وبذل من ماله الشيء الكثير. توفي سيف الدولة سنة 356 هـ من عسر البول، وكان قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً، وعمل لبنة، أوصى أن يوضع خده عليها في لحده، فنفذت وصيته.
كان شجاعاً وكريماً، فيه الشيء الكثير من سمو الروح، يضاف إلى ذلك أنه كان فارساً مقداماً أتقن فنون الحرب وخاض أوّل معركة وعمره لم يتجاوز العشرين، فأحسن البلاء فيها وانتصر. وسيف الدولة مثقف وسياسي، اتخذت له أسرته الأساتذة والمؤدبين، وثقافته تظهر في حديثه ومحاوراته ومشاركته فيما كان يخوض فيه جلساؤه من الصواب والخطأ ومن الجيد والرديء، ورغبته في أن تحفل حلب بأضخم عدد ممكن من العلماء والأدباء والكتاب والشعراء، وفي أن تتفرع فيها الثقافات، فتوجد الفلسفة إلى جانب العلم، وعلوم الدين إلى جانب علوم اللغة والأدب.
وأسس أوّل مكتبة في حلب ووقف عليها عشرة آلاف مجلد، عاش عيشة المتحضر وتدرب على شؤون الفروسية وقد أسلمه أخوه ناصر الدولة إلى المدربين فعلموه فنون القتال، وعلموه ما يلزم القائد من فكر عسكري يؤهله للقيادة والتخطيط في المعارك.
ومن مزايا سيف الدولة ما اجتمع حوله من رجال الفكر والأدب واللغة والدين والفن والشعر، كانوا يناقشون قضايا أدبية أو علمية أو لغوية. كان بينهم الطبيب الفلكي عيسى الرقى مترجم كتب سريانية إلى العربية، والفقيه الشيعي الناشئ الأصغر، والفلكي المنجم القابسي، إضافة لرعاية الفارابي الشهير، أستاذ ابن سينا، والذي كان يعرف أرسطو أكثر مما يعرفه أي فيلسوف آخر. كان النحو والعلوم المتعلقة به يدرسها علماء من الطبقة الثانية، مثل عالم اللغة عبد الواحد أو مصنف المنتجات طلحة بن قناش، أو بعلماء كبار مثل أبي علي الفارسي أو تلميذه ابن جني، أو ابن خالويه مؤدب أولاد سيف الدولة.
وهناك آخرون أكثر تميزاً، مثل النحوي أحمد بن البازيار الذي تقلد وظيفة عالية في حلب، والمعجمي الشميشاطي ومواطنه علي مؤدب الأمراء الحمدانيين، وعبد الله الفياضي الذي كان شاعراً وخطاطاً ومؤدباً وخطيباً، والأكثر تميزاً هو علي بن دينار الذي كان خطاطاً ومؤدباً ومداحاً، ثم في شخصية الموسوعيين ابن عثمان الخالدي وأخيه أبي بكر محمد مؤلفي كتاب تاريخ الموصل ودراسات عن أبي تمام وابن الرومي.
وكان هناك النامي المصيصي الذي كان نحوياً مشهوراً، أضف إلى كل هؤلاء ابن نباته وأبو بكر الخوارزمي وأبو الفرج الغساني والشيخ الخليع السامي والخارجي الزاهي وكشاجم الذي لقي نثره في عصره ذيوعاً وشهرة مدهشين إلى حد ما. وفوق كل هؤلاء المتنبي وأبو فراس الحمداني، وهما أكبر من أن يعرفا.
روى الذهبي في تاريخه: « توفي سيف الدولة فغسل بالسدر ثم بالصندل ثم بالذريرة ثم بالصبر ثم بالكافور ثم بماء الورد، ونشّف بثوب يساوي خمسين ونيفاً ديناراً، أخذه الناس وجميع ما عليه، وصبره بصبر ومرو وكافور، وجعل على وجهه وفمه مئة مثقال غالية وكفن في سبعة أثواب تساوي ألف دينار، ولقد حمل جثمانه إلى ميّافارقين».
فيصل خرتش
*الكتاب: سيف الدولة الحمداني
*الناشر: وزارة الثقافة - دمشق 2007
*الصفحات: 110 صفحات من القطع الكبير