تنتمي هذه المقابلة إلى مجموعة محدودة للغاية من المقابلات التي أجريت مع الشاعر والقاص والروائي الاسترالي ديفيد معلوف، الذي عرف عنه ميله إلى العزلة والعزوف عن مد الجسور مع أجهزة الإعلام

وقد أجرتها معه هيلين دانييل المحررة الثقافية في دورية «استراليا هيوما نيتيز ريفيو»، وذلك بمناسبة صدور مجموعته القصصية الجديدة «كل حركة تأتيها» عن دار شاتو اللندنية، حيث ألقى فيها الضوء على أبرز سمات هذه المجموعة وتناول معالم عالمه الروائي وميل رواياته إلى إعادة تفسير الأساطير الاسترالية الموروثة، وتناول بالتفصيل الانفصال بين اللغة والمكان في استراليا. وفيما يلي نص المقابلة: *ما هي في اعتقادك أبرز سمات مجموعتك القصصية الجديدة «كل حركة تأتيها»؟ ـ لست أعتقد أنه ستغيب عن قارئ هذه المجموعة النغمة الرثائية التي تسود قصصها، وهي نغمة ليست بالجديدة في أعمالي، لكنها ازدادت عمقاً وتغلغلاً على مدار السنين. وهذه المجموعة تهيمن عليها النهايات وتلويحات الوداع.

*في أي القصص على وجه الدقة تبرز هذه السمات أكثر من غيرها؟

ـ دعنا نأخذ علي سبيل المثال قصة «وليد الحرب»، حيث نجد شاباً مجنداً للحرب في فيتنام، وهو يذعن لقدره، ولكنه يمضي الأيام السابقة على رحيله غارقاً في طقوس وداعية ممتدة، ليس للناس الذين يعرفهم فحسب، وإنما لعالم العجائب الصغيرة الذي يسجل الآن بزخم جديد، والنثر هنا ينقل إلى القارئ فهم هذا الجندي لغرابة أشياء الحياة اليومية، بما في ذلك سخونة كوب الشاي الذي تلتف حوله أصابعه،

ونمط الزخرفة الزهري على البلاطات التي تكسو الجدار وراء حوض المطبخ في بيت أحد أصدقائه ومعجزة التوازن فيما هو يمضي قبيل رحيله منطلقاً بالدراجة بين تألق النجوم في السماء والتماع بريق سطح الطريق، وهناك وداعات متألقة أخرى في قصص مثل «حوالي منتصف الليل»، و«السيدة بورتر والصخرة» وغيرهما من قصص هذه المجموعة.

*يتحدث نك جوزيه في مجلة «استراليان بوك ريفيو» عن السمات الأوبرالية لروايتك «كارلو كريك». هل كنت على وعي بهذا القالب الأوبرالي لدى قيامك بكتابتها؟

ـ كلمة «أوبرالي» ربما ليست الكلمة التي أستخدمها أولاً في هذا السياق، أما كلمة «موسيقى» فهي بالتأكيد الكلمة التي أعتقد أنها تنطبق في هذه الحالة. ولكنني أعتقد أن ذلك ينطبق على الطريقة التي تشكلت بها كتبي كلها. ولست أنظر عادة إلى الاندفاع قدماً بالكتاب باعتباره شيئاً مرتبطاً بالحبكة، وإنما هو مرتبط باستكشاف الأشياء التي تعلن أولاً، في بعض الأحيان كالاستعارات في قصيدة علي وجه التقريب، ثم تستكشف نهايات الاستعارة وتترك هذه النهايات تمتد إلى تعارضات أخرى، مقارنات أخرى ثم تبادر إلى استكشاف هذه الأخيرة.

وأعتقد أن هذه هي الطريقة التي تمضي بها كتبي كلها تقريباً، وأعتقد أنني تعلمت حقاً أن أشكل رواية ما بالطريقة التي تعلمت بها أن أشكل قصيدة. ومن هناك فقد أشرت في الماضي إلى الكتب باعتبار أن لها نوعاً من الهيكل الشعري بتلك الطريقة، أو البنية الموسيقية، إذا أراد المرء أن يقول ذلك.

*العديد من رواياتك لها نوع من السكونية أو التوازن، النابعين من تلاعب هذه الإمكانات المتنافسة. ويبدو لي أن رواية «كارلو كريك» تشبه سلسلة من الفتحات تقريباً، كما لو كنت تجوب أرجاء بيت، متنقلاً من غرفة إلى أخرى، باحثاً عن استكشافات مترابطة. وهي تفرز خاصية سكونية غريبة.

ـ أعتقد أنني كلما تمت توعيتي بعملي أدركت عدد المرات التي أريد فيها حقاً استخدام الرواية لإيقاف الزمن، لتهدئة اندفاع الأشياء. وأنت يمكنك تهدئة اندفاع السرد، بحيث إن الثانية تغدو شيئاً يمكن استكشافه ربما عبر ما يزيد على صفحات. وأنا أحب هذا التلاعب بين الحركة والسكون في الرواية. وأعتقد أنه في هذا الكتاب هناك نوع خاص من مجموعة الحركات المندرجة في الحقيقية القائلة إن هناك مكانين للحركة حقاً، أحدهما هو مكان الرجلين في الكوخ وهذا يلبي المعيار الأرسطي الخاص بوحدة المكان.

ولكن هذين الشخصين كليهما لهما ماض، وما إن يبدأ كارني في الحديث عن الماضي، أو يبدأ أدير في التأمل في الماضي، حتى تجد نفسك في حركة مختلفة تمام الاختلاف، حركة ممتدة، تتخارج أكثر فأكثر، وتضم المزيد من الشخصيات، وتستغرق مدى زمنياً أوسع، وآمل كذلك مدى أوسع من البصيرة. وهكذا هناك حركتان متعارضتان في الكتاب.

*تحدثت ذات مرة عن «تلك السقطة التي تتسم بها استراليا، والتي لا يتوحد في إطارها المكان واللغة». هل لك في تفصيل القول في الهوة بين اللغة والمكان.. وحقاً.. السقطة؟

ـ أحسب أنني أقصد بالسقطة إحساسا بالانتزاع، شعورا بكون المرء خارج الحديقة، على سبيل المثال. ومن الصحيح أن كل شيء متعلق باللغة الانجليزية يستمد من مكان بعينه، من مشهد طبيعي محدد. كل شيء في اللغة له أصل في حقيقة مكان ما. وذلك صحيح في استراليا. فقد جلبنا اللغة الانجليزية إلى استراليا، وجعلناها تنطبق على عالم مختلف تماماً.

وهي تجعلنا أكثر وعياً فيما يتعلق باللغة واستخداماتها، والطريقة التي تتناسب بها، مقارنة بما يحتاج إليه متحدث في انجلترا، وينبغي أن تجعلنا أكثر وعياً باللغة باعتبارها شيئاً متعلقاً بالإرادة أكثر مما هي شيء طبيعي. وبقدر ما نحن شعب في استراليا، وبقدر ما لدينا ثقافة، فهي تضرب جذورها في تلك اللغة، تلك اللغة هي التي تحقق تماسكنا معاً، وعندما يتطلع الناس دوماً حولهم عما يحدد هويتنا الاسترالية، أو يحددنا كمجتمع، أو كأمة، أو كائنا ما كان،

يبدو لي أنه أقل كمونا في خصائص معينة، عنه في الحقيقة القائلة إننا نشترك سوياً في هذه اللغة، وإننا غيرناها بطريق تناسبنا، ولكنها تناسبنا اجتماعياً أكثر مما تناسب الأرض، ويبدو لي أن ذلك يجعل الطريقة التي توجد بها اللغة في استراليا شيئاً ثمينا على نحو أكبر، لأنها مصدر تماسكنا كشعب، ولكنها أيضاً شيء نعيه بأنفسنا بطريقة لا تتحقق لدى المتحدث في انجلترا.

*تضم رواية «تذكر بابل» نوعاً من الشخصية الأسطورية أو الايقونية، أي الرجل الأبيض الذي يقيم وسط السكان الاستراليين الأصليين. وفي رواية «كارلو كريك» هناك حارس الأدغال، وهو شخصية تستحضر بصورة فورية جميع أنواع الارتباطات والتوقعات الثقافية، التي تخربها الرواية بانتظام.

ـ إنني أحب كثيراً، على سبيل المثال، أن أبدأ بالشخصيات التي تشبه الشخصيات النمطية، ثم على مهل ومع انطلاق الرواية أقوم بتعقيد تلك الشخصيات أو أجعلها بالغة التناقض بحيث إنها لا تهرب فقط من الشخصية النمطية التي تبدو عليها وإنما هي تضع موضع التساؤل كلية ما إذا كان مفهوم الشخصية النمطية له أي وجود باستثناء الطريقة التي تقرأ بها ما هو هناك أو نسيء قراءته على نحو كسول.

وبالطريقة نفسها فإنني أحب تصعيد التوقعات التي لن يقدر لها أن تتحقق. ولست أعتقد أن الناس يتحدثون عن أعمالي من منظور ما فيها من تلاعب، وأنا أنظر إلى نفسي باعتبار أكثر تلاعباً مما يراني القراء أو مراجعو الكتب. وذلك بالتأكيد هو أحد اهتماماتي بالكتابة، أي مواصلة جعلها تتحول في اتجاهات لا يتوقع القراء بالضرورة أن تمضي إليها.

*تلفت نظري فكرة أن روايتي «تذكر بابل» و«كارلو كريك» كليهما تقعان في نوع من التاريخ المنافس، تاريخ خيالي يُكتبه بصورة جماعية الكتاب المعاصرون الآن. هل تعي هذا التاريخ الخيالي، التاريخ الذي يكتبه الكتاب بصورة جماعية اليوم، والذي يعد بالنسبة لبعض القراء منافساً خطيراً لـ «التاريخ الواقعي»؟

ـ إنني أقل وعياً بأمثلة محددة وبتواريخ بعينها، ولكنني بالتأكيد على وعي تام بالحقيقة القائلة إن ذلك يحدث.

وذلك كله عمل من المحقق أنه سيظهر إلى حيز الوجود في استراليا، لأن طريقتنا الوحيدة في استيعاب تاريخنا ـ وأنا أعني بتاريخنا حقاً ما حدث لنا وما يقرر من نكون الآن وأين نحن الآن ـ الطريقة الوحيدة للتصالح مع ذلك هي بولوج الناس إلى رحاب خيالهم، ليس عن طريق عالم الحقائق، ولكن من خلال كونهم هناك. والشيء الوحيد حقاً الذي يضعك هناك بتلك الطريقة هو القص، والشعر يمكنه القيام بذلك، والدراما يمكنها انجاز ذلك، ولكن غالباً فإن القص هو الذي سينجزه، ذلك سيتحقق عندما تكون هناك بالفعل وتصبح مجدداً شخصية في ذلك العالم.

وبالطبع فإنه ليس العالم الحقيقي، ليس السبيل الذي مضت عليه الأمور في عام 1827، إنه السبيل الذي يبدو عليه عام 1827 في المغزى الذي له في عام 1996، ثم يتمكن القراء من المضي بذلك كله إلى رحاب وعيهم وخيالهم، بحيث ينقل من عالم الحقيقة إلى شيء يشبه عالم التجربة، لكنه أقرب إلى تجربة حلمية منه إلى تجربة واقعية. وبالطبع فإن الحلم أو الأسطورة له سمة خاصة بالنسبة لنا، شيء نلمس فيه أشياء بالغة العمق ولكننا لا نسأل عن معناها، وإنما ندركها باعتبارها قوى تحدث تأثيرها فينا ولا نفهمها تمام الفهم، ولا نستوعب أهميتها الخاصة بالنسبة لنا.

ذلك هو المدى الذي في إطاره تعد تاريخا مختلفاً، إنه تاريخ حلمي، تاريخ أسطوري، تاريخ تجربة في الخيال، وأنا أواصل الرغبة في القول إن المجتمعات يمكن أن تصبح كلاً، يمكن أن تصبح على معرفة كاملة بما هي عليه فحسب عندما تكون قد عاشت التاريخ مجدداً بطريقة من تلك النوعية.

محطات في حياة معلوف

*ولد ديفيد معلوف في عام 1934 في برسبان باستراليا لأب لبناني وأم انجليزية، ودرس في جامعة كوينزلاند، وعمل بالتدريس بها لمدة عامين بعد تخرجه منها، وأمضى العقد اللاحق لذلك في انجلترا وإيطاليا، وعاد إلى استراليا في عام 1968، حيث عمل بتدريس اللغة الانجليزية في جامعاتها، وغادرها في عام 1977 إلى أوروبا حيث استقر في توسكانيا بإيطاليا وتفرغ للكتابة، وقسم وقته بين ايطاليا واستراليا.

*على الرغم من تأكيد معلوف أنه لا يتحمس للانتماء إلى استراليا، وقوله في إحدى المقابلات التي أجريت معه: «أنا لا أنتمي إلى أي بلد أو عرق أو جغرافيا. إن انتمائي الوحيد هو إلى اللغة»، إلا أن استراليا اعتزت به، واحتضنت موهبته، ومنحته العديد من جوائزها، فحصل كل عمل أدبي له على جائزة أو أكثر من هذه المؤسسة أو تلك على امتداد القارة.

*معلوف مبدع شديد الغزارة فله عشر روايات وإحدى عشرة مجموعة شعرية وخمس مجموعات قصصية بخلاف نصوصه الدرامية والمكتوبة للأوبرا وإشرافه على إعداد مجموعات الشعر الاسترالي.

منى مدكور