ترك الشاعر خليل حاوي خمسة دواوين شعرية هي (نهر الرماد) 1957، (الناي والريح) 1961، (بيادر الجوع) 1965، (الرعد الجريح)1979، (من جحيم الكوميديا) 1979، هذه الدواوين الشعرية كانت موضع بحث أكاديمي للباحث عيادي علي جمعة صدر في كتاب بعنوان (شعر خليل حاوي.. دراسة فنية)عن سلسلة كتابات نقدية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر.
أكد أن القصيدة عند خليل حاوي تحتاج إلى احتشاد القارئ كي يفض مغاليقها، فهي لا تمنح نفسها للقارئ العادي بسهولة، وإنما تحتاج إلى قارئ متمرس لديه القدرة على الغوص في القصيدة والكشف عن وشائجها العميقة وجذورها الضاربة بعمق في تراث متنوع، كما أن الشاعر يعتمد على الإيحاء، ولديه القدرة الكبيرة على ابتكار علاقات تتسم بالجدة والطرافة.
ويرى الباحث أن القصيدة لدى حاوي لا تتسم بالاستغلاق، وإنما القصيدة بناء ضخم تختفي تحت قمته الظاهرة طبقات ودهاليز لا يبخل الشاعر بترك كثير من الإشارات التي تساعد القارئ في اكتشاف أغوارها وهذه الموازنة قام بها الشاعر على أكمل وجه إذ لم تمل القصيدة عنده إلى جانب الغموض القاسي شأن كثير من قصائد أدونيس مثلاً ولم تمل في نفس الوقت إلى جانب الوضوح الذي يفقدها بكارتها من أول وهلة شأن بعض قصائد الفيتوري خصوصاً في بداية تجربته الشعرية أو بعض قصائد البياتي ذات النغمة السياسية الزاعقة.
ويشير إلى أن من أهم سمات القصيدة عند خليل حاوي كثافة الرموز، وارتباطها في نفس الوقت ببنية العمل الأدبي عنده، ففي القصيدة الواحدة نرى حشداً هائلاً من الرموز الجزئية التي تتعانق، وتمضي في تيار القصيدة العام، وتمثل خلايا حية في بنية الرمز الكلي للقصيدة، وربما يرجع ذلك إلى اعتماد الشاعر بشكل جوهري في قصائده على الأسطورة.
وربما كان خليل حاوي من أكثر شعرائنا احتشاداً للرمز فما تكاد تخلو قصيدة من قصائده من شبكة من الرموز هذه الرموز تتراوح بين الرموز التراثية والرموز الطبيعية والرموز الواقعية والرموز اللاشعورية وتكاد كل كلمة تحمل في سياقها إشعاعاً رمزياً وقدرة الشاعر على ابتكار الرموز كبيرة وقد بلغت حداً كبيراً من الشهرة في الشعر العربي الحديث نذكر منها على سبيل المثال رمز الريح ورمز الناي ورمز الطاووس، ورمز البدوية السمراء، ورمز الناسك، كل هذه الرموز في قصيدة واحدة هي قصيدة الناي والريح في صومعة كمبردج.
وتأتي الدراسة في ستة فصول تحاول تحليل أعمال الشاعر والكشف عن خصائصها على مستوى اللغة والموسيقي والرمز والأسطورة والبناء الدرامي وغير ذلك، الفصل الأول منها بعنوان: اللغة والأسلوب في شعر خليل حاوي ـ حيث يبدأ بمقدمة نظرية تهتم بالتفريق بين لغة الحياة اليومية، ولغة الشعر. ويتناول أيضاً أبرز الملامح الأسلوبية في شعره مثل مجاورة الألفاظ والحركة والنمو والاستغناء عن أدوات الربط اللغوية، كما يتناول بعض الأساليب الخاصة مثل الاستفهام والأمر والنداء وبعض السمات الأسلوبية في شعره مثل الحذف والتقديم والتأخير، كما يعنى بدراسة ظاهرة التكرار التي تعد من أبرز الظواهر اللغوية في شعر خليل حاوي.
وفي الفصل الثاني المعنون (الصورة والرمز في شعر خليل حاوي) يتناول الباحث وسائل تشكيل الصورة من تشبيه وتشخيص وتراسل حواس ومزج بين المتناقضات. كما يهتم برصد نمطين من التشكيل بالصورة في شعره، حيث ظهرت الصورة الواقعية والصورة المتحركة.
ثم يتناول بعض عيوب الصورة في شعره مثل المباشرة أو الوقوف عند حدود التشابه الحسي. وفي النهاية يتناول هذا الفصل الرمز في شعره سواء أكان رمزاً جزئياً أو رمزاً كلياً، ويدرس منابع الرمز عنده، حيث يستمد الشاعر رموزه من الطبيعة ومن الواقع ومن التراث، ومن اللاشعور، حيث جعل الشاعر الريح رمز الثورة على كل ما يربطه بواقع غير راغب فيه، وجعل الناي رمز التقاليد البالية الذي يفرضها الواقع عليه. ورمز القيود التي تكبل روحه المنطلقة، ومن شدة انفعال خليل حاوي بهذين الرمزين جعلهما عنواناً على ديوانه الثاني (الناي والريح).
يقول الباحث: يحسب لخليل الحاوي أن رموزه الكثيفة ترتبط أشد الارتباط ببنية العمل ككل. ففي القصيدة الواحدة نرى حشداً هائلاً من الرموز الجزئية التي تتعانق وتمضي في تيار القصيدة العام. وتمثل خلايا حية في بنية الرمز الكلي للقصيدة، ونظرة في قصائد مثل البحار والدرويش، السندباد في رحلته الثامنة، لعازر 1962م، قصيدة الغفران من صالح إلى ثمود، آلام الحزينة، سدوم.... إلخ.
مثلاً ترينا هذه الحقيقة واضحة، فقد بلغ خليل الحاوي في تحقيق الوحدة العضوية في القصيدة حداً كبيراً، فلا نستطيع أن نقدم سطراً أو نؤخره أو نحذفه، وكل شيء موضوع في موضعه وفق هندسة محكمة. لقد وصل خليل حاوي في قصائده إلى هذه الدرجة في الوقت الذي رأينا فيه بعض رصفائه يقعون في عيب حشد الرموز الكثيرة دون ضرورة فنية كبيرة لذلك.
ويكشف الباحث عن أن التحام الخاص والعام في تجربة خليل حاوي أكثر من معاصرية في ذلك، يتبدى الخاص في إبحار الشاعر إلى كمبردج وتعمقه في الغوص على أصول الحضارة الغربية وفكرها، وقلقه منها، ومن ثم رفضه لها. وتعمقه أيضاً في أصول الرؤية الشرقية للحياة ومعرفته بها وعدم اطمئنانه إليها.
كما يتبدى العام في حيرة الإنسان العربي عموماً بين هذين النموذجين وعدم اطمئنانه إلى أي منهما، ومن ثم رأينا كثيراً من أفكار مفكرينا ودعواتهم وخصوماتهم على صفحات الجرائد، وفي الكتب التي يصدرونها تتراوح بين هذين القطبين، مما يدل على إشكالية واجهت منطقتنا، واستطاع خليل حاوي أن يلمس هذه الإشكالية ببراعة في قصيدته تلك.
وهنا يبدو ملمح مهم من ملامح القصيدة عند خليل حاوي وهو نجاحه في الاستفادة من أفكار عصره، وتشبع قصيدته بها دون أن تصاب بالجفاف وأنه يعمد إلى تحقيق المعادل الموضوعي لأفكاره وفي هذا الصدد يقول خليل حاوي «وأعتقد أن أفضل منازع الفكر التي يفيد منها الشاعر هي المنازع التي تشيع في عصره، وتتجسد وتصبح واقعاً حياتياً حياً ينفي عن الفكر صفة التجريد ويجعله من المسلمات البديهة».
ولذا تصبح تجربة شاعر كخليل حاوي من أعمق التجارب العربية تجسيداً لهموم الإنسان في بلاده وتاريخه وتراثه الشعري. ويضيف ومن هنا تتضح مكانة خليل حاوي في حركة الشعر الحر، بل وفي حركة الشعر العربي الحديث عموماً. وتتميز القصيدة لديه بهندسة محكمة كل شيء فيها موضوع في موضعه، ورغم عمق القصيدة الواضح عنده، فإنها لا تتسم بسمة الإبهام الذي ينسف المعنى أو الدلالة. كما رأينا تميز القصيدة لديه بكثافة الرموز، وارتباطها في نفس الوقت ببنية العمل عنده وللشاعر قدرة كبيرة على ابتكار الرموز.وقد ارتبطت بعض الرموز به مثل رمز البدوية السمراء والناي والريح والناسك، وجنية الشاطئ والبصارة إلخ.
وحول استخدام خليل حاوي للأسطورة الذي خصص له الباحث الفصل الثالث المعنون (توظيف التراث والأسطورة في شعر خليل حاوي) يشير الباحث إلى أنه يستخدم الأسطورة استخداماً متميزاً، وقد فتح الباب واسعاً لبعض الشعراء في استخدام أسطورة تموز، حتى أطلق عليهم الشعراء التموزيون، وكان له إسهام كبير فيما يسمى بالاتحاد التموزي أي جعل تموز يتحد مع ما يضارعه من رموز الخصب.
وقد وجدنا القصيدة عنده تكاد تتخلص من بعض العيوب التي وقع فيها الرواد في مجال استخدام الأسطورة، وقد وصل ببعض الرموز إلى قمة لا تضارع مثل رمز السندباد، ويحسب له أنه أول من جعل للسندباد رحلة ثامنة في الشعر العربي الحديث، كما استطاع أن يحقق التحاماً قوياً بين الخاص والعام في شعره، وبدا واضحاً تمثله الرائع لأفكار عصره، والاستفادة منها دون أن تصاب قصيدته بالجفاف، مما يدل على إدراك واضح لفلسفة الشعر ومفهوم تجديده.
محمد الحمامصي
*الكتاب:شعر خليل حاوي
*الناشر:هيئة قصور الثقافة - القاهرة 2007
*الصفحات:245 صفحة من القطع المتوسط