قدّم مؤلف هذا الكتاب ما يزيد على 20 كتاباً حول الأشياء والكلمات والأيام والمواقع والمعارك التي صنعت التاريخ. بدأها بكتاب من جزأين تحت عنوان: «التاريخ في زاوية الشارع» و«ألقاب من أجل التاريخ» و«تلك الأيام التي صنعت التاريخ» و«تاريخ صغير للأقوال التاريخية الكبرى»، الخ.
موضوع هذا الكتاب الجديد، كما يدل عنوانه، هو «رموز التاريخ». الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا البحث تقول إن التاريخ هو سلسلة من الرموز وكل رمز منها له «تاريخه» أيضا، وان مجرّد ذكره «يوقظ الكثير من الذكريات المشوشة والبعيدة غالبا عن دلالتها الحقيقية».
وتشكل بعض الرموز جزءاً من المخيلة الشعبية، ولكن في أحيان كثيرة دون فهم كيفية نشوئها وتكوّنها كرموز. فمثلا كيف أصبحت زهرة الزنبق هي رموز النظام الملكي الفرنسي سابقا؟ ومن أين أخذت «عصا الماريشالية» دلالتها؟ و«الصليب المعقوف» رمز النازية؟ و«النسر الإمبراطوري»؟ ورموز أخرى كثيرة.
يضم هذا الكتاب تعريفاً لأكثر من 150 رمزاً من رموز التاريخ الأكثر شهرة في أوروبا عامة وفي التاريخ الفرنسي خاصة، وإنما الرموز التي وجدت أصداء استخداماتها في مختلف الحضارات والثقافات العالمية. وقد تبنّى المؤلف في التعرض لها من حيث موقعها في الكتاب التسلسل الأبجدي اللاتيني. التعريف ـ المدخل الأول يخص «النحلة» وبعدها مباشرة «النسر». وذلك على اعتبار أن هذين الرمزين يشكلان «العنصرين الأساسيين في الإرث الرمزي للحقبة النابليونية».
إن «النحلة» لا ترقى من حيث قدرتها «القتالية» إلى مصاف النسر بالطبع. لكنها رمزت عبر التاريخ الإنساني كله إلى فضائل عديدة في مقدمتها: «الحكمة والعمل والنظام». لكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد أن ما جذب نابليون إليها إنما هو «قوتها الرمزية» في تنظيم عالمها، «خليتها»، مجتمعها المثالي حيث يساهم كل عنصر في خدمة الجميع ورخائهم وفي عقل من «الطاعة الكاملة».
كانت النحلة، كما يشير مؤلف الكتاب، رمزا لسلالة إيطالية شهيرة تدعى «باربيريني» بالقرب من فلورنسة. وكان من بين أفرادها في القرن السابع عشر البابا «يوربان الثامن» وعدد من الكرادلة. استقبل الإيطاليون رمز النحلة عندما جرى استخدامه في بناء القصور والمكتبات لكنهم رفضوه عندما جرى هدم عدة صروح قديمة من أجل حجارتها وبحيث إنه سرت في إيطاليا آنذاك جملة تقول: «ما لم يفعله البرابرة، فعلته عائلة باربيريني».
وعندما أراد نابليون أن يقوم بقطيعة كاملة مع النظام الملكي السابق سعى أيضاً إلى التخلص من رموزها. هكذا أخذت «النحلة» مكان زهرة الزنبق، وقد جرى الأمر بسهولة، لاسيما وأن النحلة كانت تمثل «رابطة» مع الماضي البعيد، إذ كان الملك لويس الثاني عشر الذي حكم في بدايات القرن السادس عشر قد طلب أن يصنعوا له معطفا مطرّزا بصور النحل من أجل دخوله «الظافر» إلى جنوة. وعلى غراره لبس نابليون ـ كان برفقة جوزيفين ـ يوم تكريسه إمبراطورا معطفا طوله 22 مترا ومطرّزا بصور النحل. ثم انتقلت صور النحل إلى تزيينات القصور والأعلام وخزائن المدينة وغير ذلك من رموز «العظمة».
وفي عام 1804 جرى تكريس نابليون «إمبراطورا» طلب من «مستشاريه» المعنيين أن يبحثوا له عن رمز «قوي» جديد يمكنه أن يجمع بدلالته كل «الرموز الإمبراطورية». وإذا كان الأسد قد تصدّر قائمة الاقتراحات المقدّمة فقد جرت تنحيته بسبب «تشابهه» مع الرموز التاريخية الانجليزية، فإن «النسر» هو الذي وقع قرار اختياره. ولقد ربطوا دلالته بالإرث الروماني وبـ «أمجاد روما» وبالإرث اليوناني. ثم إن المخيلة الشعبية تعطي للنسر فضائل القوة، وهو «ملك الفضاء» مقابل الأسد «ملك الغابة». ثم إن نابليون أراد باعتماد النسر رمزا لـ «إمبراطوريته» أن يسير على خطى «شارلمان» الذي توّجوه «إمبراطور الغرب». وقد قال نابليون عام 1804: «أنا لم أخلف لويس السادس عشر وإنما شارلمان».
أصبح «النسر» موجودا في كل ما يخص شخص نابليون ونظامه وأسرته وأسلحته. وبعد عامين من تكريسه إمبراطورا أراد أن «يخلّد صورته» فطلب من الرسام الفرنسي الشهير «آنغر» أن يرسم له لوحة وهو على عرشه. وكان النسر موجودا في كل مكان بها. وحتى هناك صورة نسر عند قدمي الإمبراطور للتدليل على أنه في عز قوته وأنه «ينظر إلى العالم من أعلى».
أصبح النسر رمز الفترة النابليونية كلها. لكن بعد أن دارت الأيام وحكم الانجليز على نابليون بالنفي النهائي إلى جزيرة «القديسة هيلانة»، عاد لويس الثامن عشر إلى السلطة وأراد أن يقطن في قصور آبائه في حدائق «التويلوري» الشهيرة التي كان نابليون قد شغلها لسنوات. وعندما اجتاز الملك العائد القاعات اعتذر له المسؤول الفني عن القصر بسبب عدم توفر الوقت لتبديل سجّاد الأرض. فقال له الملك لويس الثامن عشر: «لا عليك من هذه النسور، لو كنت تعرف كم هو سروري كبير وأنا أمشي عليها بأقدامي».
وفي عهود أقرب أصبح «النسر» رمزا للقوة والرفعة التسامي كما يبدو في جمل مثل: «كورني ـ الشاعر الفرنسي الكبير في القرن السابع عشر ـ هو نسر فرنسا» أو «سيبقى مونتسكيو خالدا ما بعد عصر التنوير ونسر القرن الذي عاش فيه»، الخ. ثم هناك تسميات تدل على القيمة الرمزية للنسر في العالم كله، مثل «النسر ذو الرأسين» رمز آخر أباطرة القسطنطينية للتدليل على مد سلطتهم على الشرق والغرب.
و«النسر الأصلع» الذي اختاره الأميركيون عام 1782 للمطالبة بحريتهم و«النسر الأزرق» رمز الإدارة القومية الأميركية التي أنشأها روزفلت عام 1933 من أجل مكافحة الكساد الاقتصادي الأميركي. هذه بعض الأمثلة بين أخرى كثيرة عن القيمة الرمزية للنسر في مختلف ثقافات العالم.
رمزت العصا منذ العصور القديمة إلى القيادة والسلطة. وكانوا يتحدثون في روما وفي أثينا قديما عن «عصا القيادة». ثم وجدت مكانها لاحقا على هيئة «صولجان» في الخزائن الملكية والإمبريالية. أما صفة «المارشال» فلم تكن تعني الترقي إلى درجة أعلى في المراتب العسكرية. وإنما التميّز بلقب... وليس برتبة.كان لقب المارشالية قد ألغي من قبل الجمعية التأسيسية الفرنسية بعد الثورة الفرنسية عام 1793، لكن نابليون أعاد العمل به عام 1804 وتحدد عدد «المارشالات» آنذاك ب«16 مارشالا.
وكان نابليون عندما توجه بالحديث لهم يقول: «أبناء العم» أو «السادة». وتم تزويدهم بـ «عصا المارشالية». وكان الأمير البولندي «بونيا توفسكي» هو الضابط الأجنبي الوحيد الذي حاز على لقب المارشالية ولمدة ثلاثة أيام فقط بسبب فعلته. وفي فترة أقرب من التاريخ الفرنسي، أي منذ عام 1916 حاز 12 ضابطا فرنسيا فقط لقب المارشالية كان آخرهم المارشال «كوينغ» عام 1984، وبعد وفاته. ويقال اليوم: «هذه عصا مارشالية»، وهذا تعبير يدل على أن إنسانا ما بلغ ذروة ما يمكن أن يتوصل إليه من رفعة في مساره المهني.
ومن الرموز التاريخية يتم الحديث أيضاً عن أصحاب «القمصان الحمراء» الإيطاليين الذين حققوا انتصارات كبيرة تحت إمرة غاريبالدي في القرن التاسع عشر، وأصحاب «القمصان السوداء» من أنصار الفاشي موسوليني في إيطاليا أيضاً الذين كانوا قد زحفوا على روما عام 1922. وأصحاب «القمصان الزرقاء» من كتائب فرانكو باسبانيا أثناء الحرب الأهلية. وأصحاب «القمصان الخضراء» مثلما أُطلق على مجموعات من الشباب الوطنيين المصريين عام 1930.
ويكرس مؤلف هذا الكتاب ثلاث صفحات للحديث عن «سيجار تشرشل» وحيث يتم تقدير عدد ما دخّنه الزعيم الإنجليزي الشهير من «السجائر» طيلة حياته بحوالي 300000 سيجار. ولم يكن تشرشل يظهر أبدا في الصحافة أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها إلا والسيجار في فمه.
ويُحكى أن تشرشل كان قد قدّم لأحد ضيوفه علبة تحتوي على «سجائره» فأخذ منها الضيف أربعة قائلا: «مؤونة من أجل الطريق» فعلّق تشرشل قائلا: «لا شك أنك أتيت من كان بعيد». وهناك شخصيات كبيرة أخرى اشتهرت بولعها بـ «السيجار» من بينها المارشال فوش وارنست همنغواي ومارك توين وستاندال واورسون ويلز.
و«الصليب المعقوف» الذي اختاره ادولف هتلر رمزا لحزبه يعود إلى أزمة قديمة وله دلالته في اللغة السنسكريتية. وكان قادة الحزب الألماني قد حوّروا كثيرا من شكله ليصبح في عام 1920 الرمز الرسمي للحزب القومي ـ الاشتراكي (النازي لاحقا) كدليل على «المعركة من أجل انتصار الشعب الآري».
وقد عممه هتلر على ألمانيا وفي جميع البلدان التي احتلّها. كما جرى نقش صورته على كل شيء من الأوراق الرسمية العادية حتى علم البلاد. ومع هزيمة النظام النازي أصبح «الصليب المعقوف» هدفا للاحتقار بكل الأشكال الممكنة باعتباره رمز أحد أكثر الأنظمة دموية.
ورموز أخرى كثيرة لها دلالتها التاريخية تتحدث عنها صفحات الكتاب أيضاً وليس أقلها شهرة «سيف داموقليس» و«جدار برلين» و«حجر رشيد» و«تمثال الحرية» و«قبعة نابليون» و«الصليب الأحمر»، الخ. إنها متعة الاكتشاف والتعرّف.
*الكتاب: رموز التاريخ
*الناشر:اكروبول ـ باريس 2007
*الصفحات : 278 صفحة من القطع المتوسط
Les symboles de l'histoire
Daniel Appriou
Acropole
Paris 7002
p.278