يعتبر هذا الكتاب باكورة إصدارات سلسلة مونوجراف، التي تصدر عن مركز دراسات الإسكندرية وحضارة البحر المتوسط بمكتبة الإسكندرية، والتي يحررها الدكتور محمد عوض مدير المركز ونائبته الدكتورة سحر حمودة. بينما يلقي المؤلف سامي حلمي الضوء على مدينة الإسكندرية سينمائياً، كما هو الحال في كل ما يكتب عن الإسكندرية، فإنه يتحرى الدقة في كل ما يكتب ويقدم تحليلا يفك شفرات الأفلام التي تتناول الإسكندرية كمكان وأشخاص يكتسبون سمات الأفق المفتوح تجاه العالم.
قدم للكتاب المخرج محمد كامل القليوبي في استهلالية بعنوان الإسكندرية.. مدينة ناطقة في أفلام صامتة، يأخذنا من خلالها في جولة خاطفة بين أوراق الكتاب وما ضمته من معلومات بما تعرف لأول مرة عن السينما المصرية. حيث يكشف المؤلف عن جوانب بالغة الخصوصية لمدينة تقرأ تحت آلاف العناوين التي تحاول أن تفك شفراتها كما لو كانت هيروغليفية جديدة ذات قراءات ودلالات متعددة، اجتمع عشاقها للكشف عنها بدءاً من «بلوتارخ» الذي أرخ لشخصياتها حتى شاعر الإسكندرية « قسطنطين كفافيس» الذي لم تنجح أصوله اليونانية في نزع هويته السكندرية، ولورانس داريل الذي صاغ برباعيته حلماً سكندرياً خالصاً عجز عن تحقيق مثيل له، لا قبل رباعيته المعروفة على مستوى العالم كله ولا بعدها...
ويمهد سامي حلمي لكتابه تحت عنوان «الإسكندرية عبر العصور»، مبحرا في أروقة تاريخ الإسكندرية منذ العصور الأولى وحتى العصر الحديث، ثم يبدأ في سرد قصة السينما بداية من عام 1896 وحتى 1939، تبدأ قصة مئوية السينما المصرية عند عزيز ودوريس اللذين كانا يمتلكان محلا للتصوير ألفوتوغرافي بمحطة الرمل، وقد تميز كل من «عزيز بندرلي وأمبرتو مالافاس دوريس» عن أقرانهما من الأجانب الذين يحترفون التصوير الفوتوغرافي.
وهو ما جعلهما يختصان بتصوير وتسجيل نشاطات السلطان « عباس حلمي الثاني» وحاشيته من تحركات ومناسبات وطنية واجتماعية ورياضية، مما جعلهما نجوماً في مجالهما وقد طورا من أدواتهما وانخرطا في هذا المجال الجديد على الساحة من تطور للصورة الفوتوغرافية الثابتة إلى الصورة المتحركة على الشاشة.
وقد سعيا إلى صنع أول شريط سينمائي في مصر، وكان ذلك في عام 1907، وكان الفيلم بعنوان «زيارة جناب الباب العالي للمعهد العلمي بمسجد أبي العباس»، ويروي عرضاً لموكب الخديوي عند الوصول إلى ساحة المسجد وتفقده للمعهد العلمي به، واستقبال الجماهير له عند الوصول وتوديعهم له عند المغادرة.
امتلك «عزيز ودوريس» ذكاء الصانع الماهر في هذا الشريط، الذي يختص بمباهج المناسبة الدينية، وعلاقة الحاكم بالجماهير، وهو ما أعطى أثراً طيبا لدى المشاهد بما يعرض عليه، ويمس مشاعره، وهنا تحقق لكل من « عزيز ودوريس » ما أرادا من نجاح لشريطهما الأول، والذي دفعهما إلى تكرار التجربة في شرائط أخرى على أرض الإسكندرية.
وخلال العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وجدنا العديد من المبدعين وصناع السينما الذين قدموا نشاطا ملموسا بالثغر، عبر استوديوهات أقاموها بالمدينة ( سيتشيا- ألفيزي - لاما - توجو)، والى جانب هذا كانت هناك محاولات لأفراد في نفس المضمار، وهو ما أدى إلى ازدياد في صالات ودور العرض السينمائي، ولم تتوقف حركة الأفلام الوافدة من الخارج، لذا تطلب كل ذلك تواجد منظومة إدارية واعية تعمل نحو تنظيم الحركة السينمائية.
وهو ما أسفر عن ظهور شركات إنتاج وتوزيع أجنبي - مصري، وهي شركات يمتلكها أفراد أو تجمع لأكثر من فرد، كانت لديهم الأموال وخبرات السوق التجاري لأنهم يعملون في مجالات تجارية وصناعية متنوعة، لكنهم وجدوا في النشاط السينمائي المتزايد فرصة لإضافة أنشطة وأرباح أخرى، إضافة إلى البريق والاهتمام بهذا النشاط الجديد داخل أوساط المجتمع بكافة شرائحه الاجتماعية. وقد تخصصت بعض من هذه الشركات في توزيع أفلام لدول بعينها، وشركات أخرى لأكثر من دولة منها: فلاديميراندرياس، رياما اليشنسكي، واندريه صليب، ومنتخبات بهنا فيلم.
في ظل هذا الزخم السينمائي الكبير بالمدينة تناولت بعض من الصحف التي تصدر بها هذا النشاط مثل: جريدة لايفورم باللغة الفرنسية، والأهرام بالعربية، ومجلة اللطائف المصورة. ثم ظهرت على الساحة المجلات المتخصصة بفن السينما على وجه الخصوص كمجلة سنجراف جورنال ومجلة سينما بالفرنسية، ومجلة معرض السينما بالعربية.
وفى عام 1927 كانت البداية التاريخية الحقيقية للسينما المصرية حيث تم إنتاج وعرض أول فيلمين شهيرين هما « قبلة في الصحراء» والفيلم الثاني هو «ليلى»، ومن أشهر الأفلام في السينما الصامتة في تلك الفترة كان فيلم « زينب » الذي أخرجه محمد كريم أحد رواد السينما المصرية.
وبنظرة حثيثة إلى تاريخ الفن السابع سنجد علاقة الإسكندرية بالسينما قد ارتسمت عام 1896 وظلت وطيدة حتى عام 1939، لينتقل بعد ذلك النشاط السينمائي بالكامل من الإسكندرية إلى القاهرة عام 1939. وسر هذه النقلة يرجع إلى بداية الحرب العالمية الثانية، واقتراب مناوشاتها في أطراف المدينة بين الألمان وجيوش المحور، وهو ما دفع الأجانب المقيمين إلى الهروب إلى خارج البلاد، واكتفى البعض بالهروب إلى القاهرة.
فكانت بدايات الأنشطة السينمائية خاصة بعد إنشاء استديو مصر عام 1935، والذي شكل نقلة جديدة في تاريخ السينما المصرية، مما شجع وحفز آخرين للولوج في عالم السينما، وأصبحت القاهرة « هوليود الشرق».
وكان فيلم« العزيمة» الذي أنتج عام 1939 محطة هامة في تلك الفترة، وكذلك فقد ظهرت جريدة مصر السينمائية أو الجريدة الناطقة التي لا تزال تصدر حتى الآن.وقبيل الحرب العالمية الثانية، تضاعف عدد الأفلام المصرية من 16 فيلماً عام 1944 إلى 67 فيماً عام 1946، كانت جميع أوجه النشاط السينمائي في أيدي شركات القطاع الخاص، فانتشر الفيلم المصري في الدول العربية التي عرفت السينما، واعتمدت عليه دور العرض في سوريا ولبنان والعراق وشرق الأردن وفلسطين والجزائر وتونس وليبيا وحتى الحبشة، بل وصلت الأفلام المصرية إلى الهند وباكستان واليونان والولايات المتحدة الأميركية.
ولمع في هذه الفترة عدد من المخرجين مثل صلاح أبو سيف، وكامل التلمساني، وعز الدين ذو الفقار، وكذلك أنور وجدي الذي قدم سلسلة من الأفلام الاستعراضية الناجحة. ما مهد الطريق لظهور نجوم جدد أهمهم : إسماعيل ياسين، والممثل الشعبي محمود شكوكو، كذلك ظهر المطربون الممثلون وأبرزهم العندليب عبد الحليم حافظ الذي راجت على صوته الأفلام الغنائية.
وكان لابد للسينما أن تتفاعل مع الأحداث الوطنية والاجتماعية التي قادتها الثورة فظهرت الأفلام الوطنية والتي بدأت بفيلم أنتج قبل الثورة ولم يعرض إلا بعد قيامها وهو فيلم « مصطفى كامل »، ثم توالت الأفلام كفيلم « الله معنا » لأحمد بدرخان، وفيلم « رد قلبي » لعز الدين ذو الفقار.
وفى الستينات تم تأميم صناعة السينما لصالح الحكومة، حين تم تأميم بنك مصر وشركاته ومنها شركة مصر للتمثيل والسينما، وكذلك بعض شركات التوزيع الكبيرة مثل الشروق ودولار فيلم، وبعض الاستوديوهات الكبرى مثل مصر ونحاس والأهرام وجلال، لكن ظلت بعض شركات الإنتاج والتوزيع وبعض الاستوديوهات الصغيرة في ملكية أصحابها. وكان من نتيجة دخول الدولة مجال السينما إنشاء المؤسسة المصرية العامة للسينما عام 1962. وقد نشأ في تلك السنوات تيار واع في السينما المصرية يختلف عما سبقوه تمثل ذلك في الأفلام، وفي مبدعي هذه الأفلام.
ويخصص المؤلف جزءاً من كتابه لابن بحري، حيث يري أنها شخصية سكندرية صريحة متواجدة بشكل أساسي في المدينة القديمة، لها علاقة بالبحر، وهي شخصية مقدامة شجاعة، أخذت من البحر ثورته في بعض الأحيان وهدوء أمواجه في أحيان أخرى. ثم ينتقل إلى شخصية المثقف السكندري التي يراها وليدة حي الأثرياء أو الأحياء الراقية في منتصف المدينة، ترتدي الملابس الأوروبية وتلم بمعرفة أكثر من لغة أجنبية إلى جانب العربية. ومنها يمر على الشخصية الوافدة ثم بنات الليل ثم الحاوي والحنطور ولاعب البيانو لا الذي قدمه كل من المخرج شريف عرفه و السيناريست ماهر عواد في فيلم « سمع هس » عام 1991 في لحظة شجن تجاه الآلة والمدينة.
أما الجزء الثالث في الكتاب والذي جاء تحت عنوان الإسكندرية ( المكان والشخصية ) في الأفلام المصرية، فيشير فيه إلى بعض المشاهد التي لا تنسى في الأفلام المصرية والتي جسدت المدينة ونقلت الواقع السكندري بتفاصيله.
د. خالد عزب
*الكتاب: الشخصية السكندرية في السينما المصرية
*الناشر: مكتبة الإسكندرية 2007
*الصفحات:146 صفحة من القطع الكبير