مؤلف هذا الكتاب هو أحد كبار مؤرخي الفن في انجلترا. إنه البروفيسور كولين ب. بايلي الذي نال أرفع جائزة عن مؤلفاته الخاصة بالفن التشكيلي والفنانين الكبار. وهو هنا يقدم السيرة الكاملة لأحد كبار فناني فرنسا في القرن التاسع عشر: إنه اوغست رينوار صاحب اللوحات الشهيرة المعلقة في متحف اللوفر أو غيره من المتاحف العالمية من أميركية وأوروبية وربما يابانية، الخ.
ومنذ البداية يقول المؤرخ الانجليزي ما معناه: إن اوغست رينوار هو أحد أشهر الفنانين التشكيليين الفرنسيين. وكان قد ولد عام 1841 ومات عام 1919 عن عمر يناهز الثامنة والسبعين. وهذا العمر المديد أتاح له أن يرسم لوحات عديدة وأن يشارك في معارض فنية لا حصر لها. وكان في البداية من أتباع المدرسة الانطباعية المشهورة بحبها للطبيعة ورسم مناظرها الخلابة في كل الفصول. ولكنه انحرف عنها فيما بعد لكي يتخصص في رسم جسد المرأة في كل حالاته وبخاصة في أحضان الطبيعة. ومن أشهر لوحاته النسائية نذكر: ليز تحت المظلة الشمسية. وهي لوحة جميلة جداً تصور لنا امرأة اسمها ليز وهي تمسك بمظلة خفيفة لكي تحميها من الحر وحولها الطبيعة الغناء والأشجار الوارفة الظلال.
وهناك لوحة بعنوان: مدام شاربنتييه وأطفالها، وأخرى بعنوان السباحات الكبيرات. وهي تصور نساء جميلات جداً وهن يسبحن في مياه النهر. وهكذا نلاحظ أن الفنان الكبير لم يتخل عن المدرسة الانطباعية على الرغم من هوسه بالمرأة وجمالها وجسدها. فهو دائماً يصورها من خلال منظر طبيعي فاتن. ربما أن الطبيعة في فرنسا ساحرة الجمال ومليئة بالمياه والاخضرار فإن اللوحات جاءت ناجحة جداً وخلابة.ثم يقول المؤلف ما معناه: ينبغي ألا ننسى أيضاً لوحة جميلة جداً بعنوان: صبايا يعزفن على البيانو، وأخرى بعنوان: فتاة تضع على رأسها قبعة من القش، وهي من أجمل ما رسم بدون شك. وهناك لوحة مثيرة جداً تحت عنوان: المستحمة النائمة، الخ.
في الواقع أن اللوحات الفنية لهذا الرسام العبقري أكثر من أن تحصى أو تعد. وهي تباع الآن بملايين الدولارات، أو ربما كانت قد أصبحت خارج البيع لأن المتاحف الكبرى تحرص عليها أكثر من أي شيء آخر. لكن من هو بالضبط رينوار؟ وكيف وصل إلى ما وصل إليه من عظمة وشهرة في مجال الفن؟
على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً: لقد ولد في مدينة ليموج في الأقاليم الفرنسية البعيدة. ولكن عائلته انتقلت إلى باريس وعمره لا يتجاوز الرابعة أو حتى الثالثة.
وفي العاصمة راح يدخل إلى المدرسة ويتعلم كبقية أطفال البورجوازية الفرنسية. ثم اكتشف ميله إلى الرسم وهو في الثالثة عشرة فقط. وعندئذ راح يرسم باقات الزهور وأشياء أخرى حتى سن السابعة عشرة.
وكانت عبارة عن تجارب بدائية تدل على الموهبة الكامنة ليس إلا. وعندما اكتشفت عائلته ميله إلى فن الرسم وموهبته الكبيرة في هذا المجال أدخلته إلى كلية الفنون الجميلة وعمره لم يتجاوز العشرين إلا قليلاً. وهناك التقى بزملاء له، وبعضهم سوف يصبح مشهوراً لاحقاً مثله تقريباً. ومن بينهم الرسام الشهير مونيه.
وكانت لوحاته الأولى ترسم المناظر الطبيعية الخلابة بشكل رومانطيقي وواقفي في آن معاً. ولكن الناس لم يقدروها حق قدرها أو لم يعرفوا قيمتها الفنية والجمالية. فالفن الحقيقي دائماً سابق لأوانه. ثم مرت الأيام وابتسم الحظ لرينوار عندما لقيت لوحته الأولى التي عرضها في معرض فني عام نجاحاً كبيراً. ولكن الشيء الغريب العجيب هو أنه حطمها أو مزقها بعد انتهاء المعرض.
ثم راح يرسم المناظر الطبيعية بكثرة: أي مناظر الأنهار والأشجار والبحيرات المحيطة بباريس. وكانت مناظره الطبيعية مدهشة حقاً ومريحة للعين والنظر. ولا تزال تسحر من يراها حتى الآن وبخاصة أولئك الذين يحبون الطبيعة ويعرفون مدى جمالها في كل الفصول، وبخاصة في فصل الربيع والصيف والخريف. وما أجمل الخريف الفرنسي! هذا ناهيك عن الربيع أو الصيف فالريف الفرنسي من أجمل الأرياف في العالم ولا يتفوق عليه الريف الانجليزي لأن الشمس هناك قليلة.
لقد اشتهر رينوار برسم امرأة تدعى «ليز تريهو»، التي كانت عشيقته في الواقع. ولذلك كانت تسمح له بأن يصورها في كل الحالات. لقد أثرت هذه المرأة كثيراً على لوحات رينوار لأنها كانت ملهمته الكبرى. وربما لولاها لما تفتحت عبقريته بمثل هذا الشكل. ولذا فعندما انتهت علاقته بها تأثر فنه كثيراً وتغير ولم يعد كما كان سابقاً.ولوحته الشهيرة المذكورة سابقاً تحت اسم «ليز تحت المظلة الصيفية» معروضة الآن في أحد المتاحف في ألمانيا. وبالتالي فلم تعد ملكاً لفرنسا بعد أن اشتراها هذا المتحف بأغلى الأسعار.
ثم يقول المؤلف بأن رينوار دخل في مرحلته الانطباعية بين عامي 1870 ـ 1883 حيث صور الكثير من المناظر الطبيعية المحيطة بباريس حيث يوجد نهر السين وضفافه وعصافيره المغردة وأشجاره ومراكبه وزوارقه.وأشهر لوحاته في تلك الفترة هي تلك التي تصور غداء الملاحين: أي أصحاب الزوارق وهم يتغدون على ضفاف نهر السين. وتظهر اللوحة لنا مجموعة من الرجال والنساء وأمامهم الطاولات وكؤوس الشراب وهم يتنادمون في أحضان الطبيعة الغناء.
إنها فعلاً لوحة بديعة ومليئة بالحياة والاجتماع الإنساني.وعلى المستوى الشخصي يبدو أن رينوار كان انفعالياً وعصبياً وثرثاراً. ولكنه كان مخلصاً لأصدقائه وعائلته. ومن بين كل الفنانين الانطباعيين كان هو الذي اهتم أكثر برسم الناس العاديين في كل حالاتهم وهم في الطبيعة. وكان الوحيد الذي اختص برسم لوحات كبرى أو ضخمة جداً.
وقد استغرقت منه لوحة السباحات الكبيرات أو بالأحرى المستحمات الكبيرات ثلاث سنوات بالتمام والكمال وهي من أجمل لوحاته. وقد اشترتها مدينة فيلاديلفيا (بالولايات المتحدة الأميركية) حيث توجد الآن في معرضها. وهي تتجاوز من حيث السعر عشرات الملايين أو ربما مئات الملايين من الدولارات.
ثم يضيف المؤلف قائلاً: كان رينوار يحب أن يحيط نفسه بالحضور الأنثوي. ولذلك فإن الجميلات كن يتحلقن حوله كالفراشات. ومن بينهن كانت هناك فتاة خياطة تدعى ألين شاريفو فأحبها وتزوجها.
وقد أنجبت له ثلاثة أولاد ذكور من بينهم جان رينوار الذي سيصبح أشهر مخرج سينمائي فرنسي في العشرينات أو الثلاثينات من القرن العشرين. وهكذا أنجب عبقري عبقرياً آخر، وهذا نادر في التاريخ. فأولاد العباقرة يكونون عادة أناساً عاديين إن لم يكن أقل من عاديين. ولكن هناك استثناءات بالطبع لحسن الحظ.وكل صديقاته وخادماته تحولن إلى نماذج فنية أو لوحات خالدة بعد أن رسمهن وهم لابسات أو عاريات.
وعلى الرغم من كل النجاح الذي حققه والشهرة التي توصل إليها والثروة الضخمة التي جمعها من وراء لوحاته إلا أنه ظل إنساناً بسيطاً ولم يتغير أبداً. وهذا شيء نادر في الواقع. فقد جرت العادة أن يصبح الإنسان مغروراً بعد أن ينجح في الحياة ويتحول من فقير إلى غني ومن نكرة إلى إنسان شهير.
مهما يكن من أمر فإن رينوار خلّف وراءه لوحات رائعة يبلى الزمن ولا تبلى. وقد كان من أوائل الفنانين الذين خرجوا على الأسلوب الكلاسيكي في فن الرسم وتبنوا الأسلوب الانطباعي الحديث. وبالتالي فهو من أوائل فناني الحداثة.
وتتجلى جرأته في رسم النساء العاريات ولكن بدون ابتذال أو عهر. ولذلك قال عنه ابنه جان رينوار المخرج الشهير أن العري في لوحات والدي هو من أشرف وأطهر وأنقى أنواع العري...
*الكتاب:المناظر الطبيعية لرينوار 1865 ـ 1883
*الناشر:الغاليري الوطني - لندن 2007
*الصفحات: 296 صفحة من القطع الكبير
Renoir landscapes: 1865- 1883
Colin B. Bailey
National Gallery London
p.296