قام بتأليف هذا الكتاب كل من الصحافي الفرنسي برنار بريغوليكس والصحفية الفرنسية ميشيل غايرال. وقد اشتغلا في عدة محطات إذاعية مهمة كفرانس انتير وأوروبا الأولى قبل أن يستلما إدارة البرامج في راديو فرنسا الدولي. وهما مفعمان بحب التاريخ وأحداثه وشخصياته وتقلباته.
وفي هذا الكتاب الجديد يتحدثان عن مدينة ذات عراقة تاريخية خاصة: إنها طليطلة الاسبانية التي شهدت أوج الحضارة العربية الإسلامية يوما ما. بل وكانت مركزا للترجمات الكبرى التي نقلت العلم العربي وكذلك الفلسفة العربية إلى أوروبا اللاتينية المسيحية فأخرجتها من ظلمات القرون الوسطى وأدت إلى نهضتها الحديثة. في فصل بعنوان: طليطلة، انتصار الإسلام، يقول المؤلفان ما معناه: أحيانا يأخذ التاريخ وقته لكي يكتمل. ولكنه في حالة اسبانيا فإن فتحها من قبل المسلمين كان سريعا خاطفا. فالملك الاسباني على الرغم من كل الجهود التي بذلها لإيقاف الفاتحين إلا أن طارق ابن زياد استطاع سحقه في معركة شهيرة هناك.
بل ومات الملك نفسه في المعركة، وكان ذلك بتاريخ 19 يوليو 711، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من وصول المسلمين إلى الصخرة الكبيرة المحاذية للشواطئ الاسبانية والتي دعيت لاحقا باسم الفاتح الكبير: صخرة طارق أو جبل طارق. ولا تزال تحتفظ باسمها حتى الآن في اللغات الأجنبية والعربية على حد سواء، وهي تتوسط بين شواطئ المغرب وشواطئ اسبانيا وإن كانت أقرب إلى هذه الأخيرة بطبيعة الحال.
وكان عدد الجيش الإسلامي أول ما وصل سبعة آلاف رجل. ولكن لحقت بهم بعدئذ إمدادات وموجات جديدة من الرجال. وكان تقدمهم في بلاد الأسبان سريعا إلى درجة أنهم أصبحوا تحت جدران طليطلة في شهر نوفمبر من نفس العام. لم تكن هناك مقاومة قادرة على الوقوف في وجه هؤلاء الفاتحين البربر الذين اعتنقوا الإسلام حديثا وكانوا مفعمين بحب الرسالة الإسلامية.
ثم يردف المؤلفان قائلين: هناك روايات تاريخية مسيحية متأخرة تقول إن المقاومة كانت ضارية وأنها استطاعت تأخير سقوط طليطلة إلى العام التالي 712. ولكن هذا ليس صحيحا. فالواقع أن طارق بن زياد لم يجد صعوبة كبيرة في دخول طليطلة وفتحها. بالطبع فإن سكانها المسيحيين هربوا من المدينة قبل وصول قواته مقتفين آثار المطران. ولم يبق فيها إلا بعض العائلات اليهودية التي كانت مضطهدة من قبل المسيحيين ولا تخشى بالتالي وصول المسلمين. فهؤلاء لن يعاملوها بأسوأ مما عوملت به سابقا.
ينبغي العلم بأن طارق بن زياد كان من أصل بربري، ولم يكن في البداية إلا أحد ضباط القائد العربي موسى ابن نصير قائد إفريقيا الشمالية. ولكنه بعد أن فتح اسبانيا وأبلى فيها بلاء حسنا تحول إلى بطل أسطوري. ولا تزال فتوحاته المجيدة لاسبانيا تملأ كتب العرب في المغرب والمشرق على السواء.
والخليفة الأموي في دمشق هو الذي عين موسى ابن نصير واليا على إفريقيا الشمالية بطبيعة الحال. فنحن كنا آنذاك في ظل الخلافة الأموية. ولم يكن القائد العربي يعتقد بأن فتح اسبانيا أمر ممكن أو سيتم بمثل هذه السرعة. ولكنه عندما رأى أن طارق بن زياد يحقق نجاحات صارخة عبر هو الآخر البحر إلى اسبانيا والتقيا في طليطلة.
ومن هناك توجها شمالا لفتح بقية البلاد، بل وعبرا جبال البيرينيه كما هو معروف حتى وصلا إلى بلاد الفرنجة أو الفرنسيين. وهناك تم إيقاف الزحف العربي في معركة بواتييه الشهيرة التي جرت عام 732 م. وعلى هذا النحو اكتفى العرب باسبانيا التي حكموها طيلة ثمانية قرون وأقاموا فيها حضارة مزدهرة لم تشهد العصور القديمة أجمل ولا أرقى منها.
ثم يردف المؤلفان قائلين: ويقال إن اليهود تواطؤا مع المسلمين ضد المسيحيين وساعدوهم على فتح اسبانيا إلى حد ما عندما بقوا في طليطلة لكي يحرسوها أثناء توجه القوات العربية إلى الشمال لفتح مناطق جديدة. وهذا أمر معقول وقابل للتصديق لأن اليهود كانوا يعانون من اضطهاد شديد من قبل المسيحيين الذين يتهمونهم بأنهم كفار وقتلة المسيح.
وهي أخطر تهمة في العصور الوسطى، وقد عانى منها اليهود الكثير ودفعوا ثمنها عدا ونقدا. ولذلك فإن حقدهم كان كبيراً على المسيحيين ولا يستغرب أن يكونوا قد تعاونوا من المسلمين ضدهم. ولهذا السبب عامل المسلمون اليهود بكل لطف وخصصوا لهم حيا دعوه باسم «مدينة اليهود». وقد ساهم علماء اليهود إلى جانب علماء المسلمين وفلاسفتهم في تشكيل الحضارة الأندلسية الراقية والزاهرة.
والواقع أن المسلمين آنذاك كانوا متسامحين في معظمهم مع أبناء الديانات الأخرى وبخاصة أهل الكتاب، أي المسيحيين واليهود. فقد سمحوا لهم بمواصلة الإيمان بعقائدهم وممارسة طقوسهم وشعائرهم بشرط أن يدفعوا الجزية وألا تقرع الكنائس أصواتها أو أجراسها بقوة لكيلا تغطي على صوت أذان المسلمين. فصوت المؤذن ينبغي أن يكون هو المرتفع وحده وليس أجراس الكنائس.
وما عدا ذلك فقد تركوهم يعيشون بكل حرية بل واختلطوا بهم واستخدموهم في الكثير من المهن والمناصب. وقد كان تألق الحضارة العربية الإسلامية كبيرا إلى حد أنه مارس تأثيرا جذابا على الكثير من الشباب المسيحيين فدخلوا في دين الله أفواجا. وقد أزعج ذلك المطران الكبير إلى حد أنه صرخ قائلا:
ماذا حصل لشبابنا المسيحيين! وا أسفاه ما عادوا يعرفون إلا اللغة العربية والأدب العربي. إنهم يقبلون بكل حماسة على دراسة الكتب العربية ويهملون الكتب اللاتينية المسيحية، كتب آبائهم وأجدادهم. وعندما نتحدث لهم عن كتب تراثنا المسيحية إذا بهم يتذمرون ويعلنون مللهم منها ورغبتهم في الانصراف عنها. وا أسفاه لقد نسي المسيحيون دينهم وحتى لغتهم وأصبحوا من أتباع الغزاة المسلمين.
وعلى هذا النحو اعتنق الكثير من شباب المسيحيين دين الإسلام وأصبحوا يدعون بالمولدين. وراحوا يتحمسون للدين الجديد ويتبنون لغته وتراثه ويبدو شغفهم بالأدب العربي شعره ونثره. لقد أصبحوا عربا أكثر من العرب أنفسهم.
ثم يردف المؤلفان قائلين: وقبل نهاية القرن الثامن ذهب وفد من فقهاء المولدين هؤلاء إلى المشرق العربي لملاقاة الإمام مالك بن أنس وأخذ العلم عنه. ثم عادوا إلى الأندلس ونشروا فيها تعاليم مالك. وعلى هذا النحو أصبح المذهب المالكي هو الأكثر انتشارا ليس فقط في الأندلس وإنما في شمال إفريقيا كلها. فمعظمهم سنيون مالكيون حتى الآن.
تمردت طليطلة على الخلافة الأموية في الأندلس ليس كرها بالإسلام والمسلمين، على العكس، وإنما لأن الخليفة الأموي اتخذ قرطبة عاصمة له وليس طليطلة. وهكذا حصل تنافس بين كلتا المدينتين الشهيرتين في الأندلس. وكثيرا ما يحصل ذلك بين المدن المتقاربة نسبيا والمتنافسة على مكانة العاصمة أو المركز السياسي والاقتصادي للحكم.
نقول ذلك ونحن نعلم أن عبد الرحمن الداخل، صقر قريش، قد اختار قرطبة كعاصمة للسلالة الأموية التي أسسها هناك بعد أن هرب من المشرق ونجا من مجزرة عائلته على يد العباسيين. وقد نجا منها بأعجوبة لأن معظم القادة الأمويين قتلوا فيها ما عداه. ولم يستطع الوصول إلى الأندلس إلا بعد المرور بمحن وتجارب وتقلبات يشيب لهولها الولدان.
ولكنه استطاع أن يصل في النهاية وأن ينتصر بل وأن يؤسس سلالة مالكة استمرت لعدة قرون. ففي قرطبة، عاصمة السلالة الأموية، ازدهرت الحضارة العربية بشكل لم يسبق له مثيل من قبل اللهم إلا على يد المأمون في بغداد. وكان ذلك في عهد عبدالرحمن الثالث الملقب بالناصر وكذلك في عهد ابنه الحكم.
*الكتاب: قصة طليطلة
*الناشر:منشورات دو روشيه باريس 2007
*الصفحات:287 صفحة من القطع الكبير
Le roman de Tolède
Bernard Brigouleix, Michèle Gayral
Editions du Rocher- Paris
p.287