الآن وقد أوغل الشاعر والروائي والقاص ديفيد معلوف في مسيرة العقد السابع من عمره، فإنه يطل علينا بمجموعته القصصية الجديدة «كل حركة تأتيها»، فإذا بنا أمام عمل متألق بكل المعايير يتميز برحابته الباهرة وبأنه لوحة تتسع لتضم قارة بأسرها مع لمحات مثيرة للقلق من العالم الممتد بعيداً عن استراليا، وهي بهذا تستحق القراءة وإعادة القراءة عن جدارة. وكما يشير معلوف نفسه، فإن روايته حافلة بمشاعر الوداع ومؤشرات الانتهاء وحزن البكائيات.
في قصة «وليد الحرب» سنتابع الشاب الاسترالي الذي يوشك على الرحيل للمشاركة في حرب فيتنام، فينغمس في مشاعر الوداع لكل من يعرف. ومشاعر الوداع أيضاً نجدها في قصة «حوالي منتصف الليل» التي تصور امرأة متقدمة في العمر ومصابة بالسرطان وموشكة على الرحيل عن عالمنا، وهي تقطن وحيدة في دارة رحبة في توسكانيا بإيطاليا، وهذه القصة تتيح لنا في آن متابعة الاقتراب من موعد اللقاء مع الموت وفي الوقت نفسه الاحتفاء بالذهن البشري وبقدرته على مواصلة الاستمتاع حتى في مواجهة تحلل الجسد واقترابه من الفناء.
فها هي العجوز الموشكة على الرحيل تكتشف ان أحد العمال المهاجرين والذي يقطن في مجمع عمالي قريب منها يستخدم حوض السباحة الممتد خارج دارتها ليلاً، وهي ترحب بزياراته وترقبه من دون أن يراها من شرفة دارتها وتجد في حيويته المنطلقة بلا حدود خلال السباحة مصدر سرور لها. وليس في نظرتها حسد ولا رغبة في الاستحواذ، وإنما كل ما هنالك هو نظرة للعالم على نحو ما هو عليه واقترابه الواهن ولكن الذي لا سبيل إلى الخطأ بشأنه هو الخلود.
هذه الموضوعات نفسها سيتم استكشاف آفاقها على نحو أوسع نطاقاً في قصة «السيدة بورتر والصخرة»، والتي قد يكون بالوسع وصفها بأنها القصة الأكثر تميزاً في هذه المجموعة بكاملها. الصخرة المشار إليها في عنوان هذه القصة هي أولورو وهي موقع مقدس لدى سكان استراليا الأصليين ومقصد مهم بالنسبة للسياح، والسيدة بورتر هي واحدة من هؤلاء السياح، والتي يجرها جراً إلى هناك، على غير رغبة منها، ابنها الذي لا يفتأ يتدخل في حياتها.
وهي تقدم لنا باعتبارها امرأة شديدة الاعتداد برأيها والاهتمام بنفسها، وهي تبدو لنا في البداية شخصية كوميدية على نحو مراوغ، ولكن مع تطور القصة فإن تفسيراتها المضحكة لما حولها تتخذ أبعاداً أكثر ثراء وإثارة للانزعاج. وشأن بطلة «حوالي منتصف الليل»، وإن كان بقدر أقل من الوعي بالذات، فإنها تقف عند حافة الرحيل، ومع تراخي قبضتها على العالم المادي، فإن الناس والأشياء من حولها يكتسبون بريقاً رؤيوياً.
وفي قلب القصة تكمن ذكريات الطفولة، وهي تتذكر بشكل خاص تلاعب اللون عبر جلد سمكة فيما هي تنتقل على نحو لافت للنظر من الحياة إلى الموت. ومن شأن وصف هذه الصورة التي يجري تذكرها بأنها رمزية أن يبدو فجاً، ذلك أن كتابة معلوف في جوهرها تقاوم هذا النوع من التحليل الذي يقلل من شأنها، ولكننا ندرك أن رحيل السيدة بورتر ينتمي إلى النوعية العجائبية ذاتها التي ينتمي إليها رحيل تلك السمكة.
هاتان البطلتان الموغلتان في السن يتم إظهارهما على أنهما تخطوان مبتعدتين عن ضجيج حياتهما إلى علاقة جديدة مع الكون، علاقة هي في آن أبسط وأعمق مما سمحت لهما ظروفهما السابقة. هذه الموضوعة تتردد أصداؤها في قصة «وادي البحيرات»، حيث نجد فتى مراهقاً يخوض غمار نوع من استهلال الحياة في مستنقعات كوينزلاند، حيث يعثر على الملامح الخارجية لهويته الملتبسة وهي تذوي في طنين وتألق العالم الطبيعي، وهو يدرك جلية الأمر فيقول: «لقد كنت محوريا بالنسبة له، ولكنني أيضاً لم أكن شيئاً».
في قصة «الكانتاتا المحلية» يكافح مؤلف موسيقى لحماية مجاله الإبداعي في مواجهة تدخل الحياة العائلية المتربص بهذا المجال، والمتمثل في دراجة متروكة في الدهليز، مناشف مبتلة على أرضية الحمام، وأطباق مكومة مع بقايا الطعام، والحضور الذي يقطع الاسترسال من جانب الأطفال. وتصل حفلة غداء غير مرضية على نحو غامض إلى ذروة فوضوية مع الصديق الحزين لابنته المراهقة والذي يعاني من نوبة مفاجئة.
ولكن مع اقتراب اليوم من نهايته فإن المؤلف الموسيقي وزوجته يعكفان على انجاز عمل لم ينته معاً، حيث ينتشر غناء المرأة في الدار وكأنه الرد على صلاة غير منطوقة، وتأكيد للبؤس الإنساني، «لقد كان جزءا من شيء أكبر كان معروفاً ومشاركاً فيه وأمكن أن يأخذ ذلك الشكل الأكثر خفة، الصوت العالي النقي المنبعث من موضع آخر». وهو أيضاً التأكيد الإضافي للجدية السامية لنداء الفنان، وهو تأكيد يؤكد ضمنا في كل قصة من قصص هذه المجموعة المتميزة التي تضيف المزيد إلى رصيد ديفيد معلوف الإبداعي الهائل.
حياة من إنجاز
*يعد الشاعر والروائى والقاص ديفيد معلوف من أبرز مبدعي استراليا، وأكثرهم تلقيا للجوائز الأدبية المحلية والعالمية. وقد اشتهر في المقام الأول كشاعر، منذ إطلالته الأولى في عام 1970 عبر ديوانيه «عجلة» و«قصائد أخرى» اللذين أعيد إصدارهما في نيويورك تحت عنواني «سنة الثعالب وقصائد أخرى» و«جيران في أكمة» عام 1979.
واشتهر بصفة خاصة ديوانه «الأمور الأولى تدوم أكثر «الصادر عام 1980. وفي عام 1981 أصدر مجموعة بعنوان «قصائد مختارة». وفي عام 1988 أصدر ديوانه «صلات دم» تم جمع قصائده التي نظمها على امتداد السنوات من 1959 إلى 1989 في ديوان شامل بعنوان «ديفيد معلوف: قصائد» الذي أعاد إصداره تحت عنوان «قصائد مختارة» في عام 1994.
*امتدت مسيرة معلوف كروائي عبر عشر روايات ابتداء من «جونو» الصادرة في 1975، والتي يعتبرها الكثير من النقاد أكثر أعماله قرباً من السيرة الذاتية، وتوالت أعماله الروائية وأبرزها «حياة متخيلة» الصادرة في 1978 ثم «تذكر بابل» الصادرة في 1993 و«حوارات عند كارلو كريك» الصادرة في 1996.
*لديفيد معلوف أعمال قصصية شهيرة أبرزها «حكاية رحالة» الصادرة في 1982 و«أجسام مضادة» الصادرة في 1985 و«وعاء طعام الغداء الفارغ «الصادرة في 1991 و«كل حركة تأتيها» الصادرة مؤخراً.
* وأصدر معلوف سيرته الذاتية في عام 1985 تحت عنوان «12 شارع إدمونستون»، وله العديد من الأعمال الدرامية وثلاثة نصوص لأعمال أوبرالية.
*الكتاب:كل حركة تأتيها
*الناشر:شاتو، لندن، 2007
*الصفحات:256 صفحة من القطع المتوسط
Every Move you Make
David Malouf
Chatto, London, 2007
P.256