مؤلف هذا الكتاب هو أحد أشهر علماء الأحياء على الصعيد العالمي اليوم. دكتور في الطب ودكتور في العلوم ومدير معهد «كوشانا» الشهير للبحث العلمي. عمل لسنوات كعضو في اللجنة الاستشارية الوطنية الفرنسية للمنظومة الأخلاقية (الخاصة باستخدام العلم). قدّم اكسيل كان عدة أعمال شهيرة في ميدان اختصاصها من بينها: «الاستنساخ موضع تساؤل» و«أين الإنسان في هذا كله» و«الطب في القرن الحادي والعشرين: جينات وبشر»، الخ.
يتساءل الإنسان، ومنذ آلاف السنين، عن طبيعته وعن «قيمة» الأعمال والأفعال التي يقوم بها. والإنسان كما يعرّفه المؤلف ـ العالم هو مجرد «قصبة»، أي أنه بهذا المعنى غاية في «الصغر»، لكنه «قصبة مفكّرة» وبهذا المعنى هو غاية في «الكبر». وبالتالي يشكل هذا الكتاب في عمقه بحثا في «بؤس» الإنسان وفي «عظمته»، ومغامرة في «جذور الطبيعة البشرية»، كما جاء في العنوان الفرعي لهذا العمل.
يعود المؤلف في مقدمة الكتاب لتحديد «إطار موضوع بحثه» إلى الفيلسوف الفرنسي الشهير بليز باسكال الذي ينقل عنه قوله: «يمكنني أن أتصور إنسانا بدون يدين وقدمين ورأس. ولكنني لا يمكنني تصوره بدون تفكير فعندها سيكون حجرة أو أي جماد». ويضيف: «الإنسان ليس سوى قصبة هشة، والأكثر ضعفا في الطبيعة. لكنها قصبة مفكّرة، ولا ينبغي أن يجتمع الكون كله من أجل سحقها. فهبّة بخار ونقطة ماء كافية لقتلها».
وما بين البعدين المتمثلين في كون الإنسان «واقع بيولوجي عادي وضعيف يمكن لأبسط الأشياء أن تدمّره» من جهة، وكونه «كائنا مفكّرا قادرا على تأمل أسباب هشاشته» من جهة أخرى، تجد شروحات هذا الكتاب كل معناها. وما يؤكده المؤلف ـ العالم منذ البداية هو أن أكثر العلوم والبحوث تقدما الخاصة ب«آلية عمل الفكر» لا يمكنها أن تقدم تفسيرا لهذه الآلية بكل «تنوعها وغناها». والإنسان كما يعرّفه المؤلف هو «كائن اجتماعي»، ولكنه ليس وحده «الكائن الوحيد» الذي يمتلك هذه الصفة. إذ ليس الحيوانات وحدها تمتلكها، بل إن بعض «الفطور» النباتية «تمارسها».
لكن بالطبع تميّز الإنسان عبر مسيرة التطور الثقافي والحضاري والتزايد المستمر للمعارف والتقنيات وما ترتب على هذا كله من علاقة مع الآخر. يقول المؤلف: «دون الآخر، ودون تأثيره البنّاء على ذهني لن أكون شيئا ولن أستطيع التوصل إلى إدراك ذاتي. وبدوني أنا، يكون الآخر ما أكونه أنا بدونه».
وهذا «الآخر»، عندما تتزايد مسافة الابتعاد عنه، يصبح «الأجنبي». والأجنبي الذي تطور في إطار «ثقافته الخاصة» وحسب قوانينها المحددة داخل مجتمع إنساني محدد. هكذا أصبحت له «مفاهيمه» و«مرجعياته» المختلفة عن الآخرين. وبالتالي ليس هناك ما يسمع أبدا بافتراض أنه أقل «معرفة» وأقل «إبداعا». مع ذلك يؤكد المؤلف على أن البشر يبحثون دائما عن «تأكيد ذاتهم» في عيون الآخر... والأجنبي. كما يؤكد على أهمية الانفتاح. نقرأ: «الأجنبي يمد لي يده ويقترح علي اكتشاف كنوزه، وسوف أدلّه على ما نملكه من كنوز. وسوف نحقق معا تقدما غير مسبوق في فهمنا لأنفسنا وللعالم إذ انفتح كل منّا على الآخر».
ويتم التأكيد في هذا السياق أيضا على أن التاريخ قدّم البراهين على خصوبة نماذج الثقافات وعلى خطورة تقوقعها على ذاتها. لكن مثل هذه العملية تبدو اليوم مهددة من قبل ظاهرة عولمة رمزية بمقدار ما هي اقتصادية. واختزال جميع القيم إلى بعدها التجاري على الصعيد الكوني يشكل أداة للهيمنة مسيئة لخصوبة التبادل ذلك ان الأفكار المتولدة في ظل العولمة تنتمي بالأحرى إلى «المواجهة» وليس إلى تشجيع «التبادل». وهذا ينجم عنه انطواء وتقوقع على الذات. وهكذا أيضا «يصبح الأجنبي من جديد إنسانا لا يمكن التعرف عليه أو أنه لا مبالي أو أنه مصدر تهديد. وهذه هي العنصرية تعود»، حسب تعبير المؤلف.
وينتهي المؤلف في تحليلاته للعلاقة مع «الآخر» و«الأجنبي» و«العدو» إلى «التحذير» من تفسير أخذ يشق طريقه في الحضارات الحديثة المتقدمة ويتمثل في تفسير سلوكيات البشر على أساس بيولوجي، وذلك بدلا من تحليل آليات سلوكية البشر على أساس خصوصياتهم الثقافية وليس «جيناتهم».
ويتحدث المؤلف في كتابه عن ثلاث فئات من القيم، الفئة الأولى تخص القيم العلمية والتقنية وتقوم على أساس ما هو صحيح ومفيد وآمن. أي على التجربة التي قام بها أشخاص معترف بكفاءتهم في ميدان تلك التجربة. وهناك القيم ذات الطبيعة «الاقتصادية» ذات العلاقة بقيمة العمل وقيمة الاستخدام والقيمة المضافة والقيمة التبادلية. وهنا يطغى مفهوم «الكم» بصورة أسعار يرتبط تحديدها بمختلف المعطيات الاقتصادية وآليات السوق. الفئة الثالثة يسميها المؤلف ب«القيم غير المادية». وهي التي تهم مفاهيم مثل «الخير» كمعيار للقيم الأخلاقية و«الجمال» للقيم الجمالية. ويؤكد المؤلف أن الأفراد والمجموعات يحددون على أساس مختلف هذه الفئات ما يعتبرونه «مشروعا ومرغوبا».
ويحدد المؤلف أحد أكبر الأخطار التي يواجهها القرن الحادي والعشرون ب«عملية الاختلاط بين فئات القيم» المعنية وب«التراتبية» بينها. ذلك أن إعطاء قيمة أكبر مثلا للقيم الاقتصادية والتقنية يؤدي إلى انحسار موقع القيم الأخلاقية والجمالية. ويتم في هذا الإطار البحث في العلاقة بين تقدم العلوم والتقنيات وما يثيره من «اعتراضات» على الصعيد الأخلاقي. وقضية الاستنساخ تقدم نموذجا واضحا عمّا يمكن أن يطرحه التقدم العلمي على صعيد المنظومات الأخلاقية.
ويشير المؤلف أيضا إلى سوق صناعة الأدوية الذي تتوضح هيمنة «قيم السوق» على جميع القيم الأخرى. لاسيما وأن جهود البحث متركزة على «الاستجابة لرغبات وحاجات سكان البلدان الغنية المتقدمة بينما يتم ترك سكان البلدان الفقيرة دون أي اهتمام حقيقي».
وينتهي المؤلف في تحليلاته إلى القول: «لا يكفي أن نعطي للعمل الإنساني في إمكانيات التطور فحسب وإنما تعبئة هذه الإمكانيات كلها من أجل مصلحة الجميع، بما في ذلك مصلحة الأجيال القادمة». وهذا يتطلب التخلص من «وهم» أن الإنسان يمكنه أن يتابع مصالحه الفردية وحدها ويكتفي بذلك. لكن «روح العصر» تدفعه إلى ذلك.
ومن أهم الأفكار التي يركز عليها مؤلف هذا الكتاب والعالم الكبير التأكيد على أهمية «النزعة الإنسانية» وعلى «الحرية»، وحيث كرس فصلا كاملا تحت عنوان: «الحريّة، الحرية الغالية» وأكد فيه أن «كلمة الحرية» يمكن تطبيقها على الأشياء وعلى الطبيعة عامة وعلى الكائنات. هكذا عندما يترك المزارع الأرض ويذهب إلى المدينة تنبت الأعشاب بحرية وتجتاح المكان.
إنها «تعبّر» عندها عن إمكانياتها الكامنة إلى الحد الذي يسمح به الوسط المحيط. فكرة «التعبير عن الإمكانيات» يجدها المؤلف شديدة الأهمية فيما يتعلق بمفهوم الحرية من معناها الأعم المتمثل في «غياب أي قسر» إلى معناها المثالي الذي يؤكد على الاستقلال الذاتي لشخص يقوم طواعية بما هو قادر عليه دون أي ضغط خارجي.
وبعد أن يستعرض المؤلف التيارات العريضة التي عرفها التاريخ الإنساني حول مفهوم الحرية يؤكد على أن البشر ب«تزمتهم وإيديولوجياتهم وانقيادهم» هم الذين كانوا وراء أكبر آلام البشرية وليس «مجموعات من الأفراد المبرمجين في عمق جيناتهم وتكوينهم البيولوجي لممارسة العنف وكل أشكال الشرور»، كما أرادت أن تقول بعض النظريات العلمية «المتقدمة». إنه يحمّل «اتيلا» و«جنكيزخان» و«تيمورلنك» و«هتلر» مسؤولية ما قاموا يه من أعمال بعيدا عن «محدداتهم البيولوجية». ويشير هنا إلى أن بعض «أجداد النازيين» من الألمان عرفوا «الإبداع الفلسفي والشعري والعلمي والموسيقي» ولا علاقة لهم بالأعمال «البربرية» لأحفادهم.
ويحدد المؤلف المرض المسيطر على الإنسانية أنه «الإيديولوجيا». ثم جاءت العلوم والتقنيات كي تخدم «المكتشفين» و«القراصنة» بنفس الوقت. إذا كان السؤال في بداية الثورة العلمية يتعلق بمعرفة كيفية السيطرة على الطبيعة بواسطة العلم فإنه أصبح اليوم يتعلق بكيفية السيطرة على العلم نفسه.
ويتميّز الإنسان أنه وحده «قصبة مفكرة» قادرة على تصور المستقبل وإعداد مشروع من أجله وتحديد وسائل تحقيقه وتقدير قيمته الأخلاقية. والنتائج مرهونة بهذا كله مما يضع الإنسان أمام مسؤوليته بسبب تعدد سبل الفعل. و«هنا يكمن أصل شعور الحرية كمبدأ إنساني في بناء الشخصية»، كما يقول المؤلف.
وفي الفصل الأخير من الكتاب الذي يحمل عنوان: «سعيد مثل سمكة في الماء» يؤكد المؤلف على قيمة أساسية تميّز الإنسان عن جميع الكائنات الأخرى. هذه القيمة هي «الوعي»، أي أنه بصيغة ما «يساهم» في صنع الحالة. ومسألة «الوعي» هذه يطبقها المؤلف على ميادين الرغبة والسياسة. ويؤكد في كل الحالات على «التقدم» ك«وسيلة للسعادة» ولا يتردد في اعتبار «سوق السعادة»، السائد في الحضارات الحديثة، إنه مجرد «وهم». ولكن على الإنسان أن «يحاول» بلوغ السعادة عبر «التواصل» مع الآخرين.
*الكتاب:الإنسان، هذه القصبة المفكّرة - دراسة في جذور الطبيعة البشرية
*الناشر: نيل ـ باريس 2007
*الصفحات :334 صفحة من القطع المتوسط
L'homme, ce roseau pensant
Essai sur les racines de la nature humaine
Axel Kahn
Nil- Paris- 2007
p. 334